موعظة الاحد بعد الصعود

موعظة الاحد بعد الصعود

مرقس 16/ 9-20

 

الأب سعد سيروب 

يختم القديس مرقس انجيله بهذا النص الانجيلي. إنها خاتمة لا تختم ولا تغلق، إنها على العكس تريد أن تفتح الأفق مرة أخرى. مسيرة جديدة تبتدئ، ولكن هذه المرة، المسيرة ليس مسيرة يسوع وحده، بل مسيرة يسوع والكنيسة. يبقى السؤال: عن أية مسيرة نتكلم؟ وما هو الاتجاه الصحيح لها؟ وبأي شكل أو طريقة ستمشي؟

أنه طريق عام: يشمل العالم أجمع، وكلّ خليقة، ويتجه الى كلّ مكان: “أذهبوا الى العالم أجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها” (عدد 20). الكلّ له الحقّ بسماع هذه البشارة، بشارة الانجيل. فأمام يسوع وأمام رسله لا توجد حدود، لا يوجد قريب وبعيد، لا يوجد أولون وأخرون. نحن أمام بشرى حرّة ومجانية لا تعرف القيود ولا يمكن أن تكون أسيرة للون ودين وطائفة ولغة وشعب ومكان واحد. أنها للجميع، والجميع يمكن أن يجد نفسه فيها.

مهمتنا هي أن نعلن الانجيل “أن نكرز به”. وأعتقد أن هذا يحتاج الى شيء من الايضاح. لا يريد مصطلح “أعلان أو الكرازة بالانجيل” أن يكون مجرد أعلان لوصايا أو أعلان عقيدة معينة، وإن كانت لا تخلو من ذلك! أن كلمة “الكرازة” تعني”الأعلان عن حدث ما” و”نشر خبر مهم”. أنه حدث وخبر مهم وحاسم غيّرر مجرى التاريخ. لذا فهو ليس مجرد معلومة، بل نداء ودعوة. وقبول أو رفض هذا النداء أو الدعوة يحدّد مصير الانسان: “كلّ مَن يؤمن ويعتمد يخلص، ومن لا يؤمن يُدان” (عدد 16). يبدو هذا الحكم قاسي للكثيرين، ولكنه حكم لا يمكن محوه من الانجيل: فالانسان أمام قرار، القرار الحرّ بقبول ورفض. عطيّة الله رهن حرية الانسان وقراره. فماذا سيكون جوابنا؟ وكيف سنعيش هذا الجواب؟ هذا قرارنا.

من الاشياء المهمة في نص مرقس هذا هو أن الكرازة بالانجيل مرتبطة بشكل مباشر “بالعلامات” أو “المعجزات” التي يجب على التلميذ تتممها في حياته. لا يجب أن تكون هذه العلامات أو المعجزات، مجرد أنعكاس لقدرة الانسان وهدفها الانبهار والأعمال الخارقة، بل إنها أعمال تريد أن تعكس بشفافية قدرة الله وحضوره. فالمعجزات والاعمال الخارقة يجب أن تملك نفس الهدف ونفس الغاية التي كان يسوع يملكها. ولا يجب أن ننسى بأن العلامة الاكبر التي عاشها يسوع هي حياته وموته التي أظهر بها تكريساً تاماً وأنتماءًا مطلقاً لله ومحبته.

لقد أكمل يسوع طريقه ولكن اليوم يبدأ طريق الكنيسة والتلاميذ. يصعد يسوع الى السماء ولكن اليوم ينطلق التلاميذ الى العالم. صعود يسوع ليس مغادرة وترك للارض، أنه حضور أعمق وأقوى: أنه في الكنيسة ومن خلال الكنيسة وتلاميذه: “وكان الرب يعينهم، ويؤيد كلامهم بما يسانده من آيات” (عدد20).

ويبقى أن أقول في هذا التعليق بأن تأنيب يسوع لتلاميذه على قلة أيمانهم وقساوة قلوبهم لا يمنع الرب من الثقة بهم ومن أرسالهم للكرازة بالانجيل في العالم. ويبدو هذا تناقض كبير في النص. ولكني أعتقد أنه تناقض مقصود يريد أن يقول لنا: وأن كان أيماننا قليلاً بالمسيح فأن أيمانه وثقته بنا أكبر وأعظم. فلا ننظر الى ضعفنا، بل إلى محبته وعونه. وعلى الكنيسة أن تتذكر دائما أن الطريق سيكون مفتوح وغني بالامكانيات.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO