رسالة الرهبانيّة اليسوعيّة في حوارها مع البروتستانت

رسالة الرهبانيّة اليسوعيّة في حوارها مع البروتستانت

بقلم الأب توماس روش اليسوعيّ

نقلها إلى العربيّة ربيع حورانيّ اليسوعيّ

شرح المجمع العام الرابع والثلاثين الذي انعقد سنة 1995 كيفيّة فهم اليسوعيّين لتلاقي نشر الإنجيل مع حوار الثقافات. كما طلب هذا المجمع من اليسوعيّين الاهتمام أكثر بحضور المرأة في الكنيسة. يُمكن اعتبار هذا المجمع مجمع الانفتاح على الحوار، وهذا ما يعبّر عنه المرسوم الخامس رقم  135 الذي  استشهد بقول البابا بولس السادس “الحوار هو الطريقة الجديدة لكون الكنيسة”.

protestant_-_01لا يكفي أن يحصر اليسوعيّون اهتمامهم بالكاثوليك بل عليهم أن يعرفوا أنّ رسالتهم هي في عالم متعدّد الأديان والطوائف. لذلك اعتبر الآباء “أنّ الحوار المسكونيّ هو الطريقة الجديدة لكون الكنيسة” (مرسوم 12 رقم 328)، وأن تكون رجل دينٍ يعني أن تكون منفتحًا على الحوار (مرسوم 5 رقم 3).

يمتاز المجتمع البروتستانتيّ بالتعدّديّة، فهناك الكنائس التي نشأت نتيجة الإصلاح في القرن السادس عشر (الكنيسة اللوثريّة والأنغليكانيّة)، وهناك الكنائس المستقلّة (المعمدانيّة، تلاميذ المسيح…)، وهناك أخيرًا الكنائس الإنجيليّة والتبشيريّة. تعترف بعض هذه الكنائس بالأسرار، وتجتمع بشكلٍ متواصل حول سرّ الإفخارستيا، وتتشارك حول نصّ انجيليّ. أمّا البعض الآخر فيركّز على الإنجيل والوعظ والشهادة من دون طقوس معيّنة. تزدهر حاليًا الجماعات التبشيريّة وتؤلّف ما يسمى الجيل الثالث في تاريخ الكنيسة، بعد الكنائس القديمة وكنائس الإصلاح. يشكّل التبشيريّين، الذين يزداد عددهم بشكلٍ كبير، بمختلف مذاهبهم حوالي 500 إلى 600 مليون مسيحيّ يضافون إلى حوالي مليار كاثوليكيّ حيث يشكّلان سويًا ما يوازي 75% من إجمالي مسيحيّ العالم.

انخرط اليسوعيّون في الحوار المسكونيّ منذ نشأة، سنة 1960، سكريتاريا لوحدة المسيحيّين المعروفة حاليًا بالمجمع البابويّ للدفع نحو وحدة المسيحيّين. أدخلت معظم الجامعات اليسوعيّة مواد تتعلّق بالحوار المسكونيّ ضمن مناهجها، كما أنّ بعض هذه الجامعات في كندا وأميركا وبريطانيا واستراليا انتسبت إلى نوع من رابطة مسكونيّة أو جامعيّة تؤمن لطلابها فرصة التسجيل في مواد تسمح لهم بمقابلة أساتذة وطلاب من مختلف الكنائس المسيحيّة. غالبًا ما يحمل الجامعيّين اليسوعيّين خبرتهم اللاهوتيّة خلال لقاءاتهم مع البروتستانت. كما كتبوا حول مسائل الحوار المسكونيّ وشاركوا في اجتماعات عدّة منها المجلس المسكونيّ للكنائس، والمركز المسكونيّ في “بوسّيّ” سويسرا، كما يشاركون في الحوار على المستوى المحليّ والدولي (اللجنة الدوليّة للكنيسة الأنغليكانيّة والكنيسة الكاثوليكيّة، ,أيضًا “مجموعة دومبس”). مؤخّرًا توفي الأب “مايكل هيرلي” عن عمر يناهز السابعة والثمانين، والذي كان من أشهر اليسوعيّين في مجال الحوار المسكونيّ. فقد أسّس سنة 1970 المدرسة الإيرلنديّة للحوار المسكونيّ، المعهد الوحيد في إيرلندا الذي يهتمّ بالحوار المسكونيّ، كما ساهم في تأسيس جماعة المصالحة في “بلفاست” وهي عبارة عن خبرة حياة جماعيّة ساعدت خلال عشرين سنة الكاثوليك والبروتستانت على العيش معًا.

ما يزال السعي نحو المُصالحة يشكّل تحدّيًا في بعض مناطق العالم. ففي أفريقيا مثلًا يتعاون الكاثوليك مع الكنائس الأنغليكانيّة واللوثريّة أمّا مع التبشيريّين والكنائس المحلّية فالعلاقة ليست جيّدة. كذلك الحال في أميركا، هناك تعاون مع الكنائس البروتستانتيّة القديمة فيما العلاقة مع التبشيريّين فما زالت معقّدة ما دامت هذه الأخيرة متردّدة في التعامل والانفتاح على الآخرين. تأزّم الوضع في أوروبا الشرقيّة وأميركا حتى وصل إلى القطيعة نتيجة الاختلاف حول المسائل المتعلّقة بالجنس.

يغلب التفاؤل التشاؤم فيما يتعلّق بالعلاقة، فهناك إشارات واضحة على التقدّم الحاصل. فبعد 45 سنة من الحوار توصّلنا إلى إتفاقات مذهلة حول قضايا لاهوتيّة منها الافخارستيا. يعتبر الإعلان المشترك حول عقيدة التبرير، سنة 1998، بين الجمعيّة اللوثريّة العالميّة والكنيسة الكاثوليكيّة، أحد أهمّ هذه العلامات. مثال آخر، معهد اللاهوت في جامعة “سياتل” كنموذج للتكوين الرسوليّ المسكونيّ مع سبعة محاضرين كاثوليك وستة بروتستانت بدوام كامل، مع مساعدين من مختلف التيارات البروتستانتيّة، يساهم هذا المعهد بتكوين رعاة أبرشيات أو علمانيّين لحوالي عشر جماعات بروتستانتيّة وكاثوليكيّة. يشكّل الطلاب الإنجيليّين في جامعة “ماركيت” في “ميلووكي” نسبة لا بأس بها من طلاب الدراسات العُليا. إنّ الأهمّ هو طريقة التعامل قدّ تغيّرت في مختلف البلدان. لا ينظر البروتستانت والكاثوليك إلى بعضهما على أنّهما خصمين بل إخوة وأخوات في المسيح. يبدأ الحوار المسكونيّ دائمًا بالمحبّة.

لكنّ الوحدة الكاملة بين البروتستانت الكاثوليك ما زالت بعيدة المنال. في المقابل دخلت بعض الكنائس في وحدة فيما بينها كاللوثريّين والأنغليكان في كندا وأميركا، كذلك الكنائس الأنغليكانيّة في إنكلترا وويلز واسكوتلندا مع الكنائس اللوثريّة في الدول الاسكندنافيّة واستونيا وليتوانيا وايسلندا. وهذا يعني إمكانيّة الاحتفال المشترك بالافخارستيا وفي تبادل الخبرات. كذلك اتّحدت “كنيسة موراف” مع الأنغليكان في أميركا، ويسعى اللوثريّون إلى الانضمام إلى هذه الوحدة.

هناك تعاون كبير في أميركا اللاتينيّة بين الكاثوليك والتبشيريّين. فعلى سبيل المثال، خلال اللقاء الخامس لمؤتمر أساقفة أميركا اللاتينيّة الذي انعقد في مدينة “أباريسيدا” في البرازيل سنة 2007، ألقى التشيلي “خوان سيبلفيدا” المبشّر خطابًا أمام الجمعيّة العامّة بحضور المطارنة والبابا بندكتوس السادس عشر، وشارك في كافة أعمال المؤتمر. شجّع البابا بندكتوس الكهنة الكاثوليك على بناء جسور صلة مع الطوائف الجديدة من خلال حوار مسكونيّ سليم. تطوّر جديد هو الحوار المسكونيّ الروحيّ. فقد استمع اليسوعيّون المشاركون في المؤتمر اليسوعيّ الواحد والعشرين للحوار المسكونيّ الذي انعقد في “بوخارست” في تموز 2011، إلى تقارير تفيد أنّ مسيحيّين غير كاثوليك وكذلك أشخاص غير مسيحيّين يبحثون عن خط روحيّ أو رياضة روحيّة في أميركا وبريطانيا وجمهوريّة التشيك وهونغ كونغ وروسيا وإسبانيا والسويد وتايوان. يبقى الحوار المسكونيّ رسالة أساسيّة ومهمّة لكلّ يسوعيّ.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO