الأحــد الثــاني لأيـلـيا

الأحــد الثــاني لأيـلـيا

ســنة الأيمــان

 

 

الأيمــان بـذرة تُزرَعُ في كل النفوس

 

 

يُتلى علينا اليومَ انجيلُ -::< متى13: 1-23 >::- ويسرُدُ لنا مثلَ الحنطةِ التي وقعتْ في أنواع مختلفة من الأرض، تفاعَلَتْ معها بشكلٍ مختلف. إنها بذرةُ الأيمان التي زرَعها اللـهُ في نفسِ كلِ إنسان. لكن ردودَ فعلِ الناسِ إختلفت ، من واحد إلى آخر، حسبَ إستعداهم لقبول الأيمان والتجاوبِ معه أو رفضِهِ. لكن نصَّ الرسالة -: 2تسالونيقي 3: 2:- يبدو وكأنه يناقضُ هذه الحقيقة عندما قال ” فالأيمانُ ليسَ من نصيبِ جميعِ الناس “!. كــيفَ ؟

 

نعمـةُ الأيمــان للجمــيع !

 

أما أن يكونَ الأيمانٌ نعمـة ً أفاضَها اللهُ على الأنسانية جمعاءَ فلا شكَّ في ذلك. لأنَّ الرسول بولس يؤَّكدُ ذلك لأهلِ تسالونيقي أنفسهم. لقد كتبَ لهم يقولُ :” إنَّ اللهَ لمْ يجعلْنا لِغَضَبِهِ. بل لنيلِ الخلاص برَّبِـنا يسوعَ المسيح، الذي ماتَ من أجلنا لنحْيا معهُ ” جمـيعًا “، أ سـاهرينَ كُّـنا أم نائمـين” (1 تس 5: 9-10). ولمْ يأتِ بولسُ بجديدٍ من عندِهِ. بل يُعلنُ ما إستلمَهُ من الرَّبْ (غل 1: 11-12) و أكَّـدَهُ لهُ أساطينُ الكنيسة (غل2:2،و9) بأنَّ الرَّبَ يسوع جاءَ ليُخَّلصَ كلَّ البشر، ليُخَّلِصَ العالمَ لا ليحكمَ عليه (يو3: 16-17 ؛ 12: 47). واللهُ لا يُجَّربُ أحـدًا ولا يتغَّيرُ في وعـودِهِ (يع1: 13-18)، ولا ” يُحابي أحدًا من الناس” (غل2: 6). وحتى الخطـأة من الناس لا يُعاقبُهم اللهُ ” لأنه لا يشاءُ أن يهلكَ واحدٌ منكم ، بل أن تبلغوا جميعًا الى التـوبة “(2بط 2: 9).

 

أضافَ يسوعُ ودعا كلَّ الناس إلى الأيمان به وحفظِ كلامِهِ: ” من كانَ عطشانَ فليأتِ إليَّ ” (يو7: 37)؛ و ” تعالوا إليَّ يا جميعَ المتعبين والثقيلي الأحمال، فأنا أريحُكم “(متى 11: 28).

 

فالـدعـوة الى الأيمان والخلاص مُوَّجهة ٌ الى البشريةِ كلِها. والدعـوةُ شخصية إلى كل إنسانٍ. و من لم يستجبْ لها يعزلُ نفسَه بنفسِه عن موكبِ الحـياة.

 

الأيمـانُ ليس للجميع : ماذا يعني ؟

 

إن كان اللهُ لم يحرِمْ أحدًا ولا إستثناهُ ولا أبعَدَه عن الخلاص ماذا يعني إذن أنَّ الأيمانَ ليس لجميعِ الناس؟. و لماذا يهلكُ الكثيرون ؟. إذا لمْ يكن السببُ في الله فلابد وأن يكون في الأنسان. ويهوذا الأسخريوطي مثالٌ على ذلك. لم يُمَّيزهُ يسوعُ عن البقية بشيء. ولا قَّصرَ في حَّقِـهِ. بل دعاهُ ، وعَّـلمَهُ وحتى دَّللَـهُ فرفعَه فوقَ البقية لمَّا كلَّفهُ بمهامِ” وزيرِ المالية ” حيثُ إئتَمَـنَه على المال الذي يُتـبَّرَعَ بهِ لهم (يو12: 4-6)، وأن يتكَّفلَ العناية َ بالفقراء (يو13: 29). ومع كُل هذا ” الأمتياز” لم يعرِفْ نعمَـتَه ولمْ يؤمن بألوهية المسيح ، بل فتحَ بابَ حياتِه للشيطان فدخلها (يو 13: 26) ، و قرَّرَ ان يسَّلمَ معلمه للموت مقابل المال ( لو22: 3) ، ضاربًا عرضَ الحائط قِـيَمَ الصداقةِ والعشرة ، ومُحتقِرًا تحذيرَ المعلم ” الويلُ لمن يُسَّلمُ ابن الأنسان. كان خيرًا له لو لمْ يُولّـدْ ” (لو22: 21). لقد إستسلمَ الى إغراءاتِ إبليس إلى أن تحَّكمَ منه فغَّوشَ فكـرَه ولَّـوَثَ قلبَـهُ بأكاذيبِه (يو8: 44)، كما فعلَ منذ بدءِ الخليقةِ (تك3: 1-5) ، حتى دعاهُ الرَّب بـ ” ابن الهلاك ” (يو17: 12).

 

وهكـذا لمْ يستـثن ِ اللـهُ أحـدًا عن غفـرانِه (لو23: 34) ، ولا إستثـنَى شعبًا أو أُمَّـة ً عن بشارتِه ” إذهبوا في الأرضِ كلِها ، وأعلنوا البشارةَ الى الخلقِ أجمعين” (مر16: 15 ؛ متى28: 19) ، ولا رفضَ أحدًا آمن بهِ (مر16: 16). ولكنه ليس مُلزَمًا بمن يرفُضُ الأيمان به. ولا يفرُضُ تعليمَهُ على أحد (يو6: 66-67). |< الأيمانُ يُعرَضُ ولا يُفرَض <|. وإذا كانَ الأنسانُ حُّرًا في القبول أو الرفض فهو يتحَّملُ بالنتيجة تداعياتِ موقفِهِ. عندئذٍ تـتحَّقـقُ المقـولةُ ” ليس الأيمانُ من نصيب الكل”، أى ليس الكلُ يقبلُ كلامَ اللـه. وبالنتيجة ليسَ الكلُّ يخلُصُ. ولهذا يدعـو الرسولُ تلميذه مسؤولَ الرعية بأنْ :” أعلِـنْ كلامَ اللهِ وأَلحَّ فيه بوقتِهِ وبغيرِ وقتِهِ. و وَّبِـخْ وأنـذِرْ وَعِـظْ. رغبة ً في التعليم. فسيأتي يومٌ لا يحتملُ الناسُ التعليمَ الصحيح .. فيصُّمون مسامعَهم عن الحَّـق ليُقـبلوا على الخرافات..” (2طيم4: 2-4). أمثالُ هؤلاء ليس لهم نصيبٌ في الأيمان ويُحرَمونَ الخلاص لأنهم فضَّلوا خرافات العالم على حقائق الله المُتجلية في رســالة المسيح. هؤلاء هم من ليس لهم نصيبٌ في الأيمان الذين قال عنهم يسوع : ” من أعرَضَ عني ولم يقبل كلامي فلهُ ما يحكُمُ عليه ” كلامُ المسيح الذي رفضوه (يو12: 47-48) لأنَّ ” من لم يؤمن به يُـدان” (مر16: 16). ورغمَ تحذيرِ المسيح فإنَّ أناسًا كثيرين سيضَّلون ويتبعون ” أنبياءَ كذبة ” مُفَّضلين إيَّـاهم على المسيح (متى 24: 24؛ يو5: 43). أمثالُ هؤلاء لن يتمتعوا بخيراتِ آمتيازٍ الأيمان.

 

وهل كلُ من سمع كلامَ المسيحِ مُؤمنٌ ؟

 

هنا جاءَ كلامُ الأنجيل ليَرُّدَ الجوابَ. هناكَ فئاتٌ مختلفة من مؤمنين. ويُقاسُ إيمانُهم لا فقط بقبولٍ حرفيٍّ لكلام اللـه، بل بالثمارِ التي يُعطيها. وقد حَّدَدَ الربُّ اربعَ فئاتٍ من الناس. وإذا عزلنا الفئة الأولى وهي تشيرُ إلى المُلحدين الذين لا يفهمون كلامَ الله ويَرفضونه جـذريًا وكُـليًا فيستلمُهم إبليسُ ، يخطفُ البذرة َ ويغويهم فيرفضونَ الله ، يبقى لنا ثلاثةُ أشكالٍ من المؤمنين، لهم :

 

1- إيمانٌ سـطحي ! الأرض الحجـرة .

يُؤمن بالمسيح من يسمعُ بشارة َالخلاص ويتماشى معها ما دامَ أمورُه كُلُها جيَّدة ومريحة. يستفيدُ منها ويستغلُّها لراحتِه. لم يعرف المسيحَ بعمقٍ ولا أحَّسَ بحُّبِه. لا تهُّمُه سوى راحةِ الجسد. وعند أول مُضايَقةٍ بسبب إيمانِه أوطلبِ بـذلٍ أو تضحيةٍ منه فهو يرفُضُ أن يخسرَ راحَتَه من أجلِ إيمانِه. بينما قالَ الرسول: ” حسبتُ كلَّ شيءٍ نفاية ً لأربحَ المسيح” (في3: . لأنَّ المسيحَ قال: ” من أرادَ أنْ يتبَعَني : فليَـزْهَدْ في نفسِه ، ويحملْ صليبَهُ ، ويتبعْني. لأنَّ الذي يريدُ أن يُخَّـلصَ حياتَهُ يفقِـدُها. وأما الذي يفـقِـدُ حياتَه في سبيلي فإنَّهُ يَجِـدُها ” (متى16: 24-25). أما المؤمنُ السطحي فهو مؤمنٌ بنفسِهِ فقـط ، ولذا فهو ليسَ مستعِدًا لأيةِ تضحيةٍ من أجلِ غيرِهِ.

 

2- أو إيمانٌ مصلحي ضعيف ! | الأرض المُشوكة.

يؤمنُ بالمسيح من يسمعُ البشارةَ أو يتوارَثُها من الآباءِ والأجداد ويقتنعُ بأنَّ الحياةَ الأبدية لن ينالها إلا بالمسيح ، لأنَّ الحقَّ عندَ اللهِ ، وهو وحدَه أحَّـبَنا. لكنه حسَّاسٌ جـدًا لهمومِ العالم والحياةِ الأرضية ، ويرتاحُ كثيرًا لمَّلذات الحياة. آمن بالمسيح لكنه لم يتعَّلقْ بحُّبِه. عرفَ المسيحَ وهو مُغرَمٌ بسمُّوِ تعاليمِه ، لكنَّ جذورَ مُغرياتِ العالم وتعاليمِه ما زالتْ تلحقه وتشُّدُه فـتجُّرُهُ. وبسبب ضُعفِ حُّـبِه للمسيح يتبعُ شهواتِه ، مُحاوِلاً أن يُّوَفِقَـها مع أيمانِهِ ، ناسيًا أنَّـهُ لا يمكنُ “عبادةُ اللهِ والمال” معا (متى5: 24). فالأيمانُ الحَّـق يقتضي محَّبة الله. وإذا غابَ هذا الحب الذي يختصرُ كلَّ التعاليم والشرائع (متى22: 37-40) ، أو مالَ هذا الحُّبُ إلى العالم وخيراتِهِ ،وهي أصلُ كلِ شّر(1طيم6: 10)، عندئِذٍ تسودُ أشواكُ المال والجاه والشهوة فتخنقُ الأيمان. بينما لو سـادَ الحُّبُ لله يتـبعُه حُّبُ الناس ، عندئذ يصمُدُ الأيمان أمام أقوى التجارِب ، ولا توجدُ بالتالي في العالم قُّــوة ٌ تقدرُ أن تفصلَ المؤمنَ عن المسيح (رم 8: 35).

 

3- أو إيمانٌ حقيقي وصلب. | الأرض الطّـيبة.

وأخيرًا نلقى أناسًا آمنت بالمسيح وآقتنعتْ بشريعتِه ، أحَّـبَتْه وتعَّـلقتْ بهِ وجعلتْهُ مُعَّلمًا وقائدًا فتبعتهُ على طريق الحُّبِ والبذل والخدمةِ والصمود على الحَّـق والأيمان رغمَ كل المُضايقات أو الأضطهادات. يستندُ إيمانهم إلى فهمٍ وقبول وآختيارٍ، إلى حُّبٍ وثقـةٍ وآتّـباع، ويصبو إلى تحقيقِ صورةِ المسيح في حياتِه (غل2: 20) ليكون شاهـدًا له. وقد وضعَ نُصبَ عـينيهِ قولَ الرب : ” ملكوتُ الله في جهـاد .. والمجاهدون يأخذونَه عُنـوة ً ” (متى11: 12). وقولَهُ الآخر: ” ستعانون الشّـدة َ في العالم. فآصبروا لها. لقـد غلبتُ العالم ” (يو16: 33). ولأنه واثقٌ مع بولس بأنه : ” إذا شاركْتُ المسيحَ في آلامِهِ فتمَّثَـلتُ به في موتِه لعَّلي أبلُغُ قُّـوَةَ قيامـتِه ” (في3: 10-11). إيمانٌ مثلُ هذا يُثمِرُ ويبني ويضمنُ الحـياة مدى الأبـد لأنه يُسَّـجلُ شـهادةً حَّـية وقـوية عن حقيقةِ المسيح.

 

4- بذرةُ الأيمان في كل إنسان

هكذا أفاضَ اللهُ ، بالمسيح يسوع ، الأيمان على البشرية جمعـاء. وزرعَ بذرَتَـهُ في قلبِ كلِ إنسان. زرَعه في قلبِ المُلحِدين (النموذج الأول )، والمؤمنين السطحيين (الأرض الحجرة)، والمؤمنين المرائين (الأرض المشوكة)، والمؤمنين الجَّـيدين. لأنَّ يسوعَ لم يتوَّجهْ إلى اليهودِ فقط ، بل الى العالم أجمع من خلال الشعبِ المختار، وبيـد تلاميـذه. و لم يحصر الخلاصَ في حضاراتٍ أو لغاتٍ خاصّة ومتميَّزة ، بل أفاضَ روحَه في كل اللغاتِ والثقافات (أع2: 5-11). لمْ يستثْـنِ المسيحُ أحدًا بل داوى، بعطرِ حُّبِه ، جروحَ كلِ المرضى والمتألمين حتى الخطأةِ والمُعَّـوقين و المنبـوذين.

 

ســؤالٌ يطــرحُ نفسَه !

وأخـيرًا تدعـونا الكنيسة إلى وقفـةٍ تأملية نُسَّـلِطُ فيها أنوارَ تعليم يسوع على حياتِنا ، على أفكارِنا وأفعالنا ، ونحاسِبُ أنفسَنا بشفافيةٍ وبسـاطة فنرى ما هو جوابُنا للأيمان الذي افاضَهُ اللهُ فينا ؟ و كيفَ هو؟. ما هو نوعُ قبولِنا للمسيح ؟. ما هي ردَّةُ أفعالِنا تجاه ما يطلُبه منا المسيح وما يغوينا به العالم؟. هل يُرافقُ إيمانَـنا حُّبٌ عظيمٌ للمسيح؟. هل نسعى ليُتصَّورَ المسيحُ فينا ، أم نحيا بدون هدفٍ ولا برنامج حياةٍ ولا جهادٍ ولا آختيار؟. ترى إلى أيةِ فِـئةٍ ننتـمي من الفئات الأربع التي ذكرَها الأنجيل ؟.

إنه سؤالٌ حيوي ومصيري. لقد دعانا الربُّ إلى السهـروالصلاة ! دعانا إلى أنْ نجعلَ إيمانَـنا مثلَ يسوعَ ومعَه نورًا ومِلحًا (يو8: 12 ؛متى5: 13-16)، وخمـيرة (لو13: 20-21 ؛ 1كور5: 6-8). وقد حَّـذرنا من خميرِالفرّيسيين ، من الرياء والسطحية والنفعية (متى16: 6). وقد أكَّـدَ أنه ” ليس كل من قال : يا رب ! يا رب ! ” ينالُ رضى الله و يحصلُ على ملكوتِه. اللـهُ لا ينغُّـشُ بالأقوال. إنه يُطالبُ بالأفعال (متى7: 21؛ 5: 16)، وعليها يُحاسبُ كلَّ واحدٍ (متى16: 27). و يقول مار يعقوب :” كما أنَّ الجسدَ بلا روح مَّـيتٌ فكذلك الأيمـانُ بلا أعمالٍ مَّـيتٌ “(يع 2: 26).

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO