عظة الجمعة العظيمة

عظة الجمعة العظيمة

يسوع المتالم والمصلوب
طريق خلاص الله للانسان

الأب سعد سيروب حنا

لكي ما نفهم الصليب عليننا تتبع خطى يسوع في حياته لنتبين من ناحية موقفه من الالم ومن المتألمين، ومن ناحية أخرى لفهم الطريق الذي أوصله الى الصليب 

من هو يسوع؟
يظهر لنا اختيار يسوع الاساسي في موقف التجارب (متى 4/1-11؛ لوقا 4/ 1-13). حياته هي هبة من الله يقبلها بدون استحواذ أو امتلاك، بل في تسليم كلي لله. ويسير طريق يسوع نحو الله من خلال حياته الانسانية اليومية التي تعرف الجوع والعطش والرغبة في الصداقة والتطلع الى النجاح، والتي تمرّ بتحمل المشقات والصعوبات حتى الازدراء والالم، وفي ذلك كلّه يتكل يسوع اتكالا على الله ويثق به كل الثقة

انه هو الذي الذي كتب عنه اشعيا النبي: “روح الرب علي لانه مسحني لابشر الفقراء وارسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر اليهم وأفرج عن المظلومين وأعلن سنة رضا عند الرب” (لوقا 4/ 18). يسوع ابن يوسف النجار من الناصرة الذي يحقق هذه النبؤة، فبه ومن خلاله يعلن الله أنه قريب من الفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين

حياة يسوع كلها هي أعلان عن قدرة الله على الالم والمرض، على الخطيئة والموت، على كل ما يكبل الانسان جسديا ومعنويا وروحيان على كل ما يهمّش الانشان عن مجتمعه، سواء أكان بسبب مرضه أو خطيئته أو بسبب حالته الاجتماعية والسياسية وغيرها. تتلخص حياة يسوع في مواجهة بلا هوادة مع قوى الشر والالم. يسوع يشفي ويخلص ويخلق من جديد الخليقة وكأنه يعمل ويتصرف مكان الله. من خلال يسوع، حياته، كلامه، وافعاله، يظهر الله على أنه قريب من الانسان، وخاصة الانسان المتالم والمظلوم والخاطئ. كان اليهود ينتظرون مسيحا يخلق المجتمع الجديد الطاهر والخالي من الخطاة، حيث يحيا الجميع كل أحكام الشريعة، فجاء يسوع ليدعو الخطأة الى التوبة ويرجعهم الى المجتمع وينادي بالعدل والرحمة

في وسط الالم والاحتياج والمرض، جاء يسوع ليكشف للانسان أن الله بجانبه، ليحرّره من كل مرض وفقر وخطيئة. فمجد الله هو الانسان الحي. وجاء يسوع ليعلن أعمال الله، ليمجد الله. ومجد الله هو في هبة الحياة للانسان وتجديد هذه الهبة باستمرار. وبالنسبة لنا اليوم، فقد تستمر حياتنا في وسط بعض الالآم، إلا ان الالم فقد قدرته المميتة علينا، اذ اكتشفنا معنى حياتنا في الله ووضعنا ثقتنا ورجاؤنا فيه. ليس الله مصدر الشرّ والالم، بل الانسان وبخطيئته، ولكن الله أتى وعلمنا أن يتحمل كل واحد مسؤوليته، وأول مسؤولية الانسان عن قلبه، عن أعماله، عن مواقفه تجاه الآخرين: إذا اراد انسان أن يواجه الالم والشرّ في العالم، فليبدأ بترتيب قلبه (يوحنا 9). ا

واما الالم الذي يأتي من علاقات الناس بعضها ببعض، يفضح يسوع خطيئة الانسان، وحبه للاستحواذ، ورغبته في السلطة التي تقوده الى نظام فاشل من العلاقات. لذا فهو يدين الخطيئة، الجهل، الغش، الطمعن الهامشية، الاحتلال، واستغلال المناصب. يسوع يدين ظلم الانسان وشرّه ولكنه يبقى يدعو الانسان بمحبة. ولهذا نراه حاضراً مع المتألمين، ايا كان سبب ألمهم، يساعدهم على النهوض والشفاء، لأن الالم مُحطم ومشوّه. يرفض يسوع ان يكون الالم والعبثية الكلمة الاخيرة في حياة الانسان، بل محبة الله

يثير يسوع بأعماله واقواله ومواقفه الاضطراب في نفوس الفريسيين والكتبة، فهو يهز صورة معينة عن الله ويزعزع المجتمع القائم على السلطة الكهنوتية والدينية من خلال الكقوس والشرائع. يرفض الفريسيون والصدقيون أن يقبلوا اعلان الله عن نفسه من خلال شخص يسوع، مفضلين ومتمسكين بصورتهم عن الله، ولذا نرى التآمر على إهلاك يسوع منذ البداية في الانجيل (متى 12/14؛ مر 3/6؛ لو 4/9). ا

اختيار يسوع لله وإعلانه عن محبته ورحمته يجلبان عليه الرفض والعنف، فأصبح على هامش المجتمع الديني الذي يعيش فيه. عانى يسوع من سوء الفهم وسوء النية، وتحمل الرفض والتآمر. ومن خلال احداث حياته يمكننا ان نقول بان طريق حياته سيؤدي الى الموت، لكنه ظل يرجو ويحب، يعطي ويبذل، يجول ويشفي ويغفر ويقيم الموتى. قدّم حياته لبيه واثقاً بأن محبته أقوى من الموت. وهذا هو رهان يسوع: اذا اوصلته محبته للبشر الى الصليب، فمحبة أبيه أقوى من خطيئة الانسان وعنفه وستخرج منتصرة (متى 16/21؛ مر 8/31؛ لو 9/22). وهذا هو معنى عبارة “يقوم بعد ثلاث ايام”، انها تعبير عن ايمان يسوع ورجائه وثقته بابيه 

لذا لا يعطي يسوع جوابا عن اسئلة الفريسيين والكتبة عن السلطان الذي يخوله أعماله وافعاله واقواله (متى21/23؛ مر 11/28؛ لو 20/2)، لانه يريد ان يكون الصليب هو الجواب. انه فعل العطاء الحرّ والمجاني والكامل لفهم حياته ومعناها. في طريق الالام الذي يسير فيه يسوع، لا نجد اطلاقا أي بحث عن الالام، أو دفاعا عنها، أو تواطؤا معها، تبريرا لها. فيسوع تعرض للألم ولم يجلبه أو يطلبه. في بستان الزيتون نسمعه يطلب من ابيه أن يبعد عنه الكاس: كأس الالم والموت، وبكل حرية محبة يقبل أن يقدم ذاته لأبيه وللبشر. طريق يسوع نحو ابيه هو طريق ابن البشر، طريق كل انسان، وهذا الطريق يمرّ بالالم والموت. واراد يسوع بمحبته أن يذهب مع الانسان الى نهاية الطريق، ليعلن أن محبة الله اقوى وأقدر من كل خطيئة وعنف، ومن كل الم وموت

على الصليب تظهر المحبة التي تربط يسوع بأبيه في الروح، وهذا ما يخلص العالم: يسلم يسوع حياته، مصيره ومستقبله بين يدي الآب، والآب يُسلم نفسه في شخص الابن، فكلمته هي هذا الجسد الممزق المصلوب. الابن يسلم الروح للآب، والآب يهب الروح للابن ويقيمه من بين الاموات ليحيا الى الابد. هذا الروح هو روح البنوة الحقيقية التي تخلق الكنيسة (متى 27/50؛ مر 15/37؛ لو 23/46؛ يو 19/30). ا

هو الروح الذي يهب لكل انسان القدرة على اتخاذ الطريق الذي اختاره يسوع: طريق الايمان الجذري والرجاء الكامل والمبحة الملتهبة للآب وللبشر. وهذا هو مايخلص العالم. فليست الالام هي التي تخلص بحد ذاتها، بل المحبة والايمان والرجاء التي عاش بها يسوع هذه الخبرة المؤلمة. ينزع الالم الايمان والرجاء والمحبة من قلب الانسان، وظل يسوع، بالرغم من الالم، مؤمنا وراجيا ومحبا بفضل الروح. وعندما نقول بان يسوع خلصنا بألامه، فنحن نريد أن نقول إن يسوع خلصنا بالمحبة التي أظهرها في وسط ىلامه المشوهة والمدمرة. نريد ان نقول بانه غلب قوى الالم والموت بايمانه ومبمحبته لابيه وللبشر؛ نريد أن نقول إن العبث واللامعنى لم يغلبا يسوع؛ نريد أن نقول ان الحياة ظهرت في وسط الفناء الذي يحمله الالم، نريد أن نقول إن روح الله، روح الحياة، أقوى وأكبر من الموت والالم اللذين تجلبهما خطيئة الانسان وعنفه وكذبه، فأين يا موت نصرك؟ وأين يا موت شوكتك؟.. فالشكر لله الذي أتانا النصر عن يد ربنا يسوع المسيح (1 كور 15/55، 57). ونحن، عندما نقول، يا يسوع، أقدم لك آلامي، نريد أن نقول: يا يسوع، إني أحبك واثق بك، وأحب أخوتي، بالرغم من آلامي التي تريد ان تغلق قلبي وتخلع عني كل امل وكل رجاء وكل محبة

العبد المتألم
ان صورة العبد المتألم بسبب خطيئة الانسان وشرّه تصبح نوراً يكتشف الانسان فردا وجماعة خطيئته وكذبه وشرّه. فمن خلال النور الذي يخرج من جسد يسوع الممزق يفيق الانسان من كبه وعماه: “مع أنه لم يصنع عنفاً ولم يوجد في فمه غش… بسبب عناء نفسه يرى النور ويشبع بعلمه، يبرر عبدي الكثيرين وهو يحتمل آثامهم” 0(اشعيا 53/9، 11). ا

انتصار العبد وتوفيقه هما في اعتراف الانسان بحرية أمام العبد المتالم والصامت: أحبني حتى أنه قبل هذا التشويه والتحقير من أجلي أنا الخاطئ. فالعبد يهب نفسه واثقاً من أن الالام المشوهة لن تكون لها الكلمة الأخيرة في حياتهن بل النور الذي يجعله الله له. والعبد يهب نفسه واثقا من قدرة مَن ينظرون إليه، البشر الخطأة، على الخروج من كذبهم واعترافهم بمحبتته الفياضة والفائقة لهم. لذا لا نطق العبد بكلمة، لكنه ينتظر برجاءوثقة اعتراف الجماعة المؤمنة. انتصار العبد يكمن في انتقال الانسان من الكذب والخطيئة الى الحق والنعمة

انتصار العبد في دخول كل انسان الى حياة الحق والعدل والمحبة.العبد المتالم لا يتكلم ولا نطق، ولكن حياته صارت كلها كلمة ومحبة ورجاء، صارت حياته كلها مصالحة وشفاء. ومن يعلن انتصار العبد الصامت؟ اولئك الذين تحرروا من خطيئتهم، من كذبهم وظلمتهم، يعلنون محبة الله لها الكلمة الاخيرة في حياة الانسان

من جسد المصلوب خرجت الحياة
في جسد هذا الانسان المعلّق على الصليب تخرج انهار ماء الحياة لكل من يؤمن ويعرف كيف يقرا رسالة الله فيه. ففي المسيح يجد كلّ انسان طريقه الى النور والحياة، لأن في جسده أبطل الضغينة وغلب الموت: فالمسيح هو سلامنا… خلق انساناً جديداً وصالح بين الانسان وصليبه (افسس 2/ 14-18).ا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO