الأحــد السـابع للرسل

الأحــد السـابع للرسل

 

ســنة الأيمـان

 

في قراءة اليوم من إنجيل لوقا >: 13: 22 -30:< طرَح ” إنسانٌ ” السؤال :” هل الذين يخلصون قليلون “؟. كم واحد من الناس سيخلص ؟.

 

1-   إنســانٌ !

لم يكشف الأنجيلي هوية السائل. إنهُ أنا وأنتَ. إنه كلُ إنسان يَهتَّمُ بالخلاص ، بالحياة. كلُ إنسانٍ يُّحبُ الحياة. ويتمنى أفضل حياة. ويجبُ على كل إنسان أن يهتَّم ويُشاركَ في بنـاء حياتِه، وبناء حياة البشرية جمعاء. لكن الحياة تفوقُ مفاهيم الأنسان وقــواهُ. لم يحصل عليها بنفسه. لم يخترها حسبَ ذوقِهِ ، لم يبنِها بفكرهِ ، ولا عُرِضَت عليه نماذجُ منها فآختار ما راقَ له. يَحُّسُ كلُ واحد أنه ” حّي ” ويتمنى فقط أن تدومَ حياتُه إلى الأبد ، ألا تنتهي، وأن تكونَ في أسعد وأبهى شكل. وما دام له الحياة فلا بد وأن يهتم بصيانتِها ويكفلَ مصيرَها ، فلا يترُكُها للقدر، بل يُحاولَ أن يبنيَ صرحَها بيده وكما يطيبُ له ويرتاحُ إليهِ فيضمن مستقبلَها. حتى لو كانت قد وُهبَتْ لهُ من غيرِه، إلا إنها الآن مُلكُه ويريدُ أن يتصَّرفَ بها كما يحلو له ، ويَضمن تواصُلَها للأبد ،الأمرَ الذي لا يعرفُ كيف يمسكُ بزمامِه. لذا وجَبَ عليه أن يتَّصلَ بمن أصدرَ له الحياة ويستجليَ منه ما غمُضَ عليه.

 

2-   الخلاص !

ماذا يعني الخلاص ؟

نَّـوَهنا أنَّ الخلاصَ يعني ” الحـياة “. والحياة تتعَّدى الزوال وتتحَّـدى الفـناء. والحياة تعني حركة وجمال وثمار. لننظر الشجر. إنه نمُّـوٌ دائم وجمال وثمر. وإذا يبسَ الشجر وماتَ إنتهت كُلُ مزاياهُ الأيجابية. هكذا الحياة. إنما تتَـمَّيزُ حياةَ الأنسان عن حياة بقية الكائنات بأنها حتى إذا إنتهتْ ظاهريا بالموت، إلا إنها تستمرُّ بشكل روحي بلا نهاية. فالخلاصُ يكون ضمانُ الحياة بلا نهاية وبشكل مُريحٍ وسعيد ،لا نقصٌ فيها ولا عيبٌ ولا حاجة ، ونافيةً كلَّ تعبٍ أو ألم أو ضيق. وقد نجدُ صورةً منها أو نموذجًا في صُنعٍ الأنسانِ في << الفردوس >> حيثُ كان الأنسان سعيدًا، لا يُخامرُه لا قلقٌ ولا خوفٌ ، ولا يبذُلُ جُـهدًا في توفيرحاجاتِه. كان يتمَّـتعُ بـ” الحياة ” ، إذ توَّفرَتْ لهُ كلُ مقَّوماتِها ومُستلزماتِها ، وآرتاحَ إليها كليًا.

ولكن حدَثَ ما لم يرُقْ للأنسان وشَّوهَ مسيرةَ حياتِه. لقد مارسَ الأنسانُ حريتَه وآختارَ ألآ يسمعَ لمن وهبَ له الحياة وضمنَ له الفردوس. إختارَ الأنسانُ أن يتبعَ فكرَه الشخصي ويسلكَ بما رآه حَّقًا وصحيحًا ، فـلَّبى شهوَته. فضَّلَ أن يُجَّربَ الحياةَ من بابِها الأوسع. إنتعَشَ حينا. لكنَّ زهوَه لم يدُم طويلا حتى شعرَ أنه أخطأَ التصَّرُفَ وخسرَ نعمَـتَه فأمست حياتُه عِـبئًا ولاسيما مستقبلُه مجهولاً. دخلَ إلى حياتِه القلقُ والخوفُ والجهلُ. ودارَت في رأسِه الحيرةُ ، ولا تزالُ تدور، مع ألفِ سؤالٍ وسؤال : كيف سيواصلُ حياتَه ؟ ماذا سيحصلً له الآن وقد حُرمَ نعـمَةَ صداقةِ اللـه وعونَه وضمانَه ؟

 

3-   ســـؤال !

ولازال الأنسانُ منذ ذلك اليوم ، وإلى يومنا وحتى نهاية العالم ، يطرَحُ السؤالَ ، لاسيما حولَ مصيرِه بعدَ الموت. لقد دَّبرَ شؤونه على الأرض. وحاول مستميتا أن يمنعَ عنه الموت. لم يفلحْ. إنه ، علاوةً على ذلك، لم يضمن لنفسِه حياةً دون تعب وألم ومرضٍ وضيق. وتأكدت لديه أنْ لا حيلةَ بيده ولا يقدر ان يُسيطرَ على مصيره بعقله وفكره ورغباتِه وأعمالهِ المُدهشة ومُخططاتِه حتى شبه الإعجازية. فلا زالَ قلقًا ومُحتارًا يسألُ عن مصير حياتِه بعد الموت. يسألُ ما هو الدربُ الذي يسلكُه ليضمن أفضل الحياة ؟ ويسألُ من يَخلُص ، أى ما هو السلوكُ الأنساني الأنسب الذي يضمن الحياة؟ ربما يُفكرُ أنه سيكتشفُ بذلك دربَ الحياة فيسلكه!.

لكن السؤال المطروح يثيرُ أسئلة أخرى تدُّلُ على أنَّ الناسَ غير متأكدين من أنَّ أي سلوك بشري محض ، من الواقع المُعاش، يقدرُ أنْ يضمن الحياة. وهذا يَدُّلُ على أنَّ الناس يشُّـكون

في جدارةِ أعمالهم وسـلامةِ سلوكهم فيحتارون ويتساءلون : من يُمكنه أن يخلص ؟. يحُّسون أنَّ بابَ الشهوات الواسع لا يضمن لهم الحياة. وإذا ضايقوا على أنفسهم بالتنازل عن شهواتِهم و السلوك من خلال الباب الضيق فهل سيُنقذهم ذلك؟. وجاءَ جوابُ يسوع : ” إجتهدوا الدخول إلى الحياة من الباب الضيق “. والبابُ الضيق يعني ألا ينجرفَ الأنسانُ وراءَ شهواتِه ، بل أنْ يُصغي إلى كلامَ صانِعهِ ” إجمع لي الشعب حتى أُسمعَهم كلامي ليتعَّلموا مخافتي.. ويُعَّلموها بنيهم ” (خر19: 5؛ تث4: 10) ويسلك سبيل الروح (يو6: 63؛ رم8: 4).
كلام اللـه وسبيل الروح تعني أن يعيشَ الأنسانُ حياتَه البشرية كاملة ،لا فقط تلبية الشهوات الجسدية بل مراعاة متطلبات الروح التي يحملها مع الجسد وهي صورة اللـه الخالق. إنَّ حياة الأنسان تنبعُ من حياةِ اللـه نفسه. وحتى يبقى للأبد مع اللـه يجب ان تتفاعَل مع حاجات الروح ويتجاوبَ مع كلام اللـه.

والتجاوبُ مع كلام اللـه أيضا يجب أن يتم كما يريدُه اللـه لا كما يتصَّورهُ الأنسان حسب فكره. بعد ما إعترف بطرس ، في قيصرية ، بأن يسوع هو:” المسيح ابنُ اللـه الحي”، وأعلن يسوع عن أنَّ :” المسيح سيتألم ويصلب ويموت ” إستنكرَ بطرس ذلك. لأنه فكر بالمسيح ملكا أرضيا يسود على العالم بالقـوة للأبد. فعَّنفَه يسوع لومًا مؤكدا أنَّ فكرَهُ ذاك بشريٌ محض(متى16: 23 )، نابع من شهـوات الجسد، لا علاقة له بالحقيقة التي يعرفها اللـه وأعلنها يسوع.

وكما أكد أمس قداسة البابا في موعظته أثناء قداس عيد الرسولين بطرس وبولس إنَّ تصَّرفا مشابهًا يبقى أرضيا يرفضه اللـه. وعلى الأنسان ألا يُدمجَ فكرَ اللـه بشهوتِه الجسدية. بل عليه أن يرتقي بفكره إلى مستوى تفكير اللـه. لذا دعا البشرية ألا تثق بحضارتِها وفكرها أكثر مما ينبغي. لأن عقلَ الأنسان من عقل اللـه وعليه أن يتوالم معه لا أن يُناقضَه أو يُعاديه. إنَّ الصراعات القائمة بين الشعوب دليل على أن الناسَ يخطأون كثيرا في إختيارالحلول لمشاكلهم. عليهم أن يسمعوا ” كلامَ اللـه “. لا تتفقُ الطرق البشرية دوما مع فكرِ اللـه. واللـهُ وحدَه يضمنُ حياة الأنسان ، الآن أو مدى الأبد. وعندما تختلفُ مواقف البشر مع تعليم اللـه تُصبح حجر عثرة للبشرية ولا تبني الحياة الكاملة الحَّقـة. ولهذا سمعنا يسوع يرفضُ مؤمنين كثيرين يدّعون أنهم يستحقون الحياة ، ردَّ عليهم الرب ” أبعدوا عني ! لا أعرفُ من أنتم “.

يخلصُ إذن من المؤمنين العـددُ الذي لا يتبع هـواهُ بل يُصغي إلى اللـه ويمتثلُ لوصاياه فيسلكُ دربَ المحَّبة و التواضع والبذل والخدمة من أجل إستتباب الحق ورفاهية الشـعوب. يَخلصُ من يسمو بفكره وقلبه إلى عالم الروح وتتـفقُ مع فكـر اللـه ومشــيئتِهِ.

 

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO