عيد تقدمة يسوع إلى الهيكل

عيد تقدمة يسوع إلى الهيكل (لوقا 2: 22-38)ا

“عيد شمعـون الشيخ”

في أنجيل لـوقا الأصحاح الثاني نقرأ “لما حان يوم طهورهما…” (لوقا 2: 22)، هو في العادة اليوم الأربعين بعد الولادة .. لذلك كان يجب أن نحتفل بهذا العيد في الثاني من شباط حسبما كان يحتفل قديماًً .. أي بعد ( 40 ) يوم بالتحديد من الولادة. لكن مع بداية العام الجديد وضعت الكنيسة هذه المناسبة وكأني بها تريد أن نقدّم ذواتنا للرب مع بداية العام الجديد.

يذكر الأنجيلي لوقا الشريعة ثلاث مرات في قصة تقدمة يسوع للهيكل بثلاثة آيات ويذكرها في المرة الرابعة في قصة حنة النبية .. لا بل يجعلها أبنة العهد القديم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني. ولوقا كونه أنجيلي الروح القدس كما يطلق عليه البعض. يجعل الروح القدس يعمل منذ البداية في حياة يسـوع فنراه يقول لنا أن الروح القدس هو الذي ظلل العذراء، وحرّك جنين أليصابات، وهو الذي دفع بسمعان لينشد ويبارك الله. والغريب أن لــوقا يضع في فم سمعان كلمات هي من صلب كتابات العهد القديم .. بل أكثر من ذلك كأنها مواصلة لأقوال أشعياء النبي. ونستطيع أن نلاحظها بسهولة عندما نقرأ الكتاب المقدس.  أما حنة النبية المنسية في وقتها وفي وقتنا. فقد كانت من سبط آشير الذي صار مع الأيام آخر الأسباط فنسيناها .. لكن لوقا وكما يعرف في كل أنجيليه بأنه أنجيل الفقراء والناس المهمّشين لا ينسى حنه النبية بل يجعلها مع سمعان كشاهدة هي الآخرى على تحقيق الخلاص وأفتداء أسرائيل “بشهادة شاهدين أو ثلاثة شهود تثبت الشهادة” (تث 19: 15).

يتكلم لوقا عن التطهير في الطقس اليهودي بخصوص شريعة الولادة: ينظر الأول إلى الأم “مريم” وبالذات إلى التطهر حيث يذكر الإنجيلي ما ذكر في سفر اللاويين الفصل 12 بخصوص الأم بعد أربعين يوماً من ولادة طفلها، فإذا كانت العائلة فقيرة كما هو حال عائلة الناصرة أن تأخذ يمامتين أو فرخي حمام عوض الخروف. وينظر الطقس الثاني إلى يسوع الذي يجب أن يقدّم كتقدمة للرب كما هو مكتوب في سفر الخروج: “19 كُلُّ فاتِحِ رَحِمٍ فهُو لي: كُلُّ بِكْرٍ ذَكَرٍ مِنَ البَقَرِ والغَنَم. 20 وبِكْرُ الحَميرِ فاَفدِه بِشاة، وإِن لَم تَفدِه فتَكسِرُ قَفا عُنُقِه، وكُلُّ بِكْرٍ مِن بَنيكَ فاَفدِه، ولا تَحضُروا أَمامي فارِغين” (راجع خر34: 19-20).

يقدم الإنجيلي لوقا عمل مار يوسف ومريم العذراء في حمل الطفل إلى أورشليم كي يقدماه للرب، لا يقدمان فدية، لكن يكملا التقدمة لله كما فعلا والدا صموئيل (راجع 1صموئيل1: 25-28). بالتالي عمل يوسف ومريم هذا يذكران المعنى الأصلي لشريعة البكر. لكنهما لا يتركا يسوع في الهيكل، بل سيكون في وسط الجماعة. فيما بعد سيتوضّح كل معاني صعودهما إلى هيكل أورشليم ومعنى جواب يسوع فيما بعد وعمره 12 سنة : “آلا تعلمان أن عليَّ أن في بيت أبي” (لوقا 2: 49).

لكن ما هي رسالة هذا العيد لنا؟

عادة نحتفل به بعيد رأس السنة، والغريب أن أبطال هذا العيد يمثلان بداية ونهاية، طفل ولد قبل أيام وشيخان ينتظران الموت بهدوء وسكينة.. وهنا بيت القصيدة.

فكثير منا ميت وهو حي .. لأن قلبه قد شاخ قبل أوانه، كونه لم يملئ حياته الى الآن من الروح القدس .. لا بل أستطيع القول أنه لم يجد الى الآن ما يملئ به حياته… فبقيّّ على سطح الحياة ماشياً دون التعمق في أحداثها، ولم يتفاعل مع آلالامها وأفراحها. ليست عبرة الحياة بطولها أو قصرها بل العبرة بعمقها ومعانيها. واليوم ونحن مع بداية عام 2012 هو عام جديد يضاف الى أعوامنا السابقة فهل سيكون كالباقين..؟ أنه سؤال موجه الى كل واحد منا ويطلب جواباً؟ أتمنى أن لا يكون جوابنا فوق واقعنا (خيالي) ولا يمس الواقع بشيء! فلابد لكل واحد منا أن يضع أسمه في هذا التأريخ، فبين لحظة الميلاد ولحظة الموت هناك طريق طويل ومسيرة طويلة لا بد للإنسان أن يختبرها.

يقول لوقا ؛ وكان الروح القدس قد أوحى إليه أنه لا يرى الموت قبل أن يعاين مسيح الرب .. أنه أعتراف ضمني بأن هذه الحياة هي هبة من الله.  فكل لحظة من لحظاتها هي معدودة ومدروسة ولا يمكن أن تعوض، فالماضي لا يقبل الإعادة والحياة لا تتحمل التأخير، لذلك لا أحد يدرك قيمة حياته ما لم يدرك اللحظة التي يعيشها بأنها هبة من الله ولا بد أن يشكر هبته هذه ويسبّحه.

هكذا نرى أن إنجيل عيد شمعون الشيخ أو “عيد تقدمة يسوع إلى الهيكل” ليس بعيداً عن حياتنا، لا بل أنه صورة من صورها؛ ومعناه يتجلى عندما نعيشه حسب ما يتطلب عصرنا بكل صعوباته ومشاكله وأفراحه. ولتكن هذه الأيام القادمة أيام أنسانية حقاً وتكون كذلك أن باركنا كل لحظة فيها، ونباركها عندما نحياها بحق. فلا نتصنع الفرح، بل نفرح معه ونفرح حقاً ولا نلبس الحزن واليأس بل لتنطلق من قلوبنا المحبة كي نطبع الرجاء في نفوس أخوتنا.

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO