عظة عيد الميلاد ٢٠١٢

عظة عيد الميلاد ٢٠١٢

كل مَن يقفَ لحم مغارة بيت لحم اليوم سيستغرب من اعتيادية ما يحصل فيها، إذ لا يوجد شيءٌ خارق العادة، هناك طفلٌ مُقمطٌن وأم وأبٌ فيهما علامات الحيرة، مثلهما مثل الأف الأطفال في العالم. بل طفلٌ بحاجةٍ ماسة إلى أن يُشفَق عليه، أن يُحَب لأنه طفلٌ فقيرٌ لا يملُك حتّى مهدٍ أو سرير ليُوضَع فيه، بل مذودٌ وسخٌ. طفلٌ بحاجةٍ إلى الحُب، والقلب هو مركزٌ ماعر الحُب فينا، وهذا هو أول درسٍ في الميلاد، الله بحاجةٍ إلى قلوبنا، الله بحاجة إلى محبتنا، وهو لا يفرضها علينا عنوةً، بل يطلبها ببساطة، فأصبح صغيراً من أجلنا، فلا يأتي محاطاً بالعساكر كما يفعل الرؤساء والملوك، بل مُحاطاً برعاة ينشدونَ بفرحٍ. لم يأتي ليسحقنا بقوتّه، بل ليجذبنا بمحبتهِ. لم يجترح بميلادهِ مُعجزة، بل أرادها علامةً: “وهذه لكم علامةٌ”، والعلامة كانت: تواضعهُ

مجيءُ هذا الطفل لم يكن صدفةً، فلقد وعدَ الله بأن سيأتي ليُعيد الإنسان إليهِ، وكانت البشرية تنتظرُ مجيئهُ، وتهيأت له بشخص مريم العذراء أمنّا التي يقول الإنجيل اليوم: “وبَينَما هما فيها حانَ وَقتُ وِلادَتِها، فولَدَتِ ابنَها البِكَر، فَقَمَّطَتهُ وأَضجَعَتهُ في مِذوَدٍ لأَنَّهُ لم يَكُنْ لَهُما مَوضِعٌ في الـمَضافة” (لو 2: 6)، فالأقماط كانت مهيئة مُسبقاً في علامةٍ واضحةٍ على أن الله ينتظرُ منّا موقفَ إيمانٍ، فلن يدخل الله قلباً مُغلقاًن مثلما لم يدخل اليوم بيوتَ الناس المنشغلين بأمورٍ كثيرة حتّى أنه لم يعد لهم مكانٌ لله. هذا هو حالُ الإنسانية دوماً: ليس لها وقتٌ لله، وليس لها مكانٌ له أيضاً. ولكنّ، ولأن محبة الله هي أعظمُ من قساوةٍ قلوبنا، فهو قادرٌ على أن يجد له مكاناً يقبلهُ لينشر بُشراه؛ قلوب فقيرة، بل مؤمنة به هيأت له الأقماط والآذان الصاغية والقلوب المُخلصة التي تسير طُرقات مُخطرة لتصل إليه

ولكن كيف السبيلُ للوصولِ إليه؟

يُجيب الإنجيلي لوقا: السهر؛ “وكان في تلك الناحية رُعاةٌ يبيتونَ في البرية، يتناوبون السهرَ في الليل على رعيّتهم” (لو 2: 8). أُناس مُتيقظونَ، وهو ما يطلبوه ربّنا يسوع منّا من خلال كلامه إلى رُسلهِ: أمكثوا هنا واسهروا (مر 14: 34)، أُناساً ينتظرونَ الله، وهذا ما نفتقده نحن اليوم لأن المُجرّب قتلَ فينا حسَّ الانتظار. وحده القلب الساهر قادرٌ على الإيمان وعلى البحث عن الله بشجاعة على حدّ تعبير البابا بنتدكتُس السادس عشر. مثل هذا القلب سيقومَ ويترك خلفه كلَّ ما يُقيدّه ليبحث عن الله. الله الذي له الأولوية في الحياة، هو الأهم الذي من أجله يُسرِع الرعاة نحو بيت لحمَ. هذا التيقظ وهذا الإسراعِ هو ما ينقصنا اليوم، لأننا نُسرِع إلى كلِ شيءٍ ما عدى شؤون الله. الرعاة اليوم هم معلمو الإيمان، فمنهم نتعلّم أن نُعطي المكانة الأولى لله،ـ ونضع بقية الانشغالات في مكانها الصحيح

إلهنا قصّر المسافة التي أبعدتهُ عن الإنسانِ فجاءَ هو بنفسه إلى الإنسان، وسهّل الطريقَ له ليعرفهُ، فصارَ طفلاً رضيعاً يطيب لكلّ إنسانٍ نحو أن يحملهُ على كتفهِ ويُقبّلهُ ويرفعهُ عالياً من دون أن يُثيرَ فيه مشاعرَ الغضبِ والحسدِ والعداوةِ والخصومةِ، التي تٌتعِب الكبار، والتي تقود إلى الخصومات والحروب. هذا الطفل جاء ليجمع حولهُ أكبر عدد من الناس، جاء ليجمعَ شعباً لله

ميلاد يسوع بركةُ الله إلينا، هكذا تُصلّي ليتورجيّتنا المُقدسة اليوم: “نُسبّحُ جميعاً المولودَ العجيبَ الذي وُلِدَ لنا، الذي بهِ أشرقَ نورٌ حقيقيٌّ على الجالسينَ في الظلامِ. لذلكَ فإننا مع الجموع ِالسماوية نهتفُ ونقولُ: “المجدُ لله في العُلى، وعلى الأرضِ السلام والأمان، والرجاءُ الصالحُ لبني البشر. فإنه في نهاية الأزمنةِ الأخيرة ظهرَ بالجسدِ من جنسنا، وعلّمنا أن نعترِفَ بهِ وحدهُ خالقَ الكل”. هذا الاعتراف، وهذا الهُتاف، لن يكونانِ إلا بقبولِ هذا الميلاد. وقبولُ الميلادِ لن يكون بما أنفقناه من مصروفاتٍ، بل بما نُظهرهُ من الإيمانٍ بهذا الميلاد. والإيمانٌ يدفعنا إلى أن نُنشِد مع الملائكةِ تسبيحة السماء: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام”. إنها التسبيحة التي تجعلنا نُبادرَ بالسلامَ تجاهَ كلّ منَ ابتعدَ عنّا أو أبعدناهُ عنّا. تسبيحة تُهدينا إلى حيثُ الله، والله حاضرٌ بيننا دوماً؛ هو عمّانوئيل

فلنترُك مخاوفنا جانباً، مخاوفنا من الناس ومن الحاضِر ومن المستقبل، ولنَسر إلى بيتَ لحمَ ونُعلِن إيماننا بأنَّ طريقكَ يا ربُّ هو طريقُ الحياةِ لكلِّ إنسان. فكثيراً ما يسعى الإنسانُ ليبنيّ عالمهُ من دونِ الله، فثارت الأحقادُ وانتشرَ العُنفُ والانقسامات، وانفجرت الخصومات والصراعات واشتعلت نيرانُ الحروبِ في كلِّ مكانِ، بدءً من قلوبنا الأسيرة بهمومٍ وقلقٍ كبيرين

جئتنا يا ربُّ بين أحضانِ عائلةٍ بشرية لتُخبِرَ العالمَ بأنَّ العائلة، الأب والأم، هي المكانُ الأصيل لينعمَ الإنسان بحياةٍ كريمةٍ. ولادتُك مبعثُ فرحٍ للخليقةِ مثلما أنَّ ولادة كلِّ إنسان فرحةٌ للكونِ كلّهِ. فإذا أرادَ الله أن يكونَ قُربَ الإنسان، فكيف يُمكن للإنسان أن يبتعِد عنهُ؟ هذا ما يُريده الله أن يُبشرّنا به اليوم ويقول لنا: لقد صرتُ قريباً منكم، صرتُ واحداً منكم، وكلُّ ما أحتاجهُ منكَ يا إنسان هو قلبُكَ، محبتُك، إيمانُكَ

المطران بشار وردة

رئيس اساقفة ايبارشية اربيل والمدبر البطريركي لايبارشية زاخو ونوهدرا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO