مشروع الله الخلاصي

مشروع الله الخلاصي

الجزء الأول

الشماس الدكتور وليد القس أسطيفان

بأسم الآب والأبن والروح القدس الآله الواحد أمين

حياة يسوع

هناك العديد من الكتب تتحدث عن حياة يسوع, الرب المخلص، الذي تجسد ليعطينا بشارته السماوية، ويخلصنا من خطايانا، ويجعلنا أخوة له وأبناءً للأب السماوي. وبالطبع الكتاب المقدس هو من أهم وأشهر هذه الكتب، بجميع أسفاره من العهدين القديم والجديد.

الكتاب المقدس ليس كتاب تاريخ أو جغرافية، ولم يركز على هذين الجانبين بشكل خاص كموضوع أساسي، بل تطرق للأحداث التاريخية وجغرافيتها، ليقرب لنا الصورة لتلك الفترة الزمنية، لندرك الجوهر، وهو البشارة السماوية والتعليم الرباني، لذلك نرى الرسل في العهد الجديد، يتكلمون عن حياة يسوع، لكن ليس لغرض التوثيق التاريخي.

سوف نحاول الكتابة عن حياة يسوع المسيح له كل المجد، بعد قراءة الإنجيل المقدس، والاطلاع على العديد من الكتب التي تركز على الأحداث التاريخية لتلك الفترة، التي عاشها الرب المسيح على الأرض، ونقرب الصورة الى أذهاننا عن طبيعة المجتمع، وطبيعة الحياة الاجتماعية، والسياسية لتلك الفترة الزمنية.

كلمة الله

لابد ان نبدأ بالفصل الأول من أنجيل يوحنا.

” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله “.(يوحنا 1: 1)

أنه من البديهي عندما نتكلم عن أي شخص، أن نبدأ حين تمت ولادته من أمه، ولكن عندما نتكلم عن حياة الرب يسوع المسيح، يجب أن نرجع بأفكارنا إلى أبعد نقطة في التاريخ، إلى عالم الأزل الذي أتى منه المسيح، قبل أن يُخلق العالم، وهذا ما نقره في قانون الأيمان عندما نقول، نُؤمن بالرب يسوع المسيح المولود من ألآب قبل كل الدهور. عالم الأزليات الذي يصدر منه عالمنا هذا. عالم الله والملائكة الذي لا نستطيع ان نشاهده لكننا نؤمن بأنه يحيط بنا منذ الأزل، وقد جاء ألينا من هبط منه وأخبرنا عنه وهو الرب يسوع المسيح. هذا العالم المتناهي في القداسة، والعطف والاهتمام بالبشر جميعا، حيث يكون فرح عظيم عندما يتوب خاطئ واحد على الأرض. العالم الذي تجلى منه موسى وإيليا كما يقول لنا الإنجيل ليلتقيا بربهما ويتحدثا أليه ليس عن شؤون الأرض ومشاكلها، بل عن موته على الصليب وقيامته المجيدة الذي كان الموعد المرتقب لخلاص الجنس البشري. هذا هو اهتمام العالم الأزلي بالبشر. فإذا مجيء المسيح له المجد لم يكن حادثا طارئا، بل كان قصد الله الأزلي أن يُخلص البشر بواسطة موت وقيامة المسيح. لقد أدرك ذلك الرسول يوحنا بعد حلول الروح القدس عليه مع جميع التلاميذ في يوم العنصرة، بأن المسيح الأزلي يعنيه هذا العالم ولأجيال طويلة قبل تجسده وولادته من القديسة مريم العذراء في بيت لحم اليهودية. في ذلك الماضي البعيد كان المسيح موجود ولم يكن أحد يفكر فيه ” هو كان في البدء عند الله, به تكون كل شيء، وبغيره لم يتكون أي شيء مما تكون، فيه كانت الحياة، والحياة هذه كانت نور الناس “.” كان في العالم، وبه تكون العالم، ولم يعرفه العالم”. (انجيل يوحنا 1: 2-4 و 10 ).

ويكمل الرسول يوحنا ويقول ” والكلمة صار جسداً، وحل بيننا ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من ألآب”. (يوحنا 1: 14 ). وفي العهد القديم، كان الله يهئ لهذا الحدث العظيم. فأختار رجل كان عادلاً وصادقاً بين قومه، أسمه أبرام، وأمره بأن يرحل عن قومه، وينفصل عنهم الى حيث لا يدري، ليعزله عن قوم يعبد الأوثان، وليمهد لشعب يعبد الآله الواحد، وأبتدأ ذلك بأن غير أسمه من أبرام الى أبراهام، ووعده بأن يرسل المخلص من نسله،  وبذلك أختار الله شعبا يروضه ويدربه ليقبل ويتهيأ للحدث الجليل. وتوالت أصوات الأنبياء الممتلئة أرادة الله الصالحة، تعلن عن وعد بالمخلص (المسيا ) وتشير اليه بتسميات عديدة، مثل أبن داؤد، أبن الانسان، أبن الله، عبد الرب، العجيب، المشير، أمير السلام الذي ليس لملكه نهاية، حمل الله الحامل خطايا العالم.

كان شعب أسرائيل على مدى التاريخ يترنح بين تقربه من الرب الذي كان يعبده والأبتعاد عنه، وكان الرب يرسل أنبياءه ليذكرهم بأنه هو الآله الحق وأن يرجعوا أليه. وبوعده لأبائهم بأن يرسل لهم المخلص. وهم كانوا ينتظرون ويترقبون مجيء المسيا الذي سوف ينصرهم على أعدائهم، لكن الله كان يعمل بصمت الى أن يحين الوقت، فقد كان لابد من أن تقوم ممالك اليهود، ويحدث السبي ويتشتت شعب أسرائيل في شتى أنحاء الأرض، وأن يأخذوا معهم دين الآباء، دين التوحيد والترقب والرجاء بمجيء المسيا الذي يخلص شعبه. هذه كلها أصبحت الأرض الخصبة لقبول المسيحية عند أنتشارها فيما بعد.

لم يكن الشعب اليهودي وحده يتهيأ، بل كانت جميع شعوب الأرض تتهيأ لهذا الحدث العظيم، (مجيء يسوع المسيح له المجد). لان منظقة الشام والمناظق المجاورة لها، قبل مجيء المسيح بقرن واحد، كانت ممزقة الى دويلات عديدة، لا يجمعهم سوى الحروب التي كانت تجعل الأنتقال بينها دون مخاطر امراً مستحيلاً، ولكن قيام الأمبراطورية الرومانية، وبسط نفوذها على المنطقة قبل مجيء المسيح، وما قامت به من فتح للطرقات، وألغاء الحدود على مناطق شاسعة، أسهم في أنتشار البشارة السماوية بسهولة أكثر، ونرى ذلك جلياً من سفرات الرسول بولص.

اللغة الموحدة والمتداولة من قبل السلطة الرسمية، أسهمت أيضا وبشكل أساسي في فهم وأنتشار بشارة المسيح بين الأمم. واللغات الثلاثة الأكثر شيوعاً كانت، اللغة الآرامية في مناطق الشرق الأوسط حاليا، وكانت لغة الثقافة والعلوم، واليونانية (اللاتينية) في أوروبا حالياً، وكانت اللغة الرسمية للأمبراطورية الرومانية ولغة الفلسفة، واللغة العبرية للشعب اليهودي، التي هي لغة الأنبياء والعهد القديم. لهذا كتب على صليب المسيح “هذا هو ملك اليهود” بهذه اللغات. أليس أنتشار هذه اللغات وتطورها، تدبير رباني لكي تتهيأ هذه الشعوب لقبول رسالة المسيح الآلهية.

أذاً فقد كان العالم كله يتحضر للحدث العظيم، وهو حضور الله بالجسد ” وفي ملء الزمن أرسل الله أبنه “. وكان قد طال أنتظار الشعب اليهودي لمجيء المسيا، ونلاحظ ذلك عندما ظهر يوحنا المعمذان يعمذ الشعب في البرية، تسارع الكثيرون أليه ليسالوه السؤال المهم جداً ” قل لنا هل أنت المسيا؟ هل أنت المنتظر؟ “. وكان لكل فئة تصورها الخاص عن المسيا، فلم يكن الشعب اليهودي كله على رأي واحد، كما سنرى لاحقا عندما يبدأ المسيح رسالته التبشيرية.

ملء الزمن

في ملء الزمن، وفي أحدى البلدات الصغيرة بين جبال منطقة الجليل، كان يعيش رجل تقي أسمه يوسف، يعمل نجاراً، يستعد بكل قواه ومشاعره لبناء أسرة جديدة. قد خطب فتاة من أقاربه. مريم بنت حنة ويوياقيم. فتاة أتسمت بالجلال والوداعة والرقة، ذات وجه جميل، يتناسب مع جمال نفسها وأخلاقها، تعمل في بيت والديها في أعداد الطعام، وجلب الماء من البئر، والغزل، والى ما ذلك من أعمال البيت، ومع ذلك لا تكف عن الصوم والصلاة، محبوبة من أقاربها وصديقاتها، تساعد كل ذو حاجة، وقلبها مفعم بالأيمان. فتاة بسيطة رغم كونها تنحدر من سلالة الملوك. وفي أحد الأيام عندما كانت هذه الفتاة تصلي بخشوع، ظهر لها ملاك الرب، خافت جداً فقال لها الملاك ” لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين أبناً تدعين أسمه يسوع. هذا يكون عظيماً وأبن العلي يدعى . وليس لملكه نهاية. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك القدوس المولود منك يدعى أبن الله “. لم تتوقع في البداية كيف يمكن أن يحدث ذلك لها، لأنه من الطبيعي أنه لا يمكن لفتاة عذراء أن تحبل دو أن تعرف رجل. لكن سرعان ما أدركت بقوة أيمانها، بأن هذه هي أرادة الله، وأنه قادر على كل شيء، وأن كان مستحيلاً على الطبيعة. ولأيمانها الشديد أيضا، وضعت نفسها كاملة تحت أرادة الله، ليتمم مشروعه الخلاصي لبني جنسها البشر حين قالت ” ها أنا أمة الرب ليكن لي حسب قولك “. لقد أُودِعَتْ هذه الفتاة سر رهيب، فوق طاقة أدراك البشر. قبلته بفرح، رغم علمها بأنها سوف تواجه تحديات كبيرة وخطيرة جداً، حينما يُكتشف بأنها حبلى قبل أن تتزوج، خاصة من خطيبها، رغم معرفتها به بأنه رجل بار، أي رجل طيب ومتسامح، ولكن ليس في أمور خطيرة مثل هذه. لكن ثقتها العالية وتوكلها على الرب، جعلها أن لا تشك، وتقبل تلك التحديات بفرح. أليس هذا درس لنا، عندما تساورنا الشكوك، ولا نضع ثقتنا كاملة بالرب، أن نتعلم من أمنا العذراء أن نثق بأرادة الله، ونتوكل عليه في كل مصاعبنا. وقد يسأل البعض لماذا نُطوب القديسة مريم العذراء، ولماذا نطلب شفاعتها ؟.

لأنها ليست أمراة عادية كما يدعي البعض، لقد أصطفاها الله من بين جميع نساء العالم، حبلى بها بلا دنس، وكما يقول لها الملاك ” لقد وجدت نعمة عند الله “. أي أنها أشتركت في خطة الله لخلاص البشر، وكانت من العناصر المهمة في مشروع الله الخلاصي. لم تابه الى المخاطر والصعوبات، التي قد تواجهها في قبولها لهذا الدور الخطير. خاصة وأنه حسب الناموس، يمكن أن تواجه عقوبة الرجم حتى الموت. قبلت كل هذا بفرح، وشكرت الله على النعمة والمسئولية الكبيرة التي كلفها بها. ولنقرأ ما قالته مريم العذراء حسب أنجيل لوقا ” تعظم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلصي. فأنه نظر الى تواضع أمته، وها أن جميع الأجيال سوف تطوبني من الآن فصاعداً. فأن القدير قد فعل بي أموراً عظيمة, قدوس أسمه”. ( أنجيل لوقا 1 : 46 – 50 ).

لم تكن مريم العذراء وحدها التي أودعها الله سراً، بل كانت قريبتها أليصابات التي كانت تدعى عاقر، وزوجها المتقدم في السن، الكاهن زكريا، قد أُودعا سراً أخر. كما أخبرها الملاك بأن قريبتها حبلى بأرادة الله، رغم أنها عاقر ومتقدمة في السن. أليس من الطبيعي، أن تلجأ القديسة مريم العذراء الى بوح سرها الى القديسة أليصابات، لأنها أولاً أمراة مثلها، وثانياً قريبتها، وثالثاً قد أشتركت هي أيضا في التحضير لمشروع الله الخلاصي. لأن يوحنا المعمذان، أرسل من قبل الله ليعد طريق الرب بروح ايليا.

فذهبت مريم العذراء الى عند قريبتها أليصابات. وشعرت أليصابات بأهمية هذه الزيارة. عندما ألقت عليها مريم العذراء السلام، أمتلئت من الروح القدس، وبدأت تتنبأ، وعلمت حالاً بأن مريم العذراء، تحمل في أحشاءها الطفل الآلهي العظيم، قبل أن يعلم أي أنسان أخر، وعلمت بأن الله قد أبتدأ قصده الأزلي. وقالت بصوت عال, ” مباركة أنت بين النساء، ومباركة ثمرة بطنك، فمن أين لي هذا أن تأتي ألي أم ربي “. ( أنجيل لوقا 1 : 42 – 44 ) . مكثت مريم العذراء عند أليصابات مدة ثلاثة أشهر، ولا نعلم ما هو الحديث الذي دار بينهما طوال هذه الفترة. لكن يمكننا أن نخمن، بأنهما تبادلتا الحديث عن قصتهما بكل تفاصيلها، وعن أرادة الله في أختيارهما لتشتركا في خطته. وعضدت أحداهما الآخرى، وأشتركتا في الصوم والصلاة.

وبعد أن أنقضت الثلاثة أشهر، عادت مريم العذراء الى بيتها. لم تعد للبيت كما كانت قبل البشارة، فتاة بسيطة، كل أهتمامها، مساعدة والديها والأخرين، والدوام على الصوم والصلاة. في هذه الأشهر الثلاثة، أرتقت أفكارها الروحية . وأصبحت أكثر أرتباطا بالسر الذي تحمله، ونضجت لتتحمل المسؤلية العظيمة التي أسندت أليها. باتت تفكر مليا بالفرح القادم الممزوج بالخوف، فها قد بدأت علامات الحبل تبدو عليها واضحة، ويجب أن تواجه خطيبها بالأمر. وفعلاً تيقن خطيبها بأنها حبلى، وفكر فيما عساه أن يفعل، هل يشتكيها لوالديها، هل يشتكيها الى الكهنة، وتحاكم حسب الناموس، أم هل يعفو عنها، أنه متأكد بأنها فتاة على درجة عالية من الخلق، وأبنة لأناس طيبون، ولكن ما هو الحل الأمثل في هذه الحالة. أنه رجل بار كما يقول الكتاب المقدس، ولهذا أختاره الله لهذه المهمة العظيمة. فقراره يأتي منسجم مع أخلاقه العالية، بأن يخليها سراً، ولا يفضحها. فيا لهذه الأيام العصيبة، التي تمر بها هذه الفتاة القديسة وخطيبها، الرجل التقي، أفليس فخر لنا أن نطوبهما، وأن نطلب شفاعتهما.  ولكن الله لن يتركهما أن يمرا بهذه المواجهة وحدهما، فها هو يرسل رسالة الى هذا الرجل المعذب في الليل وهو نائم، ويكشف له عن السر العظيم، سر التجسد. فعندما أستيقظ، أخذ مريم العذراء زوجته الى بيته. ويا للفرق بين الأمس واليوم. فهو الآن متيقن من أن زوجته أطهر وأسمى مما كان يفكر بالأمس. وفرحته لا حدود لها بهذه الأمانة الثمينة، التي سُلمت له ليرعاها برقة وحنان. وبهذا السر الآلهي، الذي يجب عليه أن يبقيه طي الكتمان طول حياته، وأن يظهر للناس بأنه أب لهذا الطفل الآله. يا لعظمة هذا القديس. مرت بعض الشهور على هذه العائلة المقدسة، وهم يتحضرون لقدوم المخلص في بيتهم المتواضع، ولكن قرار القيصر أقلق سكينتهم. ” لأنه صدر آمر من أغسطس قيصر، بأن يكتتب كل المسكونة, فصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية، الى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، لكونه من بيت داود وعشيرته، ليكتتب مع مريم أمرأته المخطوبة وهي حبلى “.

أذاً السفر الى بيت لحم أصبح لا مفر منه، ولابد من التحضير بقدر المستطاع لهذه السفرة، رغم عناء الطريق، على فتاة حبلى في شهرها التاسع. وبعد عناء السفر الطويل، من الناصرة في منطقة الجليل، الى بيت لحم في منطقة اليهودية، وبواسطة نقل بسيطة جدا، وهي الدابة. يمكننا أن نتخيل مدى التعب والأرهاق، الذي كانا عليه مريم العذراء والقديس يوسف، حينما وصلا الى بيت لحم. وما أحوجهما الى الراحة في أي بيت دافئ، أو حتى غرفة صغيرة في خان متواضع. ولكن كثرة الوافدين ليكتتبوا في هذه البلدة أكثر من أستيعابها. فدعنا نتخيل هذا المشهد المحزن، القديس يوسف يجر الدابة التي تمتطيها مريم خطيبتة، وهما مرهقان من تعب السفر، يدق على الابوب المغلقة بسبب شدة البرد، فمنهم من يفتح له الباب، ويعتذر عن عدم أمكانه أستقبالهم في بيته، ومنهم من يرد عليه من وراء الباب الموصدة بأِحكام، ويعتذر عن أيوائهما ولو لليلة واحدة، ومنهم من لا يتعب نفسه بالرد على الطارق. ها هو ملك الملوك وخالق السماء والأرض وكل ما تحتويها، لا يجد بيت يستقبله ليولد فيه. فهل نلوم سكان هذه البلدة على هذا التقصير تجاه خالقهم، أم أنها أرادة الله. ألم يكن بأستطاعة الله أن يشق السماء، ويهبط المسيح من بين السحب الى أحد القصور، فيرى سكان الأرض من هو القادم من العالم الأزلي، ويخضعون له ولقوته الآلهية ؟. ولكن أرادة الله هي أن يأتي المسيح الى العالم الأرضي، بهذه الطريقة البسيطة و المتواضعة، دون أن يثير أي أنتباه، لأن هذه هي طريقته دائما. فلو نظرنا من حولنا، وتأملنا الطبيعة، فسنجد أحداثا عجيبة، وعظيمة تحصل كل دقيقة، لكن دون أن تثير الآنتباه اليها. مثل نمو النباتات وتكاثرها، حركة الأرض و الكواكب، والتغيرات المناخية على مدار السنة، لتتلائم مع أحتياجات الحياة على الأرض.

بعد عناء يبدو أنه دام لعدة ساعات، أستطاع القديس يوسف، أن يدبر ملجأ لقضاء تلك الليلة، ولو أنه مغارة صغيرة، وبسيطة وتأوي بعض الحيوانات، لكنها تفي بالغرض. وها هي القديسة العذراء تحاول أخذ قسط من الراحة، مع زوجها المرهق من التعب هو أيضا. لا يتذمر ولا يشكي، رغم صعوبة الموقف. بدأت تحس بأوجاع الولادة، وليس معها أي من النساء، القريبات أو الصديقات، اللواتي يقفن مع الحامل في مثل هذا الوقت، كالأم، أو الأخت، أو القريبة. لقد تحملت كل هذا لوحدها، وها قد أتت اللحظة العظيمة في تاريخ كل البشرية، وولد الطفل الآلهي، وأستطاعت الأم القديسة ان تقمطه، ولكن من أين السرير الذي يوضع فيه المولود الجديد، لا يوجد سرير، ويوضع المولود في مذود الحيوانات. يا للتواضع العظيم من رب الكون. فرحة الأم لا تقدر في رؤية المولود، لكن الفرحة لم تقتصر على ألأم وزوجها البار مار يوسف، وأنما الفرحة في السماء كانت أكبر. لمن تزف هذه البشرة ؟ هل للكهنة والأحبار ؟ أم للملوك والأمراء ؟ أم للأغنياء والتجار ؟. الجواب هو كلا. بل لبسطاء الشعب، لرعاة غنم ساهرون على خرافهم. ها هو العالم الأزلي العظيم، والقدوس، يظهر لعالمنا المتواضع. تنفتح السماء، ويظهر ملاك الرب، ليبشر الرعاة المساكين بفرح عظيم حصل لكل البشر، اليوم، الذي هو أهم يوم في تاريخ البشرية، حيث أتم الله وعده للآباء، بواسطة الأنبياء، بأن يرسل لهم المخلص. .

ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص، هو المسيح الرب (لوقا 2 : 11 ).

وبعد هذا الأعلان بلحظات، تظهر جند السماء بمنظر روحي بهيج للعالم الأزلي، وهي ترنم بصوت ملائكي، ولحن سماوي ” المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة ( لوقا 2 : 14).” وربما كما نرتلها الآن في كنائسنا الشرقية، وباللغة الآرامية.” تشبوحتا لآلاها بمرومي، وعل أرعا شلاما، وسورا طاوا لونيناشا “.

ܬܫܒܚܬܐ ܠܐܠܗܐ ܒܡܖܘܡܐ ܘܥܠ ܐܖܥܐ ܫܠܡܐ ܘܤܒܖܐ ܜܒܐ ܠܒܢܝܢܫܐ

ها هي السماء ايضا فرحة لنا بهذا الحدث الجليل.

عيد ميلاد سعيد لجميعكم و الى اللقاء في الجزء الثاني

الشماس د – وليد القس اسطيفان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO