الأحــد الأول لأيـليـا

الأحــد الأول لأيـليـا

ســنة الأيمــان

 

شــاهدان آخران للأيمـان : أعمـى وعَّشـار

 

وشعبٌ منافق : يصرُخُ اليومَ “يعيشُ “، وغدًا “أُصْلُبْـه “!

 

 

يُتلى علينا اليومَ إنجيلُ-::< لو18: 35- 19: 10 >::- وهو يُخبرُنا عن توَّقفِ يسوع في منطقة أريحا ، وهو في طريق صعودِه إلى أورشليم (18: 21)، يُحَّوِطُ به رُسُله الأثنا عشر وقد إلتحقَ بهم جمهورٌ من أهالي المنطقة يواكبونه مُـفتخرين بنبي إسرائيل، مُحتكرين إيَّـاهُ ساهرين عـلى إجلالِه الى درجةِ أنَّ بعضَهم تصَّرفَ كحرسٍ له يمنعون الناس البسطاء المنبوذين أو من دنيّةِ القـوم من الإقترابِ منه ، لا خوفًا على حياةِ يسوع إنما لعدم تشويهِ سُمعَتِه وإخلاءِ كرامتِه على يدٍ أناسٍ خطأةٍ وأذلاءَ نَـبذهم اللهُ وأبعَدَتهم الشريعة عن المجتمع الديني. وإذا بيسوعَ يُخالِفُ علنا موقِفَهم هـذا ويَّتصلُ بأولئـكَ المنبوذين. لمــاذا ؟

 

 

ايــمان اليهــود !

هنا بيتُ القصـيد. إذا كان الرُسُلُ أنفسُهم لا يؤمنون بوضوح بـ ” مسيحانيةِ يسوع ” حسبَ نظرةِ الكتاب ومفهومِهِ لأنهم ” لم يفهموا شيئًا عن ذلك ( أى ما حدَّثهم به يسوع عن آلامِهِ المزمعة وقيامتِه كونه مسيح الرب)، وكان هذا الكلامُ مُغلقًا عليهم ، فما أدركوا معناهُ “(18: 34)، فكيفَ بالشعبِ الجاهل يُدركَ عُمقَ جوهر شخصِ المسيح ودِّقـة َ رسالتِه !. مع ذلكَ كان الشعبُ يفتخرُ به علنا من أجلِ هالةِ سمعة القداسةِ التي يتمَّتع بها ، وشخصيتِه القوية ” ما تكَّلمَ إنسانٌ قط مثله ” (يو7: 46 ) ولاسيما قوته الخارقة على إجراءِ المُعجزات : ” وهل يُجري المسيحُ من الآيات حين يأتي أكثرَ مما أجرى هذا الرجل ” ؟ (يو7: 31). هذه الصورة القومية والتفوقية جَعلت الجماهيرَ تُعامِلُه كملكٍ أرضي “…يهُّمون بآختطافِهِ ليُقيموهُ مَلِكـًا ” (يو6: 15)، مُغَّذيَة ً آمالاً خفية وجلـية بأن يُحَّققَ حلمَهم بتحريرِهم من المُستعمِرِ الروماني.

 

هذه هي الحفرة الكبيرة التي سقطوا فيها. لم يعرفوا الله ولا عرفوا هوية يسوع الحقيقية (يو8: 19؛ 15: 21؛ 16: 3 ). فلم بؤمنوا بهِ، وبالأخص الرؤساءُ والفرّيسيين (يو7: 48) رغم كلِ أحلامهم وآمالِهم ، بل قاطعوا كلَّ من يعترفُ به مسيحًا (يو9: 22). وحتى لو كانوا صرخوا يومَ السعانين ” أوشعنا لآبن داود”، إلا إنهم بعدَ خمسةِ أيامٍ فقط سيصرخون ” أُصلبْه “!.

 

 

ايمــان الأعمــى

أما الأعمى فقـد إخترقَ بصَرُهُ شخصَ يسوع. فلم يتوَّقف عند مظاهر يسوع التحَّررية إزاءَ الشريعة. بل تحَّداها إلى رؤيةِ القوة الألهية التي يتمتع بها ، والمعرفة الأيمانية التي يمتازُ بها ولاسيما المحَّـبة والرحمة اللتين يتحَّـلى بهما. ولم تُغريه مواهِبُه القيادية فقط بل مالَ عنها ليرى فيهِ اللهَ الذي يعتني بآلام البشر فيداوي أمراضَها وجروحَها ، ويُوَّفرُ حاجاتِها الروحية. فـآجتَّرَ بينه وبين نفسِهِ أحداثَ حياةِ يسوع وتأَّملها بآهتمام ، وعمَّقَ فيها البحثَ فلم يجد جوابًا آخرَ غيرَ أنَّ هذا هو قدّوسُ الله ، هذا يعملُ أعمالَ الله (يو10: 25-22؛ 5: 36) التي أوحى بها الأنبياء (اش26: 19؛ 35: 5-6؛ 61: 1؛ مر7: 21-23؛ يو9: 3). ولم يُهِّمُه شكُّ الآخرين بل أعلنَ إيمانه بصوتٍ عالٍ وبتعابير من صلبِ ألقابِ المسيح المهة ” يا يسوعُ آبنَ داود “، طالبًا رحمَته لأنه يؤمنُ بأنَّ المسيحَ ” رحمةُ الله ولُطفُه “(لو1: 78).

 

حاولوا إسكاتَهُ ربما لأنه أعمًى خاطِيء أو لأنه تجاوزَ الحدودَ المسموح بها ،أى عدم الأعترافِ بمسيحانية يسوع ، لكنه لمْ يهتم بآنتهارِهم ، ولم يُرِدْ أن يخسرَ الفرصة الذهبية لطلبِ عونِه، بل ربما شعرَ بقوَّةٍ تدفعُه ليصرُخَ بأشَّـدَ من المرّة الأولى :” رُحماكَ يا يسوع ابنَ داود”، وهو مُستعّدٌ ليتحَّملَ نتيجة َ تصَّرفِهِ. هذا إيمانُه ، وجُراتُه في قول الحَّق، وتصميمُه في الأعترافِ به. هذا الأيمان العطر فاحَ ريٍحُه أمام يسوع فما كان منه إلا أن تجاوبَ معه قابلاً هذا الأيمان و مجازيًا إيّاه بشفائِه. لقد وعدَ يسوع أنْ ” كلَّما سألتم بإيمان تنالونه “(يو14: 13؛ 16: 24). لم يبقَ إيمانُه خفيًا بل كان إعلانُه تحَّديا صريحًا على موقِفِهم. لقد سارَ تمامًا ، كما يُـرَّدِدُ البابـا فرنسيس، ضدَّ التّيار العام. وما همَّـهُ أن يُعتبرَ شـاذًا أو حتى أن يُعاقبَ على إيمانِه فيُطرَدَ من المجمع. هَّمُهُ أن يُقِرَّ بالحقيقة ويشهدَ ليسوع ، و أيضا ألا يُفَّوِتَ فرصة الأستفادة من خيراته. ولمَّا شُفيَ لم يتـرُكْ يسوع ليذهبَ فيُخبرَ ذويه ، بل تبعَ يسوع تلميذًا يُنَّفذُ ما يأمُرُه به. وهذه ميزةٌ أخرى لأيمان الأعمى أنه كَّرَسَ نفسَه طوعًا لخدمةِ يسوع ، إعترافًا منه بجميلِه وتعـاونًا معه في إبلاغ بشرى الخلاص الى العالم. ربما لمْ يكن قادرًا على الكلام لجهلِه بالكتاب ، إنمَّـا كان جاهِزًا ليشـهَدَ بقُّـوة على ما أنعمَ عليه من نعمةٍ لا يملكُها غيرُ اللـه (يو9: 33)!.

 

ايمــان زَّكــا !

أما االشاهدُ الثاني زكَّـا فكان إيمانُه من نوعٍ مُختلِف. كان خاطئًا مُحترفًا وعَـلنًا يسرقُ ويظلمُ الناس. لكنه كان عطشانًا إلى حياةٍ نظيفةٍ وضمير نقي يضمنُ له الراحة َ والأستقرار الذي يصبو اليه بكلِ كيانِه. لقد سمعَ بيسوع الناصري وأنه يُعَّلمُ تعليمًا جديدًا مختلفًا عن غيرِه يُوعِدُ بحياةٍ أفضل. طرقَ سمعَه أنه قد يكونُ المسيحَ المخَّلص ويَغفرُ الخطايا. فآشتاقَ إلى اللقـاءِ به. ولكن كيفَ والمجتـمعُ، الديني والأجتماعي ، يحولُ دون تحقيقِ ذلك لأنه مَحكومٌ عليه بالعزلة بسببِ تعاوُنِه مع العـدُّو وأخذ الرشاوى. سمعَ أنه مارٌّ بأريحا. قرَّرَ أنْ يخرُجَ إلى ضاحيةِ القرية وقد يجدُ فرصة ً ليُحَّدِثَه. لكنه أصيبَ بالخيبة. فالجماهيرُ المُواكبةُ له قد شكَّلت حَـولَهُ حلقة ً أوسياجًا يستحيلُ إختراقُه. وأضِفْ إلى ذلك زكَّـا قصيرُ القامة. ما العمل ؟. قد لا يمُّرُ يسوعُ مَّرة ً أخرى من هناك. وإن لمْ يلتقِ به تضيعُ فرصَتُه !!.

 

وفي شوقِه العارم وخوفِه من أنْ تضيعَ عليه الفرصة قَّررَ زكّـا أن يعملَ المُستحيل. إنَّ طريقَ الموكبِ مُشَّجرٌ. ما المانع أن يتسَّلقَ شجرةً تُسَّهلُ له رؤية يسوع ، وتجلبُ إنتباهَ يسوع حين يراهُ مثل سنجابٍ فوقَ أغصان الشجر، ولعَّلَ يسوعَ يلتقِـطُ الشفرَةَ فيترَّحمَ عليه !. و سألَ اللهَ بحرارةٍ في قلبِه أن يُعينَهُ فتتحَّققَ أُمنيَتُه. وحصَلَ ذلك كما آمن وكما طلب. ولَّما دعاهُ يسوعُ بآسمِه إهتَّزَ كيانُهُ كله. ولما قال بأنه يزورُهُ في بيتِه ويتناولُ الطعامَ على مائِدتِه لمْ يُصَّدِقْ سمعَهُ ، ولمْ يقــوَ على إخفاءِ فرحِه وفخرِه. أما الجماهيرُ، فكما حاولتْ أن تحولَ بينه وبين الأعمى، إنتقَـدَتْ يسوعَ ولامَتْه لتصَّرفِه المُنافي للتقاليدِ والمخالِف لتعليمــاتِ الرؤساءِ والفرّيسيين. أما زَّكا فقد غمـرَه الأيمانُ وآنسكبتْ عليه النعمةُ بغزارة. فأعلنَ تـوبَتَه ، وقَّـرَرَ إصلاحَ سيرتِه فيُكَّـفرَ عن سَّـيئـاتِه ويُعَّوضَ عن إسـاءاتِه. فإن كان قد جمَّعَ المالَ بالغش والغدرِ والظلم يصرِفُهُ الآن على سَّــدِ الديون وإغاثـةِ المُعوَّزين ومساندةِ المشاريع الخيرية بدون حساب وبدون نـدم وبدون التأسفِ عليه.

 

تشَّـبثَ زكَّـا مثلَ الأعمى بالرجاءِ الذي كان يُعشعشُ في باطِنِه. ولما جاءَت الفرصة لمْ يـدَعْها تمُّرُ سُـدًى ، وعملَ كلَّ ما بوسعِهِ ليشهدَ لأيمانِه ويستثمرَهُ. ولما نالَ أمنيَـتَهُ عرفَ أن يُبـديَ للربِ إيمانَه وشُـكرَهُ و وَفـاءَهُ. ربما إعتقدَتْ الجموعُ المواكبة ليسوع أنها تؤمنُ بهِ ، أو أقلَّهُ تقدرَ أن توهمَ يسوعَ والناس بأنها مؤمنة. لكنها كشفتْ سريعًا عن عُريِها بمنعها المؤمنين به الوصولَ إليه ، أو تجاوبِ يسوع مع إيمانهم. لا ! لقد خابَ فألُهم فيسوع ليس نـبيًا من أيَّ طِراز, إنه اللهُ الذي يكتشفُ خفايا القلوبِ والضمائر ولن ينخدعَ بأحد. ويقـرأ الأفكارَ وما في النفوس (لو16: 15؛ يو2: 25) ويُمَّيزُ المؤمنين من غير المؤمنين (يو6: 64)، لأنه ” نرى الآن أنك تعلمُ كلَّ شيء ، ولا تحتاجُ إلى من يسألُكَ “(يو16: 30). وكذلك لا يُهملُ يسوع من يؤمنون بهِ ويسألونه.

 

إيمـانٌ من هذا النـوعُ ، مثل الأعمى وزكا ، يصبو إليه أهلُ العالم وتحُّثُ الكنيسةُ أبناءَها لتفتخـرَ بهِ وتُشّـعَه للآخرين وتشـهدَ لآلوهيةِ يسوع ومحَّـبتِهِ ولُطـفِهِ.

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO