الدعوة؟

الدعوة؟


هي أن تصبح مثل “مولـّدة”

Generator


أولا: لا بد من قبول الصراع

أريد أن أقول لكل الشباب الذين يفكرون أو يتساءلون أو يستعدون للدعوة الكهنوتية أو الرهبانية إنه محكوم عليهم بأن يحيوا دعوتهم في وسط هذا العالم الذي يتخلله صراع مؤلم، وأن يتعرض لديهم قلبهم إلى أن يكون مقسومًا، فيقبلوا بذلك. ولكن إذا ما اختبروا هذا الألم بفرح، عندئذٍ ستكون دعوتهم ناجحة”. وهذه بداية جيدة: أي أن نعترف بأننا ننتمي إلى حيز الوسط، “بين – بين”، وأن هذا الصراع كامن بين ما هو نظري وما هو عملي، وهو بمثابة خبزنا اليومي

إن جملة “الكلمة صار جسدا” هي في قلب إيماننا، والكلمة هنا لا يمكن أن تكون شيئًا عاديًا، ولا مسألة عمومية وبعيدة، “الكلمة” هي الإنجيل (بشارة فرح)، تتجدد بلا انقطاع في كل مكان، في العراق وفي أوربا أو أمريكا وفي كل مكان … وبصفتنا خدام المستقبل لا يمكن أن نقدّم كلمة نظرية، ولا أن نُحيي “كلمة” الإنجيل في جماعتنا، التي نحن فيها، إلا من خلال لغتها نحن كما هي، فنقدّمها في وسط تقلبات الحياة الاجتماعية بانتصاراتها وخيباتها، بغناها وفقرها. فالمدعو هنا يؤمن عندئذٍ أنه مثل القابلة التي تساعد المرأة على الولادة، يصغي من جهة إلى الإنجيل وتعليم الكنيسة، ومن جهة أخرى يصغي إلى ثقافته وجماعته، فيمسك بيدها ويحاول أن يرى كيف يمكن لكلمة الرب أن تولد من جديد في هذه الجماعة، هنا في هذا الوقت بالذات، أي مثل كل طفل مولود حديثًا، إنه شيء جديد، يستجد في كل لحظة، فهذا الطفل نراه دائمًا قادمًا من عند الله. أي “كل دعوة هي جديدة!”.ا

لكن هذا الشق الذي تكلمنا عنه: أي بين ما هو نظري وعملي هو شيء مؤلم حقًا، ولعل هذا الألم بالذات ما قصده يسوع لدى مقارنته الرسل مع الأم التي تلد (يو 16/ 21)، فالكل يخاف مخاض الولادة، لكن نعلم أن الفرح دائمًا يعقب الولادة، ، نحن إذن مدعوون كي نكون “مولدين”ا

generators

لكلمة الله في العالم الذي نعيش فيه وبينه


ثانيًا: الانقسامات في الجماعة من منظور الإيمان في سنة الإيمان هذه

إن السبب الثاني لفقدان المعنويات وتفشي التردّد لدى بعض الشباب إزاء التكريس الكهنوتي أو الرهباني، يأتي بالتأكيد من الانقسام الذي نشهده في الكنيسة، ولديّ شعور بأن على كنيستنا (في الوطن والمهجر) رفع هذا التحدي أكثر من أي زمان آخر، فكنيستنا ما تزال فيها بقايا ريفية وقروية في بعض الممارسات. وجاءت التقنية بانتقال سريع جدًا من القرى إلى المدن، ومن المدن إلى قارات بعيدة مما زعزع أسسنا، لقد جاء الوقت أن نعود إلى جذورنا. ولكن إلى أي جذور نعود؟ وكيف سنعود؟

للجواب على هذا السؤال أقول:ا

1.   من الأولويات لدينا هي أننا مدعوون أن نكوّن بيوت وحدة، فإذا كانت الكنيسة منقسمة وحذرة ويتبادل الناس فيها الاتهامات، هذا يعني أنهم ما زالوا يتألمون من سياسات خرقاء وسخيفة هدّدت الكنيسة منذ البداية، وكان بولس الرسول يكرهها لدى جماعة قورنثية فيقول: “بعضهم يقول أنا لبطرس وبعضهم لبولس…” (1 قور 1/12)، هذا مع فلان وهذا مع جماعة “علان” الفلاني

هذا الانقسام غالبًا ليس مجرد اختلاف في الآراء، إنه صراع على السلطة، وهو مكروه. كيف يمكن أن نبشر بكلام الله، دون خوف؟ فالفريسيون كانوا يفحصون بتدقيق كلمات يسوع، ليصطادوه ويوقعوه في الفخ، ألسنا نخاف بعضنا البعض، بل لقد ساعد الانترنت اليوم على انتشار رسائل خبيثة ومغرضة يكتبها كل من يصطاد في الماء العكر أو يختفي تحت أسماء مستعارة. هؤلاء لا تصدقوهم!ا

كل المؤسسات بالتأكيد تلاقي وتجابه مثل هذه الانقسامات، ولم تسلم الكنيسة منها قط، من صراعات قومية وطائفية، بل عشائرية تنزل حتى في البيت نفسه وبين الإخوة والأخوات، بين كل الدول حيث الرجعيين يستغلون الدين حبًا بالسلطة والكراسي، لا نتعجب ولا نضع رأسنا في الرمل…ا

الجديد برأيي اليوم هو أننا يجب أن نتعلم أن نناقش الذي يقف مقابلنا، أي نتكلم “مع” بعضنا البعض! عوض الكلام “ضد” بعضنا البعض

2.   إن الدعوة إلى التكريس هي أن نضع يدنا في يد كل من يفكر مثلنا بلا متاريس، فنتحدث مع بعضنا البعض؟ لكن هل يوجد بحث مشترك عن الحقيقة؟

هناك كم هائل من السكوت في بيوتنا وكنائسنا، لقد شاركتُ في لقاءات ومؤتمرات كثيرة، لاحظتُ، حتى هناك الحوار الحقيقي قليل جدًا، كل واحد يأتي حاملا خطابه معدًا جاهزًا، فيقرأ ورقته ويرتاح، بلا أن يهتم بما يقول الآخر، وإذا ما تكلم عما يقال في الأروقة يفعل ذلك بتشنج مما يفقد كلامه الفاعلية. فعوض أن نحمّل رؤسائنا كل العبء، نتساءل بالأحرى أي حيّز نعطي لحرية الحوار في الأخويات والتجمعات والاحتفالات؟

في جو الانقسام والتسييس المفرط، من النافع أن نجرب الاقتراب من الذين لديهم قناعة أن لا فائدة من الدعوة والتكريس، هؤلاء ينتظرون أن تصطلح الأمور من نفسها لكي يقرروا. أي غالبية الذين ليس لهم سلطة هم يائسون، فيلقون الذنب على المسؤولين ليرتاحوا ويتهربوا من الدعوة!ا

هذا تضييع وقت، يسوع يقول: أترك كل شيء واتبعني! أي أترك الدمدمة والكآبة والتردد وتعال إعمل معي، وسترى!ا


الاب يوسف توما

معهد شمعون الصفا الكهنوتي لبطريركية الكلدان، بمناسبة يوم الدعوات


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO