رسالة راعوية لسنة الإيمان

رسالة راعوية لسنة الإيمان

مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة


موقع ابونا

الإيمان هو “قوام الأمور التي تُرجَى وبرهان الحقائق التي لا تُرَى  

إلى إخوتنا وأخواتنا الأحبّاء في الربّ
الكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والمؤمنين كافّة
نعمة ربِّنا يسوع المسيح معكم جميعاً

1) سنة الإيمان

في 11 تشرين الأول 2012 بدأت الكنيسة العامّة “سنة الإيمان”، دعا إليها قداسة البابا بندكتس السادس عشر. في اليوم نفسه، تذكر الكنيسة 50 سنة بعد بداية المجمع الفاتيكاني الثاني في عهد البابا الطوباوي يوحنا الثالث والعشرين، وعشرين سنةً بعد نشر كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة في عهد البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني. ونجد في هذه الذكريات نفسها وحياً لمسيرتنا في سنة الإيمان. وفي تشرين الأول 2012 ينعقد السينودس العام للأساقفة حول موضوع: “البشارة الجديدة وتسليم الإيمان المسيحي للأجيال الجديدة

وفي يوم 14 أيلول 2012، وقَّع قداسة البابا بندكتس السادس عشر، على الإرشاد الرسولي “الكنيسة في الشرق الأوسط”، في بازيليكا القدّيس بولس في حريصا للروم الملكيّين الكاثوليك، في أوَّل يوم من زيارته للبنان والشرق الأوسط، ثم سلَّمه لبطاركة الشرق الكاثوليك خلال القدّاس الحبري الذي أقامه في بيروت يوم الأحد 16 أيلول. وجاء في مقدّمة الإرشاد الرسولي: “إنَّ جماعة القدس الأولى هي مثالٌ للجماعات المسيحيّة الحاضرة لتُجدِّدها وتجعل منها جماعة شركة وشهادة” (الإرشاد، رقم 4

وكان قداسة البابا قد أوضح فكرته في سنة الإيمان قال: “إنّنا إذ ننظر في علامات الأزمنة في التاريخ الحاضر، ندرك أنَّ الإيمان يقتضي من كلَّ واحد منّا أن يكون علامة تُظهِر “ربَّ الكون القائم من بين الأموات”. هذا ما يحتاج إليه العالم اليوم بنوع خاصّ، شهادةٌ صادقةٌ لأناس استنارت عقولهم وقلوبهم بكلمة الله، وهم قادرون على فتح قلوب وعقول الكثيرين ليشتاقوا إلى الله ويطلبوا الحياة الحقيقيّة، الحياة التي لا نهاية لها (باب الإيمان، رقم 15). ويعتبر البابا المجمع الفاتيكاني الثاني وتعليم الكنيسة الكاثوليكيّة بمثابة كنزَيْن في عصرنا يساعداننا لنعيش كما يليق بتلاميذَ للمسيح في هذا العصر الجديد بتحدِّياته العديدة

2) علامة حيَّة للرّبّ القائم من بين الأموات” في أرض الإيمان والقيامة

مع الكنيسة العامّة، نحن أيضاً نحمد الله لهذه الكنوز والوثائق التي توفِّرها لنا الكنيسة العامة، أي وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني والتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة. ويضاف إلى هذين الكنزين بالنسبة إلينا سينودس كنائس الشرق الأوسط والإرشاد الرسولي الذي ذكرناه، ورسائل بطاركة الشرق الكاثوليك، والوثائق الستَّ عشرةَ للمخطَّط الراعوي بعد سينودس الأرض المقدَّسة (المنشور عام 2000). هذه هي مراجعنا ومصادر تجديد إيماننا في حياتنا المسيحيّة. ويبرز هنا أوّلُ التزام لنا وهو دراسة هذه الوثائق ووضع خطط عمل تحوِّلها إلى منهج حياة لنا

ومرجع هام آخر لنا هو خطابات الزيارات الحبريّة الثلاث التي تركها لنا ذُخراً وتراثاً الباباوات بولس السادس عام 1964، والطوباوي يوحنا بولس الثاني عام 2000، والبابا بندكتس السادس عشر عام 2009

ما معنى أن نكون “علامة حيَّة لحضور الرَّبِّ القائم من بين الأموات” في أرضنا، الأرض التي تُسمَّى مقدَّسة، والمرتبطة بصورة حميمة بتاريخ الإيمان. “إنّ أرضنا مباركة لأنَّها مهد الوحي ومكان تاريخ الخلاص. وهي، مع ذلك وفوق كل شيء، أرض التجسّد” (المخطط الراعوي، ص 6). إلى هذه الأرض دعا الله إبراهيم أبا الآباء، فترك أرضه، وبدأ رحلة إيمان ترشدنا نحن أيضاً اليوم كلَّما تأمَّلنا في كلِّ ما جاء في الكتاب المقدَّس. منذ ذلك الوقت، ومن بعده، صارت أرضنا جغرافيا لتاريخ الإيمان، من إبراهيم إلى موسى النبي إلى داهود الملك والنبي، ومن الكهنة والملوك والحكماء والأنبياء في العهد القديم إلى مَن كان مكمِّلاً لصلواتهم وذبائحهم، وأمثالهم ونبؤاتهم، أي يسوع الناصرة، الربِّ القائم من بين الأموات “مُبدِئِ إيمانَنا ومتمِّمِه” (عبرانيين 12: 1). وهذا “الجمع الغفير من شهود” الإيمان (عبرانيين 12: 1)، الذين ملأوا الكتاب المقدّس، انطلقوا كلُّهم من أرضنا

هنا أيضاً وُلِدَت الكنيسة يوم العنصرة، ومن هنا ذهبت إلى أقاصي الأرض، تحمل معها الإيمان بالربِّ القائم من بين الأموات. هذه الكنيسة الأمّ، كنيسة القدس، وحافظةُ إيمانِ الرسل، هي كنيستنا، وما زالت تقدِّم لنا نماذج إيمان حيّ حتى اليوم: الطوباويَّة مريم بواردي والطوباويّة ماري ألفونسين، والمُكرَّم سمعان السروجي. “سنة الإيمان” هي زمن لتجديد مفهومنا أنّنا أعضاء في هذه الكنيسة الجليلة، ومن ثمَّ واجب معرفة تاريخها وتنوُّعها معرفةً أفضل. نحن “جماعة قدّيسين”، وهذا تحدٍّ كبيرٌ أمامنا وعلينا مواجهته بجدّيّة، بحيث تقدر الكنيسة الأمّ، كنيسة القدس، أن تستمرَّ وتبقى منارةً مُشِعّة في الكنيسة

أرضُنا مَدعُوَّة أكثر من غيرها إلى أن تشعّ بإيمانها. الملايين من الناس يأتون إلى هنا ليجدِّدوا إيمانهم بزيارة الأماكن المقدسة. ونحن “الحجارةَ الحيّة” في هذه الأرض المقدَّسة، حرَّاسَ الأماكن المقدَّسة والمحيطين بها بصلواتنا وابتهالاتنا في ليتورجيّاتنا المتنوِّعة، وبأمانتنا المتواصلة مدّة ألفَيْ سنة، نحن مدعوُّون إلى أن نكون “شعباً مؤمناً” بصورة مثاليّة. سنة الإيمان هي مناسبة مباركة لإعمال فكرنا ورويَّتنا: كيف يمكننا، نحن المؤمنين، أفراداً وكنيسة، أن نكون “علامة إيمان حيّة”، في هذه الأرض وفي العالم كلّه، “لحضور الربِّ القائم من بين الأموات

3) تجديد الكنيسة في الأرض المقدّسة

نحن بحاجة إلى ارتداد يوميٍّ عميق، وإلى تجديدٍ لنفوسنا مستمرّ في الروح، حتى نتمِّم رسالتنا كتلاميذَ ورسلٍ للمسيح في هذه الأرض، نحمل شهادة للمسيح المنتصر على الموت ونعيش ونكون علامات حيّة “للربّ القائم من بين الأموات”. يذكِّرنا القديس بولس أنّنا وُلِدنا جديداً في المسيح لحياة جديدة، يقول: “أوَتجهلون أنَّنا، وقد اعتمدنا جميعًا في يسوع المسيح، إنّما اعتمدنا في موته، فدُفِنّا معه في موته بالمعموديّة لنحيا نحن أيضًا حياة جديدة كما أقيم المسيح بمجد الآب؟” (روما 6: 3-4). جاء في ورقة العمل لسينودس الأساقفة للبشارة الجديدة: “الإيمان المسيحي هو لقاء حقيقيّ وعلاقة حقيقيّة مع المسيح يسوع. وتسليم الإيمان للأجيال المقبلة يعني خلق الظروف المناسبة في كلّ مكان وزمان التي من شأنها أن تؤدِّيَ إلى لقاء الإنسان مع يسوع المسيح. الغاية من كلّ بشارة هي جعل هذا اللقاء ممكنًا، وهذا اللقاء هو، في الوقت نفسه، حَدَثٌ في صميم النفس، شخصيٌّ وعامّ وجماعي” (ورقة العمل، رقم 18

لنكون علامة حيَّة لحضور “الربِّ القائم من بين الأموات”، نسعى في سنة الإيمان هذه أن نجدِّد أنفسنا ونشكر لله جميع المواهب التي وهبنا إيّاها في هذه الأرض، حيث نرى أفواج الحجّاج الذين يأتون من غير انقطاع ليجدِّدوا إيمانهم. فهم يذكّروننا بالنعمة التي نحن فيها إذ أتاح الله لنا أن نقضي حياتنا كلَّها هنا. كنيستنا غنيّة بعشرات الجمعيّات الرهبانيّة التي تريد أن تجعل لها مقامًا في أرض يسوع الناصري. وخدماتها المخلصة في مدارسها وجامعاتها ومستشفياتها ومستوصفاتها ومياتمها ودور المسنِّين والمعوَّقين ومراكز الرياضات الروحية، تذكِّرنا دائماً بقول الرسول يعقوب: “فكما أنَّ الجسد بلا روح مَيْت، فكذلك الإيمان بلا أعمال مَيْت” (يعقوب 2: 26). وكنيستا غنيَّة بصورة خاصّة بالأديار التأمُّلية، فهي مراكزُ حيَّةٌ للصلاة منتشرةٌ في أرضنا. وكذلك الجمعيّات الجديدة الزاخرة بالحياة الجديدة تَفِدُ، هي أيضاً، إلى أرضنا وتُشرِكُنا في خبرتها مع الربَّ القائم وفي قدراتها للتجديد

تواجه كنيستنا، يالإضافة إلى ذلك، تحدِّياً جديداً مستمراً وهو استقبال مسيحيّين عديدين يفدون إلى أرضنا ليجدوا فيها مسكناً وعملاً وأماناً من الاضطهاد والظلم والعنف. أمام هذا التحدّي، المسيحيّون المحلّيّون مدعوُّون إلى أن يفتحوا قلوبهم وكنائسهم لهؤلاء الوافدين الجدد فيساعدوهم لأن يعيشوا هم أيضًا إيمانهم، ويوفِّروا لهم “الظروف التي من شأنها أن تؤدِّيَ إلى لقاء كلِّ واحد منهم مع يسوع المسيح”. هؤلاء المهاجرون الوافدون يحملون معهم غنى تقاليدهم وثقافاتهم التي يمكن أن تكون لنا عوناً في تجديد إيماننا

4) بشارة جديدة وتحدِّيات كبيرة

“الجماعات المسيحية المتأثِرة بالانقلابات الاجتماعيّة والثقافيّة تحتاج من جديد إلى أن تجد القوّة والوسيلة لتؤسِّس نفسها بمتانة في حضرة الربِّ القائم من بين الأموات، الذي يحيينا من الداخل. يجب أن نسمح لأنفسنا لأن نهتدي بروحه فنقدر أن نختبر من جديد هبة الشركة مع الآب والتي هي شركتنا في يسوع المسيح، ثم نقدِّم، بدورنا، لغيرنا هذه الخبرة نفسها أثمنَ هديّة يمكن أن نمتلكها وأن نقدِّمها” (ورقة العمل، رقم 46). أرضنا هي البيئة حيث نحن مدعوُّون إلى أن نكون علامة لحضور الربِّ القائم من بين الأموات. والتحدِّيات فيها كثيرة ومخيفة

ما زال العنف يمزِّق أرضنا والظلم والاحتلال وعدم الأمن، والكثيرون محاصَرون وراء الجدران والحواجز العسكريّة، وغيرهم يئنّون في السجون، أو يعانون من التفرقة العنصريّة، أو يبكون أعزاء لهم غابوا عنهم، أو يشتاقون إلى الانضمام إلى سائر أعضاء عائلاتهم ولا يستطيعون أن يلتقوهم، أو يعيشون في الخوف وفي القلق. المسيحيّون قطيع صغير في مجتمعاتنا التي تسودها تقاليد دينية مختلفة، الإسلام واليهودية، وهم يشعرون بتهميش يزداد يوماً بعد يوم. ومن حولنا ينهار عالم نعرفه يتساقط فيه مستبدّون أقوياء، بينما يبدو المستقبل لنا غير أكيد مع ظهور قوى جديدة كانت مقيَّدة وقد انطلقت اليوم من قيودها. وقد اختار الكثيرون من إخوتنا وأخواتنا في الإيمان في هذه الأحوال أن يهاجروا، تاركين جماعاتنا أكثر فقراً وهزالاً. يبدو العالم من حولنا مليئاً بالتهديدات والمخاطر. وفي ما نريد أن نبقى أقوياء في إيماننا، فإنّ التحدّيَ الأكبر الذي يواجهنا هو اليأس والإحباط

وفي هذه الأحوال الخاصّة مع تحدِّياتها الهائلة، نحن مدعوّون إلى أن نفكِّر في بشارة جديدة بطريقة مبدعة ونبويّة. “الصفة “جديد” تعني أنَّ وضعاً ثقافياً قد تبدَّل وأنّ الكنيسة أصبحت تحتاج إلى قوّة متجدّدة وحزم وإبداع وتجدُّد لتجد الطريقة التي تعيش بها إيمانها وتسلِّمَه لمن يليها”. (ورقة العمل، 49). كلام الكنيسة وشهادتها يجب أن يكون تعبيرًا صادقًا عن الإيمان، ولهذا يجب أن يستجيب للواقع الخاصّ الذي يعيشه المؤمنون

كنائسنا يجب ألّا تصبح جزراً منعزلة ومنغلقة على نفسها حيث ينعزل المؤمنون عن العالم الذي يهدِّدنا في الخارج، بل يجب أن تكون أماكنَ زاخرةً بالحياة والنشاط والاحتفالات. يصف المخطَّط الراعويّ العامّ وضعَ الإيمان لدينا فيقول: “الهدف من التنشئة الدينيّة هو النفاذ إلى شخصيّة الإنسان والتأثير في عقليّته لتحويلها إلى عقليّة إنجيليّة. إذا تمَّ ذلك، يصبح الإيمان والحياة أمرًا واحدًا. عندما تصبح مبادئ الإنجيل مصدر التوجيه والحكم والعمل، إذَاك يصبح الإنسان المسيحيّ مؤمناً وتصبح أعماله متَّفقة مع رسالة المسيح. بهذه الطريقة فقط يمكن للإيمان أن يُسهِم في تغيير المجتمع وبناء الكنيسة” (المخطط الراعوي، تنشئة البالغين، ص 30

أن نكون “علامة حيّة لحضور الرّبِّ القائم من بين الأموات”، يعني أن نكون على مستوى التحدّي الذي يقوم بأن نقول كلمة إيمان تدعو إلى العدل والسلام والمغفرة والمصالحة، وفوق كل شيء، إلى الرجاء، في عالمٍ لا يحمل خطابُه كلُّه إلًا اليأس. وهذا الكلام يجب أن ترافقه أعمال جريئة في الإيمان تدعو إلى شفاء الجراح وبناء الجسور على كل الصُّعُد في حياتنا. هذه هي اللغة التي نتكلَّمها والعمل الذي نتمِّمه عندما نحتفل بالإفخارستيّا – حيث يبذل المسيح نفسه لخلاصنا وخلاص العالم. ستكون إذاً سنة الإيمان “مناسبة جيّدة كثيف الاحتفال بالإيمان في الليتورجيّا. ولاسيما في سرّ الإفخارستيّا التي هي القِمَّة التي يتوجّه إليها عمل الكنيسة… وهي أيضاً المنبع الذي منه تأتي كلُّ مقدرة” (باب الإيمان، رقم 9

الغاية من هذه السنة هو تجديد المؤمنين فيدركون أنَّهم مُرسَلون ممتلئون بقوّة الإفخارستيّا ليعملوا في مختلف المجالات

– في بناء جماعات مسيحيّة تُشِعُّ المحبَّةَ في عائلاتنا ورعايانا

– في تقوية التعاون والشهادة المشتركة في داخل الكنيسة الكاثوليكيّة، حيث يغتني الكلّ بالكلّ، بفضل تنوّع مؤسّساتنا وطقوسنا فلا تبقى مدعاةً إلى الانقسامات بيننا

– في تقوية العلاقات المسكونيّة والمشاركة الأخويّة مع كل المسيحيّين فنؤدِّي معاً شهادة واحدة للربّ الواحد القائم من بين الأموات

– ونتجرّأ فنبني ونقوّي العلاقات مع كلِّ المؤمنين في هذه الأرض، مسلمين ويهوداً ودروزاً: كلُّنا خليقة الله وصورة الإله الواحد أبي الجميع ومحبِّ الكلّ

– ونهتمُّ أيضاً لكلّ إخوتنا وأخواتنا في الإنسانيّة لنعمل معاً لبناء مجتمع يضمن لكلّ واحد مكانه، في الكرامة والأمن والعدل والسلام

وَلْنذكر دائماً أنّ غياب الفرح والأمل هما أكبر العوائق أمام دعوتنا في هذه الأرض. تقول ورقة العمل لسينودس الأساقفة المقبل “من أجل بشارة جديدة”: “غياب الفرح والأمل قد يكون قوياً في النفوس إلى حدِّ أنه يجعل هزيلاً نسيج جماعاتنا المسيحية. ولهذا فإنّ البشارة الجديدة المقترحة في هذه الأماكن هي علاج يعيد الفرح والقوّة إلى الحياة وهي أمرٌ ملزِمٌ يملأ إيماننا بالقوّة” (ورقة العمل،  168). الإيمان هو “قوام الأمور التي تُرجَى وبرهان الحقائق التي لا تُرَى” (عبرانيين 11: 1). وإيماننا يجب أن يكون نبوياً مؤسَّساً على خبرة علاقةٍ عميقة، شخصيَّة وحميمة، مع الربِّ القائم من بين الأموات، وأبيه الآب الأزليّ الأمين أبدًا لمواعده

5) بعض الاقتراحات العمليّة لنعيش سنة الإيمان

إنَنا ندعو كهنة الرعايا ومعلِّمي ومعلِّمات الدين والمعلِّمين والمعلّمِات والرهبان والراهبات والوالدين وكلّ المؤمنين إلى أن يجعلوا من هذه السنة مناسبة عمليّة لتعميق إيمانهم وتجديده وجعله زاخراً بالحياة. كنائسنا ومدارسنا ومؤسَّساتنا الاجتماعيّة والطبّيّة وبيوتنا الرهبانيّة وأديارنا، وبيوت عائلاتنا بصورة خاصّة، يجب أن تصبح في هذه السنة أماكن لقاء مع يسوع المسيح. إنّه يدعونا إلى التوبة والارتداد وإلى أن نسير معه

واقعياً، ماذا يمكن أن نعمل في سنة الإيمان هذه؟

احتفالات – لنحتفل بطرق مختلفة بإيماننا. احتفالاتٌ في كلِّ رعيّة وأبرشيّة. واحتفالاتٌ مشتركة بين كلّ الطقوس تعرِّف المؤمنين، ولاسيما الشباب، بغنى تنوُّع طقوسنا في الكنيسة الكاثوليكية الواحدة: لهذه الاحتفالات المشتركة أهميّة خاصة في هذه السنة لتوثيق وحدتنا. وسوف يعلن رؤساء الكنائس الكاثوليكيّة في الأرض المقدّسة عن مختلف الاحتفالات التي ستُنظَّم في هذه السنة

الأسرار – الاحتفال بالأسرار بوعي عميق لمعناها ولكونها التعبيرَ الحيّ عن إيماننا

احتفالاتنا بالعموديّة والميرون، لتكن مناسبات لتجديد الإيمان مع كونها مناسبات تجمع الأهل والأقارب والأصدقاء حول نعمة جديدة يمنحها الله لإحدى عائلاتنا

احتفالات التوبة الجماعيّة، في كلّ رعيّة، لتضعَ المؤمنين أمام ربِّهم ويبدأوا مسيرة نعمةٍ جديدة وقوّةٍ ومحبّة، في عائلاتهم وفي مجتمعهم

احتفالاتنا بالإفخارستيّا، والقدّاس في يوم الأحد أو في الأعياد: لتكن مناسبة لتعميق فهمنا لهبة الله ونعمته، ولمعنى مرافقة الله لنا في هذا السرّ المقدَّس ولحضوره المستمرّ بيننا، مصدرَ قوّة ومحبّة لنا، من أجل حضورنا الفعّال في كلِّ مجتمعنا

الاحتفالات بالرسامات الشماسيّة والكهنوتيّة أو حفلات التكريس الرهبانيّة، في هذا العام: لتكن مصدر فرح خاصّ للعائلة التي قدَّمت ابنها أو ابنتها لخدمة الله والناس

ونركِّز بصورة خاصَة على سرّ الزواج لجعلِه مناسبة لفرح استقبال نعمة الله وبركته على الأسرة الجديدة، إلى جانب الأفراح الاجتماعيّة التي تحيط به

وأخيراً مسحة المرضى: نصلي مع المرضى ونرافقهم ونوجِّه آلامَهم لتكون جزءاً ومشاركة في آلام يسوع المسيح من أجل فداء مجتمعاتنا، التي تهدِّدها مختلف المخاطر المادّية والروحية

في كلِّ ذلك نحتفل فنصلّي ونعلن ونقوّي إيماننا بالربِّ القائم المنتصر على الموت والخطيئة

الحج – نحن مؤمنون نعيش حياتنا اليوميّة حول الأماكن المقدّسة: هنا في أرضنا، بين بيوتنا، تمَّ تاريخ الخلاص وحلَّت نعمة الله على البشريّة جمعاء. هنا، بيننا، وبين بيوتنا، تقوم الأماكن التي تذكر تاريخ الخلاص. هنا تجسّد كلمة الله وصار إنسانًا. وهنا ولد وعاش وعلّم وصنع المعجزات، ثم مات وقام منتصرًا على الموت، وصعد إلى السماء وأرسل روحه القدّوس يوم العنصرة. هنا أقام الرب في أرضنا، وما زالت هذه الأماكن أماكنَ عيشنا اليومي. في هذه السنة، لا بدَّ من تنظيم رحلاتٍ لزيارة الأماكن المقدَّسة للطلّاب والطالبات وللأهل وللعمّال ولكل أفراد رعايانا

الدراسات – ذكرنا في مطلع رسالتنا الوثائق الكثيرة التي يمكنها أن تعمِّق إيماننا وترشدنا في حياتنا الكنسيّة والاجتماعيّة. لا بدَّ من معرفتها، والتأُّمّل فيها واستنباط مبادئِ العمل منها لنعرف كيف نتصرَّف في مجتمعاتنا وأيّةَ مواقفَ نقف في مختلف المجالات والظروف. دراسات الكتاب المقدّس لها الأولويّة، ومن هنا ضرورة تنظيم حلقات الدراسة لمعرفة الكتاب المقدَّس وتعميق فهمنا له وجعله مرشداً لنا وهادياً في كل موقف لنا في هذه الحياة. يجب أيضاً تنظيم مجموعات لدراسة وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني والتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، والرسائل الراعويّة لبطاركة الشرق الكاثوليك. وعلينا بصورة خاصّة دراسة الإرشاد الرسولي “الكنيسة في الشرق الأوسط”. تقع مسؤولية تنظيم مجموعات الدراسة هذه على كهنة الرعايا بمساعدة الجماعات الرهبانيّة. وإنّ المؤسسات الأكاديميّة مدعوَّة إلى المساهمة في هذا المجهود وتنظيم الدورات أو المحاضرات للعلمانيّين حول مواضيع تهمّ هذه السنة

التنشئة – لنهتمّ في هذه السنة لتنشئة جميع المسؤولين في حياة الكنيسة، ولاسيما بتنظيم دورات للمشاركين في الليتورجيّا، إذ إنّها أهمّ تعبير عن الإيمان

التعاون بين الكهنة – إيماننا شهادة. وأولى شهادتنا وحدة الإكليروس وتعاونه في مختلف المساعي وأوَّلُها الصلاة معًا في تنوُّع طقوسنا والمحبّةُ بعضُنا لبعض. الاجتماعات المشتركة للكهنة وسيلة فعّالة لذلك. وهناك مجال تعاون بين الكهنة وهو مجال الوعظ فيعمل جميع الكهنة على تكوين “كنز المواعظ” حول المواضيع في التعليم المسيحي التي يمكن استعمالها في هذا العام، والتي بها يُثقّف المؤمنون ويُرَسَّخون في إيمانهم

الشبيبة – المدارس الكاثوليكية مدعوّة إلى الإسهام في سنة الإيمان بتنظيم نشاطات للشبيبة توعّي الطلّاب والطالبات والمعلّمين والمعلّمات لمعرفة الإيمان ولفهمِه وعيشِه في كلّ الظروف. إنّنا نجدِّد في هذه المناسبة توصيتنا لمدارسنا لكي يولوا دروس التعليم المسيحي والتربية الدينيّة اهتمامًا خاصًّا، في هذا العام. إننا نطلب من كل المدراء والمديرات أن يولوا التعليم المسيحي اهتمامًا أفضل. سنة الإيمان هي للمدارس سنة التعليم المسيحي أيضاً. فقد أوكَلت إليها الكنيسة مهمّة التربية الدينيّة، وعليها أن تربّي أجيالًا تعرف إيمانها وتقدر، بنوره وقوّته، أن تواجه تحدّيات الحياة في هذه الأرض المقدَّسة

الإعلام – سنة الإيمان هي أيضاً سنة الإعلام الكاثوليكي بما أنّه من أهمّ الوسائل لتربية المؤمنين وللتعريف بالصورة الصحيحة للإيمان. قد يكون أحدُ أهداف هذه السنة أيضًا تنشئةً إيمانيَّةً للمسيحيّين العاملين في مجال الإعلام، وإعدادَ غيرهم للعمل في هذا المجال للربط بين الإيمان والمجتمع كلِّه وكلِّ التطوُّرات فيه. وليعملوا على تقديم شهادات لبعض المؤمنين أو للمكرَّسين في مختلف أشكال الحياة المكرّسة، شهادةً لله وللناس وتقويةً لإيمان المؤمنين

مبادرات مسكونية – سنة الإيمان في الأرض المقدَّسة حيث الكنائس متنوِّعة أو منقسمة، وحيث الديانات المختلفة، يجب أن تكون أيضًا سنة عمل مسكونيّ بين المسيحيّين وسنةَ حوار مع سائر الديانات، لتقوية المحبّة والتفاهم والتعاون المتبادل بين جميع المؤمنين. أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين يجب أن نحتفل به بصورة خاصّة في هذه السنة، فنصلّي مع إخوتنا وأخواتنا في سائر الكنائس لنشهد لإيماننا الواحد بيسوع المسيح. على كهنة الرعايا والرهبان والراهبات وجميع المؤمنين تخصيص أسبوع في كلّ رعيّة للصلاة من أجل وحدة المسيحيّين فتُتلى في كل يوم صلاة يسوع من أجل الوحدة كما وردت في إنجيل القديس يوحنا (17: 17- 24). وعلى غرار أسبوع الوحدة هذا، قد يكون من الممكن أيضًا تنظيم “أسبوع وحدة” أو “أسبوع تفاهم وحوار” بين أبناء الديانات المختلفة، إسهامًا منّا في زيادة المحبّة بين جميع الناس في مجتمعاتنا الغارقة في شتى المخاصمات السياسيّة والاجتماعيّة

مناسبة أولى للتفكير معاً – يود رؤساء الكنائس تشجيع مجلس الكهنة المشترك واللجان المكلفة بذلك أن يأخذوا أية مبادرة في خدمة دعم إيماننا. وأيضا بدعم وتشجيع الإكليرس والرهبان والراهبات والمكرسين والمكرسات وكل المؤمنين بأن يشاركوا في اللقاءات التي تنظمها المعاهد الكتابية واللاهوتية العاملة بيننا

هذه بعض الأفكار العمليَّة التي يمكن أن تلهم الإكليروس والمؤمنين كافّة في هذه السنة. وإنّنا ندعوهم إلى اتّخاذ كلِّ مبادرة ممكنة متعاونين معًا، أساقفة وكهنة ومؤمنين، ليستغلُّوا نعمة وبركة هذه السنة وليعمِّقوا فهمهم لإيمانهم

6) الخاتمة: سنة إيمان للأجيال المقبلة

في الإرشاد الرسولي بعد السينودس، “الكنيسة في الشرق الأوسط”، قال قداسة البابا بندكتس السادس عشر: “سنة الإيمان مرتبطة بالبشارة الجديدة. إن عشناها بصدق وقناعة، ستجد فيها كنائس المنطقة بشارة جديدة لها وتقويةً لشهادتها للمسيح. التعريف بالمسيح ابن الله الذي مات وقام من بين الأموات، وهو مخلِّص البشريّة الوحيد، إنّما هو واجب جوهريٌّ في الكنيسة، ومسؤوليّة جسيمة تقع على عاتق كلّ المعمّدين. لأنّ الله يريد لكلِّ إنسان أن يعرف الحقيقة وأن يَخلُص” (1 طيموتاوس 2: 4). وإذا ما استجابت كنائسنا لهذه المسؤوليّة الصعبة والمُلِحّة في مجتمعاتنا المتعدِّدة الديانات والثقافات، سيأتي الروح لمساعدة ضعفها (روما 8: 26)، وهو هبة الربِّ القائم الذي ما زال يسند تلاميذه. وسنجد العون أيضًا في كنز تقاليدنا الروحيّة الثمينة، وهي دليل أكيد لجميع الذين يطلبون الله” (الكنيسة في الشرق الأوسط

هذا الإرشاد الرسولي موجَّه إلينا وإلى كنائسنا، لنزداد اتّحادًا ومحبّة بعضُنا لبعض في البيت الواحد، في الأبرشية الواحدة، ويين الكنائس كلِّها التي يجب أن تكون في جوهرها كنيسة واحدة. وفيه أيضًا كلام يشير إلى الأحداث في كلّ مجتمعاتنا العربية، إذ إنها تخصُّنا ونحن جزء منها. وفي الإرشاد إرشادٌ لنا يساعدنا على تحديد دورنا ومعرفة مكاننا في كلِّ ما يحدث. أوّلًا يجب على المسيحي أن يعرف نفسه، فيعرف ما عليه أن يعمل. في عالمنا العربيّ اليوم، لكلّ ما فيه من اضطرابات وانقلابات سياسيّة واجتماعيّة، وفي المجتمع الإسرائيليّ، بكلّ مكوِّناته السلميّة أو السياسيّة الضاغطة، هناك في قلوب بعض المؤمنين حَيْرةٌ وقلقٌ وخوفٌ من المستقبل. ونحن نقول: إنّ المؤمن لا يخاف. وإنَّ المؤمن لا يحار. إنَّ المؤمن يعرف بمن آمن. ويعرف أنّ الله أبٌ صالح ورحيم. وأنّ صلاحه سوف يتغلّب على كلّ مظاهر الشرّ الذي نعاني منه اليوم. هذه سنة إيمان من أهدافها أن يعرف المسيحيُّ نفسه ويعرف مكانه في مجتمعه، في خطّة الله وعنايته ومحبّته. قال السيد المسيح إنَّ المؤمن يستطيع أن ينقل الجبال (متى 17:20)، أي أن يبدِّل المجتمعات. ونحن مؤمنون. فنحن قادرون، بقوّة الله ومحبّته

إنّنا نمرّ بمرحلة تاريخية لا بدَّ منها، بتقلُّباتها وبكلّ ما تأتي به من قوى جديدة. وهي أيّام صعبة لنا ولكلّ مواطنينا. قال يسوع المسيح: ” إنّ شعرة واحدة لا تسقط من رؤوسكم من دون إذن أبيكم الذي في السماوات” (راجع متى 10:30 ولوقا 21: 18(. علينا أن نبحث عن نعمة الله في كلّ هذه الأحداث، حتى في ما فيها من موت ودماء وتهجير واضطهاد. وعلينا أن نبحث عن إرادة الله فيها لنا ولكلّ أوطاننا، وعن دورنا في كلّ هذه العاصفة التي تمرّ بنا. و”إنّكم بثباتكم تكتسبون أنفسكم” (لوقا 21: 18

نبدأ سنة الإيمان بوعي جديد لمسؤوليّتنا. نريد أن نسلِّم إيماننا للأجيال القادمة من بعدنا، والتي سوف تضمن استمرار الشهادة في أرض القيامة “للربّ القائم من بين الأموات”. ونريد أن نركِّز انتباهنا على أبنائنا فنصلِّي لكي يجدوا فينا وفي والديهم وفي رعاتهم ومعلّميهم، “علامة حيَّة لحضور الربِّ القائم من بين الأموات”. وأخيرًا، إنَّ الإيمان الذي نطلبه هو نعمة منه تعالى، ولذلك نصلِّي ونسأل الربَّ القائم من بين الأموات أن يزيدنا إيمانًا وأن يجعلنا شهودًا له يملأنا الفرح والرجاء

نريد أن نجدِّد عزمنا الذي أنهينا به مخطَّطنا الراعوي: “إنّ كنيستنا كنيسة حيّة. مهما كانت الصعاب أو العوائق أو الإخفاقات، إنها تفتح قلبها لنعمة المستقبل، التي تأتيها من ربِّها. هذا هو المستقبل الذي نريد أن نَبنِيَه معًا في الرجاء والعمل والغَيْرة متَّكلين على نعمة الله، التي تُجدِّدُنا وتجدِّد كنائسنا. وإننا نضع أنفسنا وكنائسنا لخدمة الملكوت والإنسانيّة، متّكلين على حضور المسيح بيننا، “الذي هو هو، أمس واليوم وللأبد” (عبرانيين 13: 8) (معًا نحو المستقبل، المخطط الراعوي، ص 200

وفي الختام، نوجِّه أنظارنا إلى مريم “والدة الإله “، “التي تطوِّبها جميع الأجيال، لأنّها آمنت” (لوقا 1: 45) (باب الإيمان، 16). هي ابنة هذه الأرض وملكتها، نسألها أن تشفع بنا وأن تكون دائمًا مثالًا لنا لتثبيت نظرِنا وروحنا في مخلِّصِنا وفادينا

لذلك فنحن الذين يحيط بهم هذا الجم الغفير من الشهود, فلنلق عنا كل عبء وما يساورنا من خطيئة ولنخض بثبات ذلك الصراع المعروض علينا، محدقين إلى مبدأ إيماننا ومتممه، يسوع الذي، في سبيل الفرح المعروض عليه، تحمل الصليب مستخفا بالعار، ثم جلس عن يمين عرش الله (عبرانيين 12: 1-2

ونسأل الله العليَّ القدير أن يبارككم، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO