تكوين العهد الجديد ١٠

الجزء الثاني: الحلقة العاشرة

تكوين العهد الجديد ١٠ : صياغة الأناجيل

 

3- هدف الاناجيل

كان هدف الاناجيل: تنمية الايمان وتغذيته. هناك صعوبات تقنية: ورق البردي غالي الثمن. كيف نمسك القصبة؟ والحبر لا يدوم طويلاً. لهذا أجبر الإنجيليون على تدوين وثائق قصيرة ومحدّدة. وهذا ما يدعونا إلى مقابلة المقاطع المتشابهة في الاناجيل.

* قد نعجب من اختلافات واضحة، بل بعض “تناقضات” حرفية بين الأخبار. فالكلمات ليست هي هي، أو هي لا تتوالى في الترتيب عينه. مثلاً، جعل لوقا (6: 11- 16) دعوة الاثني عشر قبل الخطبة الأولى (لو 20:6- 49). وجعلها متى (10: 1- 4) بعد خطبة الجبل (مت 5- 7). وهكذا نجد أنه يستحيل علينا أن نكتب سيرة مفصلّة ليسوع بأن نتبع تسلسل الاناجيل، أو بأن نمزجها بعضها ببعض. وهذا نفهم أن هذه الكتب لم تهتمّ أول ما تهتم بالناحية التاريخية. هي إنطلقت من الناحية التاريخية، من حياة يسوع وأعماله وأقواله، لتقدّم لنا شهادة عن يسوع.

* لا تكتفي الاناجيل بأن تقدّم لنا الوقائع بصورة بسيطة. فهدف الإنجيليين ليس حصراً بأن يقدّموا “سيرة يسوع” مع الدقة المادية في خطبه وتصّرفاته. هدفهم تنمية وتغذية ايمان المسيحيين انطلاقاً مما قاله يسوع وعمله. واخذ الكتّاب بعين الاعتبار تأثير أعمال يسوع وأقواله على حياة الجماعات التي يتوجّهون إليها. لهذا قاموا بعملية اختبار ولم يكتبوا كل شيء (يو 30:20؛ 25:21).

أعلن الإنجيليون الحدث يسوع المسيح. ولكنهم ظلّوا، شأنهم شأن الرسل، يدعون القارئين إلى الايمان والى حياة مسيحية حقّة. والتأمت الجماعة فضمت وشاركت وتعمّقت ودوّنت ما تعيشه وتعرفه عن المسيح. في هذا المعنى نقول: الكنيسة كوّنت الاناجيل.

* كان كل انجيلي شاهداً لسامعيه، وقد نال نداء خاصاً به. هنا تبرز شخصية كل كاتب وأسلوبه وطريقة التعبير عنده. فهؤلاء الكتّاب يوردون مضمون التقاليد السابقة كما وصل إليهم حرفياً ولا يجعلون القطعة لِجانب الاخرى بدون نظام أو ترتيب. إنهم يعودون إلى مراجعهم وينظّمون مجموعات يشدّدون فيها على أمور ويفضلونها على أخرى. هذا الاسلوب نكتشفه حين ندرس كل انجيل على حدة. ونأخذ مثلاً يوحنا مع ما فيه من ابتكار: عاد إلى مراجع متنوّعة وقديمة. ولكنه ظلّ حراً في استعمال هذه المراجع، فلجأ إلى التوسّعات الطويلة ليبرز المعنى العميق لأعماله يسوع وأقواله.

* رغم الاختلافات البارزة التي توضحها كل مقابلة بين الاناجيل الثلاثة الأولى (نسميّها الاناجيل الازائية، لاننا نضع نص متى ازاء نص مرقس أو لوقا فنجد التشابهات والاختلافات)، يورد كل من متى ومرقس ولوقا أقوالاً وأحداثاً متعلّقة بيسوع في الفاظ متقاربة وفي تصميم متشابه. مثل هذه التشابهات تطرح سؤالاً: هل ترتبط الأناجيل بعضها ببعض؟ لن نقدّم هنا الفرضيات العلمية المتعدّدة. ولكننا نورد نقطتين:

– الاولى: أثّر مرقس تأثيراً كبيراً على التدوين النهائي لمتى ولوقا، إن على مستوى البيئة العامة، وإن على مستوى الشكل الأدبي.

– الثانية: هناك مواد جهلها مرقس واستعملها متى ولوقا. قد يكون في أساسها متى الأرامي.

 

الاب د. غزوان يوسف شهارا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO