خميس الفصح

خميس الفصح

عطاء الحياة بحرية وبالحب

الأب سعد سيروب حنا

مع غروب شمس خميس الفصح تبدأ الثلاثية الفصحية المتكونة من “الايام المقدسة” الثلاث التي تختلف عن بقية الايام الاخرى، بما تحمله من دعوة الى التامل والاحتفال وعيش السرّ الاساسي من الايمان المسيحي: يسوع يدخل في الالام، يموت ويدفن وفي اليوم الثالث يقيمه الآب بقوة الحياة الذي هو الروح القدس. ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه علينا في هذه الايام هو اذا كان هذا الموت هو فعلا عبثيا ام قدرا مشؤوما مكتوبا على يسوع المسيح؟ لماذا عانى يسوع كل هذه الالام والعذابات والموت العنيف؟ لماذا يجب على الانسان البرىء ان يتألم او يعاني الموت بينما نرى الظالم يقف ويتمتع بكل مباهج الحياة؟ هذه هي الاسئلة التي يجب على كل من يريد ان يعيش حقيقة الفصح بصورة عميقة ان يجيب عليها. الانجيل هو شهادة موجهة الى زمننا هذا يريد ان يربط الاحداث الفصحية التي حدثت في ذلك الوقت باحداث حياتنا اليوم (وخصوصا في العراق). ا

أراد يسوع ان يعرّف تلاميذه بان ما سيحدث له ليس نتيجة عبثية او قدر محتوم فكشف لهم هذا من خلال تنبؤاته الصغيرة واعماله الرمزية عن الذي سيحدث له وعن المعنى الذي تمثله هذه الاحداث. لقد قبل يسوع الموت بكل حرية: فقد كان من الممكن له ان يهرب او يتنازل او يتخلى عن ما قاله او يتراجع عما فعله، ولو فعل هذا لما بقى مسكنا للعدل والرحمة ولما استطاع التضامن مع الصالحين الذين لطالما عانوا من الرفض والاضطهاد، ولما كان بوسعه التضامن مع ضحايا وحملان التاريخ. لذا كان ولابد له ان يقبل الحكم القاسي والموت. لقد قبل يسوع الموت بكل حرية ليكمل ارادة الآب: ليس بالمعنى ان الله الآب اراد موت الابن، ولكن بالمعنى ان ارادة الآب ارادة للابن ان يبقى ثابتا في العدل والرحمة والمحبة والتضامن مع جميع البشر وخصوصا الصغير منهم

لذا فان حرية يسوع هي حرية مشبعة بالحب: حب الآب، حب الحقيقة والعدالة، وحبنا نحن البشر. ولكي ما يكشف يسوع لنا من ان تسليمه جاء كفعل حرّ ومدفوعا بالمحبة وبدون جبر قدر او ظروف خارجية، نراه يتنبأ من خلال علامات بجميع ما سيحدث له. ففي ليلة العشاء الاخير وهو مع تلاميذه نسمعه يلفظ على الخير والخمر الكلمات التالية: هذا الخبز هو جسدي المكسور وهذه الكاس هو دمي المهراق من اجل الجميع. الافخارستيا هي الاحتفال بموت المسيح من اجلنا وهي سرّ غفران الخطايا، الذي يجب على المسيحيين ان يحتفلوا به لكي ما يتذكروا يسوع ولكي يصبحوا نوعا ما جزءا من سرّ عطاء الذات من اجل الآخرين: “أصنعوا هذا لذكري”. فالاحتفال بالافخارستيا، في الزمن الواقع بين “موت – قيامة” يسوع ومجيئه الآواخري، يصير ذلك الفعل الذي من خلاله يعلن المسيحي انتماءه للمسيح كتلميذ له ومن خلاله يشارك في حياة المسيح نفسها ويعترف بان انه “الرب” الحاضر معهم الى انقضاء الدهر

فخميس الفصح هو احتفال بالام المسيح وبخروجه من هذا العالم الى الآب. اضافة الى هذه الذكرى، تذكر الكنيسة ايضاً بحدث آخر وهو غسل يسوع لأرجل التلاميذ. يذكر الانجيل الرابع “العشاء الاخير ليسوع مع تلاميذه”، وهو العشاء الذي يكشف عن خيانة أحد التلاميذ ونكران بطرس وهرب بقية التلاميذ، هذا العشاء المعاش على صوء الفصح في اورشليم. ولكن بدلاً من يروي لنا علامة الخبز والخمر، يشدد يوحنا على علامة أخرى وهي علامة غسل أرجل التلاميذ. فما هو سبب هذا الفعل وهذه العلامة؟ فالانجيلي الرابع يعرف جيدا تقليد العشاء الافخارستي، فالكنيسة منذ عقود وهي تحتفل بهذا السرّ، فما معنى هذه العلامة الثانية؟ قد يكون يوحنا في نهاية القرن الاول الميلادي قد شعر بالحاجة الى تذكير الجماعة الاولى بان الاحتفال الافخارستيا ليس طقسا منفصلا عن فع محبة وخدمة الاخرين، ففي نهاية الامر هذه هي الغاية الاولى والاخيرة في حياة المسيحي: ان يبذل نفسه من اجل أخوته. فالانجيلي يوحنا يريد ان يحول من الافخارستيا رسالة آنية مذكّرا بجوهرها كخدمة متبادلة، وكعطاء للحياة من أجل الآخرين الى المنتهى، وبالخطر الكبير الذي يمكن ان يحدق بنا فيتحول الاحتفال الافخارستي الى ممارسة طقسية عالمية. يمكننا ان نقول أذن بان غاية يوحنا هو قراءة وعيش سرّ الذبيحة على انها سرّ محبة الأخوة. فالاحتفال بالافخارستيا كالخبز المكسور والخمر المبذول يجد هو دعوة يويمية الى خدمة الآخر والى عطاء الذات من اجل الاخرين بحركة خدمة تحول وجودنا البشري الى وجود من اجل الاخر وبالتالي الى وجود ذي معنى. فلكي ما نشترك بالسرّ الفصحي علينا ان نعيش وجهي الحقيقة معاً. ان القراءة البطيئة للحدث تريد ان تترك كلمات يسوع تؤثر في كل من يقرأها: “فقام عن العشاء، وخلع ثوبه وأخذ منشفة وأتزر بها، وصب ماء في مغسلة وبدأ يغسل أرجل التلاميذ” (يوحنا 13/ 4-5). الافعال الواردة في النص تجعل من الحدث حدثا ديناميكيا. فهو علامة على وعي يسوع التام: يسوع الرب (كيريوس) يغسل ارجل التلاميذ. حركة تبدو من الخارج غير طبيعية ومفارقة إذ تقلب الادوار، فعل عثرةن كما يمكننا ان نلاحظ موقف بطرس! مع ذلك، هذه هي الطريقة التي يبشر بها يسوع بالله ويجعل منه “بشرى سارة” (أونكاليون) موجهّة الينا اليوم

فعلان مختلفان، سرّان صغيران، علامتان تشيران الى حقيقة واحدة، وهي حقيقة يسوع الذي يهب ذاته من أجل الاخرين. بحرية وبمحبة ويطيع الى الموت. ولهذا يقول الانجيلي ان الوصية تتكرّر كما في الافخارستيا كذلك في غسل ارجل التلاميذ: “كما غسلت أنا ارجلكم، اغسلوا ارجل بعضكم البعض” (يوحنا 13/ 13). فاذا كانت الكنيسة تريد ان ان تكون كنيسة الرب، عليها ان تطيع هذه الوصية: ان تكسر الخبز، وتعطي الخمر، وتغسل ارجل التلاميذ في جماعة المؤمنين وفي تاريخ البشر

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO