وحدة كنيسة المشرق كيف افهمها؟

وحدة كنيسة المشرق كيف افهمها؟

البطريرك لويس روفائيل الأول ساكو

الوحدة هي البعد الثاني من شعاري البطريركي الثلاثي: (الاصالة والوحدة والتجدد) وهي بالنسبة إليّ برنامجُ عملٍ أسعى اليه بكل وجداني. الوحدة في اعتقادي خصوصًا اليوم وفي مشرقنا هي ضرورة وجودية امام التحديات الكبيرة التي تهدد بقاءَنا في الداخل والخارج. لا مستقبل لنا من دونها. اؤكدُ على الوحدة وأُحمّلُ الجميع، خصوصًا الاكليروس، مسؤوليةَ تحقيقها، يقينًا أن أحدَ خطوط الكنيسة الاساسيّة هي الشموليّة. رسالتُها في كينونتها هي لكل الشعوب واللغات ولكل الازمنة والامكنة

الوحدة: هي رغبة يسوع، والإنقسام يتعارض مع الايمان المسيحي، لكنه من المؤسف القول اننا لا نزال منقسمين لأن الزعامة سمّة من سمّات الذهنية الشرقية، ومن طبعنا نجد صعوبةً في التعامل مع التنوع ولا نقبل بسهولة بحق الاختلاف. لذا لو نظرنا الى واقعنا بعمق، لرأينا اننا كلنا منشقون لاسباب ثقافية وشخصية وسياسية وسلطوية تحت ذريعة الحفاظ على العقيدة  الصحيحة

ايمانيًا: للكنائس الرسوليّة ايمان واحد لكن بتعبير مختلف. مثلا المشرقيون يقولون بشأن المسيح: طبيعتان واقنومان لكنه شخص واحد، ومريم هي أم المسيح ابن الله. والسريان الارثوذكس يقولون: طبيعة واحدة بمعنى كيان واحد، والكاثوليك يقولون: شخص واحد بطبيعتين… كلمات فلسفية يختلف فحواها من كنيسة الى اخرى، لكنها في الجوهر تعبر عن الشخص الواحد (1). وكل البيانات المشتركة بين مختلف الكنائس تؤكد على حقيقة الإيمان الواحد باختلاف التعابير

طقسيًا: الطقوس تعبير عن الايمان في ثقافة وبيئة ولغّة معينة، لذلك الطقوس مختلفة. ففي الكنيسة الواحدة يوجد طقسان، اذكر على سبيل المثال في الكنيسة السريانية الارثوذكسية يوجد طقس انطاكي وطقس مشرقي تكريتي وعدد كبير من رتب القداس! واليوم الكنائس مدعوة الى تجديد طقوسها حتى تتماشى مع واقع الانسان الحالي. نحن بحاجة الى تعابير ورموز وطقوس تحمل الينا معنى ورجاء لحياتنا. احيانا نشعر ان لا علاقة  لها بواقعنا الحالي! بالنتيجة يمكننا ان نكون كنيسة واحدة بعدة طقوس

قانونيًا: القوانين جاءت لتنظم العلاقة والحياة في الكنيسة الواحدة. والقوانين تختلف من بلد الى بلد ومن ثقافة الى ثقافة وشعب الى شعب. لكل كنيسة نظمها بحكم واقعها. واليوم بالامكان التوصل الى قوانين مشتركة لان عالمنا بفضل وسائل التواصل الاجتماعي هو قرية صغيرة

أولوية البابا

هناك جذور كتابية وتاريخية لاولوية بطرس الرسول، وفي طقسنا المشرقي معطيات لهذه الاولوية (2). أفهم ان في كل كنيسة محليّة رئيسها هو لها بمثابة بطرس، لكن لروما موهبة خاصة لتترأس بالمحبة (اغناطيوس الانطاكي). هناك بعض الاشكالية في ممارسة هذه الموهبة خصوصًا في المجال القانوني، لكن اذا قبلنا ان في الكنيسة هي سلطة المحبة في الخدمة وليست على طريقة الدول، لغدا قبولها أسهل ولكانت الوحدة قد تمت بشكل من الاشكال

الوحدة التي أشير اليها ليست فيدرالية كنائس، بل شركة مبنية على وحدة الايمان والاحتفال بالاسرار المقدس ووحدة الرسالة الانجيلية. والكنيسة مجمعية بطبيعتها لانها شركة koinonia

كنائسنا بحاجة الى المركزيّة وهي مفيدة جدًا، حتى الشعوب بدأت تتحد في المجال السياسي والاقتصادي لانها نشعر بالحاجة الى الوحدة والمركزية

الوحدة لا تعني ان تذوب هوياتنا الكنسية الخاصّة في نمط واحد، بل نحافظ على الوحدة في التعددية ونبقى كنيسة واحدة جامعة رسولية

كنيستنا المشرقية

كانت كنيسة المشرق واحدة ثم انقسمت ثم اتحدت ثم انقسمت. طقسنا واحد، لغتنا واحدة، قوانينا مشتركة، و تاريخنا بالرغم من تراكمه هو واحد. شعبنا في العمق واحد ويبحث عن الوحدة والبقاء والتواصل، يبحث عن حضور مؤثر عمليًا حتى نتقدم في التفاهم ونقترب من الوحدة، علينا ان نتتجذر في الانجيل وليس في الشكليات وعلينا ان نترك الروح القدس يلهم الكنيسة ويقودها الى هدفها, كما علينا ان نتحلى بالجرأة ونتكلم عن المواضيع المختلف عليها بانفتاح وسلاسة. علينا ان ننبذ التعصب بكل اشكاله ونتكلم عن التاريخ بعقلية منفتحة وناضجة ونفهم الاحداث في سياقها وثقافة زمانها ونغفر لبعضنا البعض

علينا ان نعيد صياغة الايمان لغة معاصرة ومفهومة وليس كما هي بلغة فلسفية يونانية منطقية صعبة

علينا ان نجد منهجية مشتركة وانشطة مشتركة بين الكنائس بخط راعوي واضح لان هناك تفاوت بين كنيسة واخرى مما يسبب خللًا وضعفاً وضياعاً

واحب ان اختم بصلاة لمار افرام:  يا ربِّ اجْعَلْ الوِفَاقَ بينَ الشُّعُوبِ يَتِمُّ في زمانِنا، ليَكونوا شَعبًا واحدًا حقًّا، اجمَعْ ابناءَكَ في حضنِكَ، فيَرفعوا الشكرُ لصلاحِكَ. لو كان جميعُ ابناء النور متحدين، لأزال اشعَاعُهُم المُوحَّد الظَلامَ بقُوَّةِ وحدَتِهم

___

(1) المشارقة  هراطقة أم مستقيمو الايمان: مجلة الفكر المسيحي، عدد192  لسنة  1984 ص 81-88، والسريان الارثوذكس حقا ارثوذكس: مجلة الفكر المسيحي العدد 216 لسنة 1987 ص218-222

(2) طالع ترتيلة  طوباك ايتها المدينة الشهيرة رومية:

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO