هل يجــوزُ شربُ الخمــر ؟

Paul Raban
  • هل يجــوزُ شربُ الخمــر ؟

 

ســنة الأيمـان

 

سألت أحدى الأخوات الكريمات : ” هل يجوزُ شربُ الخمر، لأنَّه مكتوبٌ في رسالة أفسس 5: 18 ” لا تسـكروا بالخمـرة ففـيها الخلاعة. بل إمتلئـوا من الروح القـدس”.

 

ألجــوابُ : نعـم يجــوزُ !

 

الشــرح :
قد يبدو جوابي غريبًا أو حتى متناقضًـا مع وحي الكتابِ المُقَّـدس. لا. بل قد يكونُ السؤالُ غريبًـا ، أو أقله لا يتماشى مع الشاهد المعروض من الكتاب. السؤالُ هو : ” هل يجوزُ شربُ الخمر”. أما النصُ فتحَّـدَثَ عن ” لا تسكروا بالخمرة “.

على القاريء أن يفهمَ الكتابَ كما أرادَه كاتبُه الموحى، وليسَ كما يطيبُ لأيٍ كان. هذا من جهة. ومن جهة أخرى يقولُ الوحيُ نفسُه :” اعلموا إنه ما من نبـوءةٍ في الكتاب تقبلُ تفسيرًا يأتي به أحدٌ من عنده ” ( 2بط1: 20). الكتابُ المقدس تفَّسِرُه الكنيسة التي أقامها اللـه و خوَّلها، على يد رئيسِها بطرس وخلفائِهِ ، سُلطانَ الحَّلِ والربط (متى16: 19).

وما جاءَ في النص يتعَّلقُ بـ” السُكرِ”، أى سوء استعمال الخمر والمشروبات الكحولية عّامةً. السُكرُ يفقِدُ المرءَ عقلَه وتوازنَه ويقودُه بالتالي إلى تصَّرفاتٍ شاذة وسَّـيئة ، وقد تكون مؤذية أيضا. فالسكران يُشبه بهيمةً. لذا فالسكر لا يليقُ بكرامةِ صورةِ اللـه ، ولا يبني الأسرة المسيحية ، بل هو حتى إزدراءٌ بالكنيسة كما قال الرسول (1كور11: 21).

مع ذلك لا يجوزُ تعميمُ هذا النقص بحيثُ يشملُ ما لم يشمله به الوحي. قبلَ كلِ شءْ ليستـ الخمرُ لذاتها مُحَّرمة من قبل الرسول. لأن الرسول نفسُه لا فقط لايمنعُ تلميذه طيمثاوس من شرب الخمر ، بل يدعوه إلى تناولها قائلا : ” إشرب قليلا من الخمر من أجل معدتِكَ و أمراضِكَ ” (1طيم 5: 23). القليل لا يرفعُ السوءَ عن الخمر ولا الكثير منه يَدينُه. لأنَّ الخمرَ بذاتِه مادةٌ جَّيدة. هذا إيمانُ الرسول وهو ينقلُ إلينا الوحيَ ، قائلا: ” كلُ ما خلقَ اللـه حسنٌ. وما من طعام نجس إذا تناوله الأنسان وهو حامدٌ. لأنَّ كلامَ اللـه والصلاة يُقَّدسانِه ” (1طيم 4:4). مع أنه هو الرسولُ يقولُ لطيمثاوس نفسه ولطيطس بأنَّ الأسقفَ لا يجوزُ أن يكون ” مـدمنًا على الخمرِ” (1طيم3:3؛ طي1: 7)، بل وكل خدم المذبح(طي2: 3). واللوم على السكر ورفضُه قائمٌ بلا جدال (1بط4: 3). وبولسُ نفسُه يعودُ فيؤَّكدُ بأن سوء إستعمال الخمر مرفوضٌ لأنه يسَّببُ الأذى ، فيقول :” ومن الخيرِألا تأكلَ لحمًا ولا تشربَ خمرًا ، و لا تتناولَ شيئا يكون به عثارٌ لأخيكَ “(رم14: 21).

ومن هُـنا يبدو مُهّمًا جّـدًا وجلـيًا بأنَّ الوحيَ لا يتوقفُ على آيةٍ واحدة ولا على عبارةً واحدة ، بل حتى ولا على فصل كاملٍ معزولٍ عن بقية أجزاء الكتاب. الكتابُ كلهُ وحيٌ واحد. و يُعطي تعليمًا واحدًا متماسكًا. لذا على المؤمن أن يطلعَ على الكتابِ كله أولا ، ثم ألا يسمح لنفسِه بأن ينفردَ بتفسيرِه حسبما سمعَهُ من هذا او ذاك. للكنيسةِ ،جسدِ المسيح، وحَدها سلطة ضمان التعليم المستقيم.

ونضيفُ بأنَّ الوحيَ يؤكدُ بأن ليسَ بين الأطعمةِ شيءٌ محروم أو نجس حتى بين ما نجَّسَهُ موسى وحرَّمه على شعبِ اللـه (أح11: 1-47). عرضت السماءُ على بطرس أكلَ ما حرمته الشريعة ، قال : ” لم آكلْ قط نجسًا ولا دنسًا “. أجابته السماء :” ما طَّهرَه اللـه لا تُنَّجِسُه أنت. لا شيءٌ نجسٌ ولا أحد ” (أع10: 15-28). وقد سبقَ يسوعُ فأعلنَ : ” ليسَ ما يدخلُ الفم ينَّجسُ الأنسانً بل ما يخرجُ من الفم..” ، مؤكدًا بأن مذاهبَ الحرمان ليست سوى أحكام بشرية تناقضُ شريعة اللـه ، فقال : ” لقد نقضتم كلامَ اللـه من أجلِ سُّــنَتِكم ” (متى 15: 1-11). وهذا التعليم ُ الألهي نقله لنا الكتاب منذ بدء الخليقة حيثُ قال : ” فنظرَ اللـهُ إلى كلِ ما صنعَهُ فرأى أنَّـهُ حسَـنٌ جّـدًا “(تك1: 31). والخمرُ ، بل وكل المشروبات ، ليست سوى عصير الأثمار التي خلقها اللـه، :” وأنبتَ الربُ الأله من الأرضِ كلَّ شجرةٍ حسنة المنظر ، طيبة المأكل “(تك2: 9).

وإذا خطرَ ببالِ أحد أن يعترضَ فيقول بأن الخمرَ ليس ثمرا بل هو عصيرُ الثمرالمُخَّمَر. و الخميرَةُ تفسُد الشيء. فإلى ذلك الأخ المعترض أيضا أقول إقـرأ الفصل2 من إنجيل يوحنا أ لم يُحَّولْ يسوعُ الماءَ خمـرًا لكي يشربَ منه ضيوفُ العريس ويتنعموا ؟. كيـفَ أجرى الربُ ذلك إذا كان الخمرُ دنسًا وممنوعًأ ؟؟. وكان خمرًا حقا لأنَّ رئيسَ المجلس لما ذاقَه وأحَّسَ كم هو طيّبٌ وفاخرلامَ العريس لأنه أتى به في الأخير وليسَ في البداية كما إعتادَ الناس أن يفعلوا (يو2: 7-11).

ربما يقولُ قائل : هذا لم يكن خمرًا مُخَّمرا. نعم. والخمرُ الذي شربهُ يسوع مع تلاميذه في عشاء الفصح ، ثم باركَ الكأسَ الثانيةَ منه ، وأعلنها دمَه وأمرَ بأن يصنعَ التلاميذُ مثله فيقدّسون الخمرَ في القداس ويُحَّولونها إلى دمِه ، أ لمْ تكن تلكَ أيضا خمرةً ؟؟ وإذا كانت الخمرُ دنسة وسيئة فكيفَ شربها يسوع وحَّولها إلى دمه وطلبَ أن تفعلَ الكنيسةُ مثله إلى نهاية العالم؟. كيفَ يبرّرُ ذلك محَّرموا شربَ الخمر؟.

يتحَّدثُ ما ربولس عن الأزمنة الأخيرة ويُعَّددُ عشرين صفـةً ســيئة يتّصفُ بها أهلُها و ينهيها هكذا : ” إنهم يُظهرون التقوى ولكنهم يُنكرونَ قُّـوتَها ، فأعرِض عن أولئك الناس ” (2طيم3: 1-5).

ليس التظاهرُ بالتقوى اليومَ و تحريم شربُ الخمر غريبًا عن المسيحية. لقد حرمَ الخمرَ وحتى الزواجَ ، منذ القرن الثالث الميلادي، وطالبَ بالتحَّرُرِ كليًا عن الجسد ، منحرفون كثيرون عن الأيمان المستقيم ، أمثال المانويين والغنوصيين ، وآدَّعوا لأنفسهم ، ولأنفسهم وحدهم ، 2/ 10.000 إثنان من كل عشرة ألاف، المعرفة الكاملة. أمثالُ هؤلاء هم أتباعُ من ذكرهم الرسول : ” يكون فيكم علماءُ كذَّابون يُحدثون بِـدعًا مُهلكة.. يُزخرفون الكلامَ و يُتاجرون بكم في طمعهم.. يفتنون النفوسَ الضعيفة… إنهم خلقٌ ملاعينُ حادوا عن الطريق المستقيم وضَّلوا … ، هؤلاء ينابيعُ ناضبة وغيومٌ تدفعُها الزوبعة ، ولهم أُعِدّتْ غياهبُ الظلمات “(2بط2: 1-17). وتُضيفُ رسالة يهوذا : ” هم أشجارٌ لا ثمرَ عليها ماتتْ مرَّتين وآجتُـثَّتْ من أُصولِها ” (يه 12).

القس بول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO