أجزاءُ النهار وساعاتُـه على لسان يسـوع

أجـزاءُ النهـار وســاعاتُـه على لسان يسـوع

 

ســنة الأيمــان

 

أخبرني سائلٌ كريم ، من هولندا، عن أنه يقوم بترجمة ” الكتاب المقدس”(!) إلى السورث وطبعه بحرفٍ عربي وقراءة سورَثية (بالكرشونية !)، تسهيلا لقراءَتِه من قبل الذين لم يتعلموا قراءة الحرف الآرامي ( الكلداني الشرقي أو السرياني الغربي). لا بُدَّ وأنه يعتني بعمل ذلك للقراءات المخصصة للآحاد و الأعياد خلال السنة الطقسية. وسيكون في متناول كل مؤمن يحتاجُه ويطلبه. وَّفقه الله.

كما سأل بخصوص مثل ” العُّمال المُستَأجَرين في ساعات مختلفة ” (متى 20: 1-8) و آستفسر عن ” لماذا إستعملَ يسوعُ لفظة ” الساعة 3 أو 6 أو 9″ ولم يكتفِ بالتنويه فقط إلى أقسامِ النهار وهي : صباحًا وظهرًا وبعدَ الظهر”؟. ولأنَّ بعضَ غير المسيحيين يُحاججون أو يعترضون على ذلك.

تـكلَّم يسوع بهذا الشكل، أو نقلَ متى الحيثَ هكذا، ربما لأنَّ هذه الأجزاء عنَتْ لليهودي بُعدًا خاصا مثل أقسام الليل التي كان الحراس يتبادلون فيها الأدوار. فإنَّ بعضا منها هي وقت مخصص لصلاة محددة (فجرا وظهرا وعصرا)، لكنها تبقى رغم ذلك أكثر شمولية وأقل دقة. وبالإضافةِ إلى ذلك لم أجد إهتماما لدى مفسري الكتاب المقدس بهذه الفقرة ، ومن هذا الجانب. مع ذلك يمكن أن نتأملَ فيها على النحو التالي :

1- أولاً : هذا مثلٌ يُفهمُ بالهدفِ والدرسِ المنوي إعطاؤُه ، فالتعليمُ أبعدُ من حرفِ السطور. فعلينا أن نقرأ بين السطور بالإضافة إلى الحرف المكتوب.

2- ثانيًا : ينوي الحديثُ التقَّيُدَ بـ ” دِّقـةِ التعبير” ليحصُلَ على ” قُّـوةِ التأثير” على السامع أو القارئ. فالحديثُ عن أجـزاء النهار واسعٌ وغامض ، أما تحديدُ الساعة من جزءٍ من اقسام النهارفدقيقٌ ويعني عمقًا أكثر في التفكير ، ويُعَّـلمُ أمورًا أكثر خفاءًا وجهلاً ، أو صعبة المنال.

3- ثالثـا : ذكرَ الحديثُ ” فجـرًا .. و.. مساءً ” – البداية والنهاية !- وهي تحتوي النهارَ كله بأجزائِه وساعاتِه ودقائقهِ. فالزمن مُهّـمٌ وقَّيمٌ في أصغر أجزائِه وأقصَرِها: دقائقِه وحتى ثوانيه!. يمكنُ خلالَ عشرة ثوان أن تُوَّقعَ أخطرالقرارات وتُّـتَخَذَ أفضل أو أسوأ الإجراءات!!. والتركيزُ هنا على ” ساعة واحدة ” من العمل ، أى < جزءٍ واحد من أجزاء النهار الأثني عشر>!.

4- ذكرَ النصُ ما وقعَ في النهارِ الواحد ، من 12 ساعة. وذكرُ 12 ساعة تعطي رؤية أوسع وأشمل من 3 ثلاثة أقسام النهار. إنها تفسحُ المجالَ لتفاصيل مُهمة ، أحيانا ضرورية. وهكذا ممكن أن تقَّربنا الصورة إلى اللـه بنوع أفضل فنفكر بـ” نهارالله ” ربّ العمل. ونتأملُ بما يعمله اللـه ، خلالَ نهارِه من الفجر حتى المساء، من أجل الأنسان؛ و ” يومٌ واحدٌ عندَ الرب بمقدارِ ألفِ سنة “(2بط 3: 8؛ مز90: 4).

5- دعا يسوعُ في ” فجرِ اليوم ” ، بدءِ رسالتِه ، عُّمـالا وأرسلهم يعملون في كرمِه. و سيستمّرُ يدعو عمالا جددًا خلال ” يومِهِ ” أى مسيرة البشرية والكون نحو الكمال ، ويرسلهم بآستمرار حتى آخر” ساعة ” قبلَ أن يحُّلَ ” مساءُ ” البشرية وتنطفِيءَ شمسُ الحياة. لن يكتفي اللـه بأن يهتم بكنيستِه / بالبشرية فقط في مراحل مهمة و المعلنة ، كل ألف سنة ولا حتى كل مائة سنة أو عشر سنوات ، بل ” ساعة ً فساعة ” حتى لا ينقصها فعـلةٌ ولا يُعاني العملُ من خللٍ أو حاجة. وهكذا لا يتوقف عملُ الله على أوقاتٍ مهمة حدَّدَها البشر – الساعة 3 الثالثة و6 السادسة و9 التاسعة، بل يتحَّداها إلى إحياء الخليقة ” لحظةً فلحظة ” و العملِ حتى في يوم الراحة / السبت، : ” أبي ما يزالُ يعملُ ، وأنا أيضا أعملُ ” (يو5: 17). كلُ لحظةٍ عمل في عيني الرب ، وحسبَ مُخطَّـطِه ، غالية و جزاؤُها لا يضيع ! (متى10: 42).

6- في حديثه العام إستعملَ يسوع أساليبَ الناس ولغتهم وتتطَّرَقَ إلى عاداتهم الفكرية والبيئية فتحَّدثَ عن الصباح والمساء والظهر ونصف الليل وايضا ” الساعة “. بل خصَّ لفظة ” الساعة ” إهتماما بارزًا للعيان. فقال في قانا الجليل ” لم تأتِ ساعتي بعدُ ” (يوجنا 2: 4)، وكَّرَرَها الأنجيل خلال كرازتِه بأنه نجا من محاولاتٍ عديدة لقتلهِ “لأنَّ ساعته لم تكن قد أتت بعدَ “(يو7: 30 ؛ 8: 20). ولما ألقي القبضُ عليه قال يسوع لأعـدائِه ” هذه ساعتُكم ، ساعة الظلام “(لوقا22: 24). لكنه سبقَ ألامه فأعلنَ أنها هي نفسُها ” سأعةُ المجـد ” بالنسبةِ إليه (يوحنا 12: 23 ،27؛ 17: 1؛ مر 14: 41).

7- كما أضاف أنَّ لنا نحن أيضا ساعتَـنا فيها نشهدُ للـه ونُحّبُه ونعملُ في كرمِه ، أو نتجاهلُهُ ونبتعدُ عنه ، وايضا ” تأتي ساعة يظنُ من يقتلكم أنه يُقَّربُ إلى الله قربانا.. لتتذكروا، إذا أتت الساعة ، أني قلتُهُ لكم ” (يوحنا 16: 2-4). فالساعة إذن هي الوقتُ الذي نلَّبي فيه نـداءَ اللـه عندما يَدعونا إلى القيامِ بعملٍ ما لخدمةِ الأنسانية حسبَ مشيئَتِه ، وضمنَ خطـتِه ، حتى لو إقتصرت تلك الخدمة على الشهادةِ في الآلام. أليسَ هذا ما تعنيه صلاتُه في بستانِ الزيتون :” و…يُصَّلي لتعبرَ عنه الساعة إن كان يُستطاع” لأنها كانت مؤلمة جدا وقاسية فوق طاقةِ البشر، لكنه أضاف ” إنما لا تكن مشيئتي بل مشيئتُك ” (مر14: 35-36). لم يعنِ يسوع بـ “الساعة” بالتأكيد فترة زمنية من 60 دقيقة ، بل جملةَ آلامِهِ التي آمتدت على نحو 15 ساعة. وكانت تلكَ المدة ” الساعة ” مهمة جدًا بل ومصيرية بقدرِ رهبتِها. فلو قال يسوع ” ليعبرَ عني هذا المساء أو هذا الليل ” لما عنى فعلا بدقة حقيقة آلامِه ، بل بقي في إطار الزمن فقط. أما بالساعة فألمح إلى الحدث في ذاتِه وكليتِهِ وأبعادِهِ الحيوية ، له وللأجيال البشرية كلها. وقد دخلنا نحن المؤمنين أيضا ضمن سـاعة ” آلامِهِ وقيامتِه “، فمُتنا وقمنا معه (رم6: 3-5). فحياتنا تدخل ضمن سياق حياةِ المسيح ” ساعة فساعة “.

سيذكرُ مرقس ساعة الصلب (مر15: 25) كما يحددُ ساعة موت يسوع (مر15: 34) إنها كلها ” ساعة واحدة ” هي ساعة تحقيق خلاص البشرية بتحريرها من قيد الخطـيئة وقوة الشر، وبالتالي ساعة مجد اللـه كما سَّماها يسوع. فلكل دقيقة في حساب عمل اللـه ، أو عمل الأنسان ، قيمة خاصة لا يُعَّوضُها شيءٌ آخر.

8- نقدر الآن أن نرى السبب لذكر الساعة. وعلى ضوءِ هذا لا أرى أى حرجٍ للمسيحي أن يقرأَ الأنجيل كما هو. أما إعتراضُ غير المسيحي فمن قالَ بأنه على حَّـق في إعتراضِهِ أو إتهامِه ؟. ومن خَّولَه أن يدين إيمانَ غـيره على ضوءِ عقيدتِه هو غير المُنَّور؟ وهل دُعينا إلى قياس إيماننا وإشعاع أنوارِه فقط حسب الفتحة الصغيرة التي يفتحها له الآخر؟ وهل ألقى يسوع على تلاميذه فقط ما يدغدغ سمعَهم ؟. أما تذمروا عليه وتشكوا منه بسبب غموض أقواله، حتى قالوا :” هذا كلامٌ عسيرٌ من يطيقُ سماعَه؟ “(يو6: 60). ماذا كان جوابُ يسوع ؟ ” أهذا يشكككم ؟. كيف إذا رأيتم ابن الأنسان يصعدُ حيث كان أولا ؟ “. جاءَ يسوع ليكشف الحَّقَ ويشهدُ له، وليس ليُشبعَ رغائبَ البشر. و المسيحي مدعُوٌ ومُكَّلفٌ بالشهادة ليسوع ( لو 24: 48 ؛ أع 1: ، لذا فهو يهتم بتنوير إيمانه وتعميقَ ثقافتِهِ الكتابية ، لا بالتهَّرُبِ من الشهادة. عليه أن يتذكر أنَّه نورٌ يُضيءُ طريقَ الآخرين لمعرفةِ اللـه ونيلِ الخلاص.

 

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO