البابا فرنسيس: بالمشاركة وبالعطاء تصبح حياتنا خصبة ومثمرة

 

البابا فرنسيس: بالمشاركة وبالعطاء تصبح حياتنا خصبة ومثمرة

 

اذاعة الفاتيكان

 

ترأس البابا فرنسيس مساء الخميس القداس الإلهي في بازيليك القديس يوحنا اللاتيران بمناسبة عيد جسد المسيح ودمه، وألقى عظة استهلها بالقول: في الإنجيل الذي سمعناه، هناك عبارة ليسوع تستوقفني دائمًا: أَعطوهُم أَنتُم ما يَأكُلون” (لو 9، 13). انطلاقًا من هذه العبارة، سأدع هذه الكلمات الثلاثة تقودنا في تأملنا: إتباع، شركة ومشاركة.

قال الأب الأقدس: قبل كل شيء من هم الذين يجب إطعامهم؟ نجد الجواب في بداية النص الإنجيلي: إنه الجمع. يقف يسوع في وسطهم، يقبلهم ويكلّمهم، يهتمّ بهم ويظهر لهم رحمة الله، ومن بينهم يختار اثني عشر رسولاً ليكونوا معه. فالجمع يتبع يسوع، ويصغي إليه لأنه يتكلّم ويتصرّف بشكل جديد، كمن له سلطان، يتكلّم ويتصرف بالحق، يعطي الرجاء الذي يأتي من الله ويظهر وجه الله الذي هو محبّة. أضاف البابا يقول: في هذا المساء نحن جمع الإنجيل، نحن أيضا نريد إتباع يسوع والإصغاء له، لندخل بشركة معه بواسطة الافخارستيا، لنرافقه ويرافقنا هو بدوره. لنسأل أنفسنا: كيف أتبع يسوع؟ يسوع يتكلّم بصمت من خلال سرّ الافخارستيا ويذكرنا في كل مرة أن إتباعه يعني الخروج من ذواتنا لنجعل من حياتنا هبةً له وللآخرين.

تابع الأب الأقدس يقول: من أين تولد دعوة يسوع لتلاميذه ليطعموا الجمع بأنفسهم؟ تولد هذه الدعوة من عنصرين: أولا من الجمع الذي بإتباعه ليسوع قد خرج إلى القفر بينما أخذ النهار يميل، وثانيًا من اهتمام التلاميذ الذين يطلبون من يسوع أن يصرف الجمع لِيَذهَبوا إِلى القُرى والمَزارِعِ المُجاوِرَة، فيَبيتوا فيها ويَجِدوا لَهم طَعامًا (راجع لو 9، 12). أمام حاجة الجمع هذه، يأتي حل التلاميذ: اصرفهم! كم من المرات نعيش نحن المسيحيون هذه التجربة! لا نهتم بحاجات الآخرين، ونصرفهم قائلين: “ليساعدك الرب”. لكن حل يسوع يأخذ اتجاهًا آخر، اتجاهًا يدهش التلاميذ: “أَعطوهُم أَنتُم ما يَأكُلون”. كيف يمكننا أن نطعم الجمع؟ “ لا يَزيدُ ما عِندَنا على خَمسَةِ أَرغِفَةٍ وسَمَكَتَيْن، إِلاَّ إِذا مَضَينا نَحنُ فاشتَرَينا لِجَميعِ هذا الشَّعبِ طَعامًا”. لكن يسوع لم يستسلم: طلب من التلاميذ أن يقعدوهم فِئَةً فِئَةً، في كُلِّ واحِدةٍ مِنها نَحوُ الخَمسين، أَخَذَ الأَرغِفَةَ الخَمسَةَ والسَّمَكَتَيْن، ورَفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماء، ثُمَّ بارَكَها وكَسَرَها وجَعلَ يُناوِلُها تَلاميذَه لِيُقَدِّموها لِلْجَمع. إنها لحظة شركة عميقة: فالجمع الظمآن لكلمة الرب، قد تغذى الآن من خبز الحياة خاصته، وأكلوا كلّهم حتى شبعوا كما يخبرنا الإنجيليّ.

أضاف البابا فرنسيس يقول: في هذا المساء، نجتمع نحن أيضًا حول مائدة الرب، مائدة الذبيحة الافخارستيّة التي من خلالها يعطينا جسده مرّة أخرى. فبالإصغاء لكلمته والاغتذاء من جسده ودمه، يحولنا من جمع إلى جماعة، ويدخلنا إلى الشركة. الافخارستيا هي سرّ الشركة الذي يخرجنا من الفردانيّة لنعيش معًا بإتباعه والإيمان به.

من أين يأتي تكاثر الخبز؟ الجواب في دعوة يسوع لتلاميذه: “أَعطوهُم أَنتُم ما يَأكُلون”، “العطاء”، المشاركة. ماذا يتشارك الرسل؟ يتشاركون القليل الذي لديهم: خَمسَة أَرغِفَةٍ وسَمَكَتَان. وهذه الأرغفة والسمكتان هي التي في يديّ يسوع أشبعت الجمع كلّه، والتلاميذ المضطربون أمام ضعف قدراتهم، هم الذين أقعدوا الجمع، واثقين بكلمة يسوع، وناولوهم الخبز والسمك الذين أشبعوهم. أضاف البابا يقول: يشير هذا الحدث إلى أن الكلمة التي يجب ألا تخيفنا في الكنيسة وفي المجتمع أيضًا هي “التضامن”، أن نعرف أن نضع في تصرّف الله كلّ ما لدينا، قدراتنا المتواضعة، لأنه بالمشاركة فقط، وبالعطاء تصبح حياتنا خصبة ومثمرة. وهذا المساء، ومجدّدًا يوزّع لنا الرب خبز جسده، ويصبح عطيّة لنا. ونختبر نحن أيضًا “تضامن الله” مع الإنسان تضامن لا ينضب، تضامن لا يزال يدهشنا: الله يأتي إلينا ويسكن بقربنا، ومن خلال تضحية الصليب يتنازل ويدخل في ظلمة الموت ليعطينا الحياة. وهذا المساء أيضًا يعطي يسوع ذاته لنا في الافخارستيا، يشاركنا مسيرتنا، لا بل يصبح غذاءً لنا، الغذاء الحقيقي الذي يعضد حياتنا حتى عندما تصبح الدرب صعبة، وتعيق الحواجز مسيرتنا. بالافخارستيا يقودنا الرب على دربه، درب الخدمة والمشاركة والعطاء، وذلك القليل الذي نملكه، والقليل الذي نحن عليه يصبح غنى عندما نشاركه مع الآخرين، لأن قوة الله، قوة المحبة، تنزل إلى فقرنا وتحولنا.

ختم الأب الأقدس عظته بالقول: إتباع، شركة ومشاركة. لنصلّي لكي تدفعنا المشاركة بالافخارستيا لإتباع الرب يوميًّا، فنكون أدوات شركة، نشاركه ونشارك الآخرين ذواتنا، فيصبح عندها وجودنا خصبًا حقًا.

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO