ســيرة : ربَّـان هُــرمِز

ســيرة : ربَّـان هُــرمِز

ســنة الأيمـان


إعتادت الكنيسةُ الكلدانية أن تُظهرَ أنَّ مجـدَ الشهداءِ والقدّيسين إمـتدادٌ لمجد المسيح يسوع الذي قال :” .. (يا أبتاه)كما أنت فيَّ ، وأنا فيكَ ليكونوا فينا واحدًا… المجدَ الذي أوليتني ، أوليتهُ إيَّاهم – الرسل وكلُ من يؤمن بالمسيح بنـاءًا على بشارتهم- ليكونوا واحدًا … أنا فيهم وأنتَ فـيَّ ” (يو 17: 20-23). فبعدَ أن إحتفلت الكنيسة بمجد المسيح في قيامتِهِ ، أتبعَتها بعيد الشهداء والمعترفين – بالأخص البطريرك شمعون برصباعي ورفاقه الـ 103 الذين نالوا إكليل الشهادة يوم جمعةِ الآلام سنة 341م – ثم أخذت تحتفلُ في ، الآحاد التالية بالقديسين، وبأهمهم ، لاسيما شفعاء الكنائس المحّلية او المدن والقرى. فإذ إحتفلت بعيد مار أوراها في الأحد الجديد كَّملت إحتفالها في الأحد الثالث للقيامة بعيد القديس ربان هرمز مؤسس الدير الذي بآسمه في جبل ألقوش. و تحتفلُ معه كلُ مدينةٍ أوقرية بشفيع الكنيسة أو الديرالمتواجد في المنطقة ويُقيمُ أهلها الـ ” شــيرا “. ا

أقدمُ لأصدقائي الكرام، بهذه المناسبة، نُـبذة عن سيرة القديس ربان هرمزوعن معنى الشيرا. شــيرا
ـــــــــــ أبدأ بالأحتفال وهو يُدعى ” شيرا”. كلمة شيرا آرامية (او كلدانية ) ܫܲܗܪܵܐ ومعناها ” السهرة”. لقد دعا يسوع تلاميذه أن يسهروا بينما كان هو يُنازعُ ويُصَّلي إستعدادًا لمواجهة المصيبة الآتية عليه. سَهَرَ وصًّلى حتى لا يتخاذلَ أمام المحنة ” يا رب إنْ كان ممكنا أبعد عني هذه الكأس “.. التجربة قوية ” وأخذهُ الجهد.. فعادَ عرقه كقطرات دم..” فقد داهمَه ابليس موسوسا له أنْ يتخلَّ عن المهمة. لكن يسوعَ صمدَ في دعـوتِه ورسالتِهِ ، ” لكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك ” (لو22: 41-44). فلهذا ألحَّ يسوع على المؤمنين به أن يسهروا (متى 24: 42 ؛ 25: 13) ويقضوا السهرة بالصلاة لئلا يقعوا في التجربة (لو22: 40 و 46) كما كان يسوعُ نفسُه يفعلُ (لو6: 12؛ 21: 37). ا

عليه كان الرهبانُ يستيقظون في منتصف الليل ليتلوا صلاة ” السهرة ܩܵܠܵܐ ܕܫܲܗܪܵܐ “، و كانت تُخصَّصُ أمكنة لصلاةِ السهرة دُعيَت ” بيت الساهرين ܒܹܝܬܼ ܫܲܗܵܪܹ̈ܐ ” ، ثمَّ أصبحت السهرة تعني عيد القديس الشفيع لأن المؤمنين كانوا يسهرون، مع الرهبان ، ليلة العيد أو يبدأون الصلاة باكرا قبل الفجر ويختمونها بالقداس، يليه الأحتفالُ الشعبي بمقاسمةِ الأطعمة والأفراح. وبما أنَّ القديسين إشتهروا بالسهرِ والصلاة فكان المؤمنون يقضون أعيادهم أولا بالسهر في الصلاة ، ثم يتقاسمون لقمة المحَّـبة ليُؤَّهلهم اللـه بشفاعةِ أولئك القديسين إلى مشاركةِ المسيح ، معهم ، مجـدَهُ وراحَته الأبدية

أتذكرُ شيرا ” ربان بيـا ” في شقلاوا ، وأنا صبيٌ ، كنا نقضي الليلة في الجبل عند الدير وقربَ ضريح القديس نُحييها ، ليلة الـخامس عشر من آب ، بالصلوات والتراتيل الروحية تؤديها فرقٌ متناوبة ، يشتركُ فيها أغلبية أهل القرية لاسيما الزوارُ القادمون بنوع خاص من عينكاوا ولهم طلباتٌ خاصَّة لاسيما الحصول على نسلٍ ذكر. وكنا عند الفجر ننزل من الجبل إلى البساتين للاشتراك في القداس ثم تناول الأطعمة الخاصة بالشيرا. كانت المظاهرُ الروحية تتفوَّق بل تطغي على ما يجري اليوم من آغانٍ ودبكاتٍ كادت أن تنسي الطابعَ الديني الروحي للشيرا

ربان هرمز
ـــــــــــــــــــ تقولُ ” سيرةُ حياتِهِ” بأنه من أصل فارسي ، لكنه وُلدَ من أبوين مسيحيين في مدينةِ شيراز، مقاطعةِ عيلام، في نهاية القرن السادس الميلادي. درسَ في مدرسة كنيسةِ مدينتِهِ العلومَ المدنية المعاصرة مع اللغة ولاسيما العلوم الدينية، وكانت تستهويهِ دراسةُ الكتابِ المقدّس. كان مشغوفًا بقراءَتِه. وشعرَ برغبةٍ قوية تدفعُه إلى الأنخراط في الحياة الرهبانية فالأنعزال عن العالم والأبتعادِ عن صخب المجتمعات المدنية للتفَّرُغ كليا لعبادةِ اللـه والتأملِ في كلامِهِ والتحدُّثِ إليه في الصلاة والمناجاة الروحية

كان شابًا بعمر20 سنة لمَّا قررَ الأنزواءَ في ديرٍ أو صومعةٍ يقودُ فيها حياة الزهدِ والنسكِ متفَّرِغًا كليا للـه. وقبلَ البدءِ بتحقيق أحلامِه عزمَ أنْ يزورَ الأرضَ المقدسة ليتبارَكَ من الأماكن التي عايشت وخلدت ذكرى المعلم الحبيب ناويًا أن يقصدَ بعده مصرَ للوقوفِ على نوع حياةِ النسكِ التي إشتهرتْ بالبدءِ به في مصر، من حيثُ أشّعَ وآنتشَرَ في كل البلدان المجاورة. فالحَّقُ يزهو وينتشرُ لا بواسطةِ البشربل بارادةِ اللـه. ولا حدود أمام اللـه. فأولُ حياةٍ رهبانية ظهرت في مصرَ على يد القديس أنطونيوس الكبير ورفاقِهِ باخوميوس وغيره ثم ذاعَ صيتُهم وانتشرتْ أخبارُهم وجذبَ مَثـالُهم الكثيرين من الشباب

وفي طريقِهِ نحو فلسطين عبرَ هرمز بمدينةِ ” حالا” على ضفافِ نهرِ ديالى. هناكَ إلتقى برُهبانٍ من دير ” ربان بر عيتا ” الواقع في المرج ، منطقة عقرة. وبعدَ التعارفِ على بعضهم أقنعـوه بأنْ يتخلَّ عن حلمِه لاسيما بعدَ ما توَّسموا فيه دعـوةً الهـية ممتازة وجَهْلا بما في البلد من إمكانيةٍ ومجال ليُحَّققَ دعـوتَه ، وبأن يتبعهم إلى ديرهم ثم يقَّـررَ مصيرَه. لأنهم شعروا الروحَ يقولُ لهم :” لا تدعوه يطير! إنه صقرٌيتفَّوقُ في التحَّلقِ في فضاءِ القداسة وسيبني كنيستي. إنَّ دعوَته أن يكونَ هنا “. تبعهم هرمزُ فعلاً إلى ديرهم وآنخرطَ في رهبنتِهم، وأكملَ الأبتداءَ ثم آجتهدَ في الصلاةِ والدرسِ وحتى العمل كعادةِ الرهبان ، خاصّة خدمةِ الأخوة بتواضع ومحَّـبة

سُرعانَ ما برزَ هرمز وفاقَ أقرانَه فضيلةً وعلمًا ولاسيما حياةً روحية سامية. كان متقَّشِفًا يُكثرُ الصومَ والسهرَ والتأمل. ورغم تواضُعِهِ ومُحاولةِ الأبتعادِ عن الأضواء إلا انَّ صيتَ قداستِه فاحَ لا فقط في الدير بل وعَّطرَ المنطقة لأنَّ طيبَ فضائِلِه وأخبارَ معجزاتِه انتشرت بسرعة متعَّديةً أسوارَ الدير. وعُرِفَ عنه أنَّهُ إختبرَ حربًا ضروسًا مع ابليسَ الذي كان ، بالإغراءِ حينًا وبالتهديدِ أحيانًا كثيرة، يُحاولُ إبعادَه عن الزهدِ والتقَّشُفِ. ومن معجزاتِهِ أنهُ شفى شابا إستولى عليه روحٌ شّرير

وإذْ توَّسمَ فيه رؤساؤُهُ سُمُّـوَ دعـوتِهِ للتحَّلقِ في فضاءِ الروح والتكريس الكلي لله نصحوهُ بحياةِ “الحُبساء ” أى بالعزلةِ التامة عن الدير والأخوة والأختلاء في صومعةٍ ( محبسة ) ا
متفَّـرِغًا كليا للصومِ والصلاةِ والأتحادِ الحميمِ باللـه. وآنزوى إلى مكان خلوةٍ يعبُدُ فيه اللـه و يُسَّـبحُه. فحدثتْ له رؤىً وآنخطافاتٌ شهدَ لها متوَّحدون آخرون بجوارِ صومعتِه. ثمَ عزمَ على الأبتعادِ من المنطقةِ، وكان الربُ يدعوهُ الى خدمةٍ أفضل. فتبع هرمز الوحيَ الألهي و قصدَ، مع راهب أخر هو أوراها ، دير الرأس في جبل مقلوب. وبعدَ ستِ سنوات ، وبسبب جفاءِ نبعِ ماءِ الدير وتفَّـرُقِ رهبانِهِ ، توَّجهَ هو ورفيقُه إلى جبل باعذرِى بمُحاذاةِ ألقوش. قضيا معًا أياما في الكهف ، ثم غادرَ رفيقُهُ باتجاه الموصل وآستقَّرَ قرب بطنايا حيثُ أسَّس ديرًا هناكَ وآستقبلَ عديدًا من الرهبان. أما هرمز فآستقَّرَ في جبل ألقوش قربَ نبع الماء محتميا بالكهفِ المجاور له. و يُعرَفُ ذلك الكهفُ الى اليوم بـ ” كهف القديس ܓܸܦܵܐ ܕ ܩܲܕܝܼܫܵܐ “.ا

ولم يطُلِ الزمنُ حتى عرفَ أهلُ ألقوش ، والقرى المجاورة ، بخبرِ القديس وآشتموا رائحة قداستِه فقصدوهُ وصاروا يترَّددون إليه ، لاسيما في حاجاتِهم ومِحَنِهم. وتُعزى إليه معجزةُ إقامةِ شَيبينْ (عقبـة !) ابن أمير الموصل مما أدّى الى مساندتِه وتوفيرِ حاجاتِه. وتقاطرَ عليه الشبابُ وآلتَّـفوا حولَه ، قادمين من مناطقَ مختلفة ، قريبة وبعيدة ، لسماعِهم أنباءَ قداستِه و لرغبتهم التمَّثلَ بهِ وإيجادَ العون عنده ليرتقوا في ممارسةِ محبة اللـه. ولمَّا كثرَ عددُهم بنوا لأنفسهم كنيسةً أصبحت الحجر الأساس لقيام ديرٍ كبير مأهول بالرهبان ، و نقروا صوامعهم في جبل القوش. وقد عاونه في قيام الديرأهالي قرى المنطقة متبرعين بالمواد والأقوات لضمان حاجات الجمعية. و قد برزَ فيهم متبرعٌ كريم وسخي من سُّـكانِ باقوفة اسمُه خوداهوي شوبحي

وتقَّدمَ هرمز في العمرِ وبلغ شيخوخةً مبارَكة ومات بعمر سبعٍ وثمانين سنة. قضى سبع وستين سنة منها في حياةِ النسك وعبادةِ اللـه. دُفنَ في كنيسةِ الدير. وآستمرَّت بعدَه لا فقط ذكراهُ العطرة بل وحتى المؤسسة الرهبانية التي ماتزال ، الى اليوم، قائمةً في العراق على اسمِه ، ساعية في تقديس النفوس وساندةً ايم

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO