فنجان قهوة وكباب

« فنجان قهوة وكباب »

بقلم الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

ما الفارق بين صحن الكباب وفنجان القهوة؟ سؤال طريف يشبه الفوازير الشائعة بين أصحاب الدعابة إذ يسألون عن أوجه الشبه أو الاختلاف بين أمرين ينتميان إلى فئتين مستقلّتين تمامًا ولا علاقة تربُط بينهما

صحن الكباب طبق شهيّ يحبّه جميع الناس سواء كانوا فقراء أو أغنياء. إنّه رمز الاحتفال بالمناسبات الاستثنائيّة. يُمكنني أن أتناوله بِشهيّة وأستلذّ به. ويُمكنني أن أتمتّع بتناوله في اليوم الثاني والثالث. ولكن إذا ظلّ الكباب هو الوجبة اليوميّة لمدة سنة، سأشعر بالسأم والرغبة في التغيير. أمّا فنجان القهوة، فهو مشروب لذيذ يمكنني أن أتناوله لا مرّة في اليوم وحسب، بل عدّة مرّاتٍ في اليوم، ولن أسأم منه مع مرور الزمن، بل سأدمِن عليه، فلا أستطيع أن أبدأ نهاري بارتياحٍ إن لم أتناول جرعةً من القهوة. تناول القهوة فترة مُمتعة. ومهما طال زمان تناولها، يظلّ الوقت لذيذًا. ولا يسعى الإنسان إلى التحايل في هذا المجال، لا في طريقة تحضير القهوة ولا في فترة تناولها، حتّى بعد سنواتٍ عدّة

الحياة الروحيّة هي هكذا. في البداية يمارس المؤمن الصلاة بحماسٍ وفرح، ولكنّه لا يفتأ أن يهملها بدافع السأم أو الانشغال. هذا يعني أنّه اكتفى بلذّة الصلاة ولم يجعل الربّ الذي يصلّي له يتغلغل في حياته حتّى درجة الإدمان. فصلاته ظلّت محصورة في مضمار اللذّة، أو المنفعة، أو الفريضة الدينيّة، أو تفادي أن يُحسَبَ عدم الصلاة ذنبًا. وبالتالي، تصير الصلاة مملّة مع مرور الوقت، ويبدأ الإنسان بالتحايل في أدائها، ويتفنّن في ذلك، وتكثر مبرّراته لعدم أداء صلاته كما في السابق

على صلاتي أن تنتقل إلى مستوىً آخر من العلاقة مع الله. عليها أن تصير فترة راحة ومُتعة، فترة سكون وسكينة. ولكي تصير كذلك، عليّ أن أبدأ من قناعة بأنّني لن أصلّي بدافع الواجب بل بدافع الرغبة. ثمّ يترتّب عليّ أن أتفنّن في جعل وقت الصلاة فترةً حلوة، أتمتّع بها، أتلذّذ، أرغبها دومًا وأريد المزيد منها. عليها أن تصير فنجان قهوة، لا أكون مرتاحًا ولا رائقًا بدون جرعةٍ يوميّة منه. حين تصير صلاتي هكذا، أتحوّل من إنسان مؤمن بالله إلى إنسان متعلّق بالله، من إنسانٍ متديّن إلى إنسانٍ روحانيّ، من إنسانٍ يخاف من الله إلى إنسانٍ يخاف على الله، وتتحوّل علاقتي مع خالقي من علاقة سيّدٍ وعبد إلى علاقة أبٍ وابن. فكما أنّ الفارق شاسع بين صحن الكباب وفنجان القهوة، كذلك الفارق أيضًا بين أداء الصلاة بسبب الواجب والفريضة وأداؤها بدافع الرغبة والشوق

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO