نور القيامة

Paul-Raban

نــورُ القــيامة ســنة الأيمـان

أهلاً وسـهلاً بالســائلين الكـرام

سألَتْني جوقةُ مار أبرم في إسكِلْستونا بخصوص ” نور القيامة ” قائلين :” ما خبرُ النورِ الذي يخرجُ بْـعيدِ القيامة من القـبر ؟

أهلا بأعضاء الجوقة الأعّزاء. أرجو أنكم بكل خير، وأنكم تُمًّجدون اللـه بإنعاشِكم المراسيم الدينيةِ بألحانكم الشجية وتبنونَ الرعية الكريمة بترانيمكم الأيمانية. كنتم في القُربِ تسألون وجهًا لوجه. وأما في البعدِ فقَّـلتْ أسئِلتُكم. لكنَّ اللـهَ مَّنَ علينا أن نزيلَ البُعدَ بوسائل الإتّصال الألكترونية. فلا تبخلوا ولا تترَّددوا في طرح أسئِلتِكم، وستلقون إن شاءَاللـه أجوبةً تُريحُكم أما سؤالكم عن ” نور القيامة ” فإليكم الجوابَ كما جاءَ في بطونِ التأريخ بدأتْ كنيسةُ أورشليم/القدس تقيمُ، منذ الجيل الرابع الميلادي، رتبةً دينية ترمزُ إلى أنَّ يسوعَ المسيحَ القائم هو نورُ الحياةِ والخلاص. فكانَ أسقفُ القدس ينـقُلُ ” النور” من كنيسةِ القبر، حيثُ كان جسدُ يسوع موضوعًا، وفي مسيرةٍ دينية بسيطة، إلى الكنيسةِ الكبرى حيثُ يُحتفلُ بعيد القيامة. وسريعًا ما إنتقلَ الرمزُ إلى أنْ تعني الرتبةُ بأنَّ ” نورَالحَّقِ أشرقَ على العالم”. أى : كان قنديلُ القبرِ يشتعلُ بآستمرار.
وكانَ الأسقفُ يُوقدُ منه ، عشيةَ القيامة ، مصباحًا و يحملُهُ بآحتفال إلى الكنيسة الكبرى. من قبرِ المسيح خرجَ نورُ الخلاص. ومن نور هذا المصباح ، وبه ، كانوا يُوقدون مصابيحَ الكنيسة وشموعَ المؤمنين ، برمز أنهم يحملون نورَ الحياة والخلاص.

ثم أخذتِ الرتبةُ تتـوَّسعُ، عبرَالزمن ، في فقراتِها وطقوسِها من قراءاتٍ وتراتيلَ وطوافات. فصاروا يدورون حولَ ” القُّـبةِ “(هكذا دعوا القبر!)، والأبوابُ مغلقةٌ والأسقفُ يُصَّلي في الداخل، إلى أنْ يخرجَ الأسقفُ وبـيدِهِ شعلةُ ” النور الفصحي”
، فكانوا يُوقدون منها شموعَ الحاضرين فيتوَّجهون بتطوافٍ مُنَّـظم نحو الكنيسةِ الكبرى. هناكَ كانوا يَحتفلون بالقداس ، بعدَ إجراءِ عماذاتٍ مُعَّـدَة لموعوظين إستعّدوا لها خلالَ فترةِ الصوم. وكانوا يُقيمونَ قداسًا ثانيا في القبر المقدس ذاتِه حيثُ تمَّت
القيامة، إنتقلَ بعده إلى مساءِ السبت. ومع مرورِ الزمن فسَّرَ المؤمنون أمرَ النورِ ودعوهُ ” عجيـبًا “. وصاروا يحتفلون رتبتِهِ في القـبر ثمَّ يكررونها في الكنيسةِ الكبرى. يقولُ مُؤّرخٌ :” يأخُذُ الأسقفُ النورَ من القبرِ المقدَّس ، و يُشعلُ به شموعَ لمؤمنين الذين يذهبون بآحتفالٍ إلى الكنيسة الكيرى. والنورُ الذي يخرجُ من القبر يرمُزُ إلى المسيح المُنبَعِثِ من ظلامِ الموت. فرتبةُ النور تُعَّبرُ عن سّرِ القيامةِ بطريقةٍ رمزية شعبية منظورة. وأصبحتْ رتبةُ النورِ مهّمةً أكثرَ فأكثرَ على حسابِ سهرةِ القراءات العظيمة. ويعتبرون هذا النور(المأخوذ من القبر) ” نورًا عجائـبيًا ينزلُ من الســماء ” بطريقةٍ عجيبةٍ خلالَ صلاةِ القيامة. وحتى ينزلَ هذا النور كانوا يُطيلون الصلوات و الطلبات، ويتصالحُ المؤمنون ، ثم كانوا يفتحون الأبوابَ ليدخلَ الأسقفُ إلى القبر، ويُشعلُ بعدَه شمعَتَه ” مُجَّـددًا ” من نور القبر ويخرجُ فيوَّزعُهُ على الشعب”. ثم يُرَّتلُ إشعيا 60: 1. ما زلنا نحتفظُ
في طقوسِنا بآثار هذه الرتبة فنطوف ونرّتلُ << قومي آستنيري فقد وافى نورُكِ ..ܩܘܼܡܝ ܐܲܢܗܲܪܝ ܡܸܛܠ ܕܲܡܛܵܐ ܢܘܼܗܪܹܟܼܝ… إلخ >>، وذلك أثناء دورة القيامة التي تُسَّـمى ” الأحتفال / حوجـايا ܚܘܼܓܵـ وما هـذه إلا آثــارُ مسيرةِ ” رتبةِ النور” الأورشليمية. كما توجدُ بعضُ آثارها الأخرى في طقوس الكنائس الأخرى كاللاتينية. في هذا الطقس يوقدون نارًا جديدة – ربما كانوا هكذا يُجَّددون إضاءَةِ قنديل قبر المسيح !- منها يوقدُ المحتفلُ شمعـةً جديدة كبيرة ، مصنوعة خصّيصا لهذه المناسبة، يوقدون منها شموعَ المؤمنين الحاضرين ، وبعده شموع القداس على المذبح، ويُضيئون كهرباء الكنيسة المُطفأ للإشارةِ إلى أنَّ نورَ قيامة المسيح يتجَّـدَدُ بآستمرار ويُنيرُ المسكونة. وتُجَّـدَدُ هذه الرتبة كلَّ سنة

إنَّ رتبةَ النورهذه كانت ، كما نوَّهنا ، تُقامُ في كنائس الشرق ومنها الكنيسةُ الكلدانية. كانت هذه الكنيسة تؤمنُ إيمانًا قوّيا بأنَّ ما يجري في أورشليم هو ” نورٌ عجائبيٌ ” وتعتبرُهُ نازلاً من السماء. وتحتفلُ بذكرى هذه الآية العجيبة كبُرهانٍ على صّحةِ إيمانها. ثم فقدَتها بعد ذلك. ويُضيفُ المؤرخون بأنَّ ” نور القيامة كان معروفا ، ويُحتفلُ به في الحيرة، قبل سنة 600م. وإنًّ الملك النعمان الثالث أشعلَ بنفسِه شمعةَ العيد ، في إحدى السنوات، كما جاءَ في شـعرٍ لـ ” أوس بن حجـر

وطرأتْ في الأجيال اللاحقة تغييراتٌ على نظامِ الرتبة والمسيرة. ففي الجيل الثامن في أورشليم، وفي الجيل الحادي عشر في أنطاكيا، تختفي ” النارُ العجائبية ” من المسيرة نحو الكنيسة الكبرى، مع بقاءِ آثارٍ لبعض أجزاءِ رتبة النور. وربما تقعُ هناكَ أيضا في عالم الذكريات بسبب الظروفِ التأريخية والأجتماعية وسقوطِ أورشليم تحت سيطرةِ غرباء و لكن العقودَ الأخيرة شهدت موجةً جديدة من الأهتمام بنور القيامة ، مُـدَّعيةً أنَّ النارَ عادتْ تنزلُ ، كل سنة، من جديد من السماء بشكل عجائبي. إنما يحدُثُ ذلك في فصحِ الأرثذوكس فقط (؟) ، ومُفَّـسرةً إيَّـاهُ بأنه ” الدليلُ القاطع ” لصّحةِ موعد عيد القيامة حسب التقويم اليولياني (من سنة 46 ق.م.) ، وبالتالي بُرهانٌ على أفضلية العقيدة الأرثذوكسية هذا ما يُدَّعى. أما حقيقةُ الواقع فلمْ تُعلِنْ ،لا الكنيسةُ الأرثذوكسية ولا الكاثوليكية بصورةٍ رسمية ، هل هذه الظاهرة صحيحة أم خدعة أم خيال!. لم يتأكد علميا
و ضميريا بأن النارَ التي تلتهبُ فجـأةً وتوقد شموعَ الكنيسة أو تُضيءُ الكهرباء بشكل ذاتي ، هل تجري بمعجزة سماوية بدون أنْ يتدَّخلَ فيها أى إنسان الأمرُ غريبٌ. يمكنُ أن حَدَثًا ما يجري من وراء الكواليس مع كل الأمكانات الهائلة للتقـنية العصرية. ولا يبدو أنَّ أحدًا مُستعّدٌ أن يموتَ ليؤّكدَ بأنه لا يوجدُ تدَّخلُ أيْـدٍ بشرية في الأمر بشكل أو آخر ، كما فعلَ الرسلُ فقـدّموا شـهادةَ دمائِهم على فراغِ القبر بقيامةِ المسيح. لأنها كانت حقيقة إستشهدوا و لم ينكروها. إنَّ المركباتُ الفضائية تنطلقُ إلى الفضاء وتعودُ منه دون أن يقتربَ منها أحدٌ. يكفي لإجراءِ ذلك أن يَضغُطَ أحدٌ على زّرٍ خاص ، عن بُعدِ ملايين الكيلومترات ، دونَ أنْ يربُطَ بينَ الزّرِ والمركبةِ خـيطٌ ما !. وقد سَّـجلتْ العقودُ الأخيرة محاولاتٍ كثيرة تَّـدعي الإعجازَ السماوي بينما تأَّكـدَ بَعـدَهُ أنها ألعـوبةٌ فقط من خيالِ البشرالعلمي، ولأهـدافٍ مصلحـية أنا لا أعني بأنه لا يُمكنُ أن تحدُثَ معجزة سماوية، ولا أنها يجب أن تقتصرَ على الكاثوليك فاللـه ليس إلاله لكاثوليك فقط. إنه أبُ كلِ البشر. ولا يُحَّـددُ الناس أعمالَ اللـه وتجَّليات روحِه وقُّـوَتَه. ولا يحبسُ اللـهُ رحمَتَه حتى ولا عن الأشرار. ويُشرقُ شمسَه ويسكُبُ مطرَهُ على الأبرار والكافرين !. وهكذا يمكنُ أن تنزلُ النارُ من السماء ، إذا شاءَ اللـه، كما فعلت لأحراقِ ذبيحةِ ايليا النبي. انما هذا لايدُّلُ أبَـدًا على صحّةِ التقويم اليولياني ، لأنَّ علمَ الفلك أثبتَ نقـصَهُ ، ولا عصمةَ التقويم الغريغوري المُعلَنْ عنه منذ عام 1582م ، والمعمول به دوليًا. ثم أتساءَلُ وأحتـار : لماذا تظهرُ هذه المعجزة– إنْ كانت كذلك – فقط في عيد قيامةِ الأرثذوكس ؟. هل لأنهم قليلو الأيمان فيُريدُ
الرَّبُ أنْ يُثَّـبتَهم في الأيمان بهذه الشـهادة؟؟. مع أنه لا علاقة إيمانية لهذه النار بـ ” نور القيامة ” إلا إذا رمَزتْ الى المسيح نورِ الحَّق الذي دحَرَ ظلامَ موتِ الشّر. وهل يَقبلُ اللـه بأن يعمى أبناؤُهُ ويلومُهم العالم لأنهم يتبعون تقويما ناقصًا ؟ أمَّـا أنْ جريَ الرَّبُ معجزةً ليثـثَّبتَ المسيحيين في إيمانِهم فلا يعني ذلك سوى أنَّ الرَّبَ يُنَّـبِهُ الشرقَ عامةً، وفي غالبيتِه أرثذوكس، لئلا ينجرفوا وراءَ التَّـياراتِ الدنيوية ، وأنْ يتـنَّوروا بالمسيح الذي يُـوَّحدُهم ولا يتبعوا العالمَ الذي يقسـمُهم ليتَ ما يُقالُ عن
إعجازِ تلكَ النار يكونُ صحيحًا فتـهتدي الشعوبُ إلى نور الأيمان باللـهِ وبالحياةِ الأبدية ، ويحيا الناسُ في المحَّـبةِ والتـآخي والســلام

القس بول ربان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للمزيدِ من المعلومات
يمكن الأطلاع على كتاب ” روعة الأعياد “، للأب منصور المخلصي، بغداد 1984

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO