الحلقة الثالثة والثلاثين من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الحلقة الثالثة والثلاثين من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

في سنة 539 ق.م. كان وصول الملك الفارسي قورش الى الحكم مرحلة حاسمة بالنسبة للامبراطورية البابلية ونهاية فترة المنفى. قام بافتتاح العاصمة بابل ودخولها كفاتح وليس كمحتل، بحيث رحب به الشعب والقادة وخاصة كهنة الاله مردوخ في بابل. هؤلاء كانوا قد تظاهروا ضد الملك البابلي الاخير نابونيدوس الذي، لكونه ابن لكاهنة من كاهنات الاله القمري سين، كان قد اهمل عبادة الاله مردوخ من اجل تبني عبادة الاله سين، مما ادى الى قيام ثورة ضده من قبل كهنة بابل والذي اشترك فيها ايضا اليهود للتخلص من الحكم البابلي، وهكذا سلموا المدينة بيد الملك الفارسي. حدث كما كان قد حدث لاورشليم، بحيث ان الانبياء اشعيا وارميا كانوا قد فسروا دمار اورشليم على اساس ان الملك كان قد ترك عبادة الاله يهوى، مما استوجب عقاب الهي كان نتيجته دمار اورشليم، هكذا ايضا فسر كهنة بابل سقوط عاصمتهم. اشعيا الثاني سمى الملك الفارسي الجديد قورش بمسيح يهوى، اي الملك المخلص الذي بعثه يهوى لخلاص شعبه من المنفى ولمعاقبة بابل. وحدث هذا فعلا بحيث ان الملك الجديد اصدر مرسوما يقرر فيه الحرية الدينية للجميع واعطاء الامكانية لليهود بالعودة الى ديارهم وبناء اورشليم والهيكل. على هذا الاساس تكون التقليد الكتابي اللاهوتي الذي ينسب الى الله الاحداث التاريخية وقصص خلق العالم خاصة قصة خلق العالم الكهنوتية في تك 1 والتي كتبت اثناء المنفى لكي تبين ان يهوى هو الاله الوحيد وانه خالق العالم وليس مردوخ الذي كانت تحتفل به “انوما اليش” في احتفالية اكيتو


كان الفرس قد تبنوا اللغة الاكدية كلغة رسمية للمملكة، بجانب العيلامي والفارسي، ولكن في الحياة اليومية بدات اللغة الارامية تاخذ حيزا كبيرا: بدات تقل الكتابات المسمارية. بدا عدد العلماء والمثقفين يقل. بالنسبة لشمال بلاد الرافدين اي مقاطعة اشور، فانها في هذه الفترة كانت فقيرة ومتروكة وكانت لا تزال تتالم من الخسارات البشرية والاقتصادية بعد دمار نينوى ولهذا كانت تعتبر مقاطعة من مستوى ثاني، لم يكن لها اهمية مثل بابل، وبدأت اقوام جديدة تسكن المنطقة

في منتصف القرن الرابع بدات تظهر ملامح الانزعاج من سيطرت الفرس في كل المملكة. الملك اسكندر المقدوني (333-323 ق.م) انتصر على الفرس في عدة معارك اساسية في ايسو وكاوكاميلا في نوفمر 331 ق.م. تم استقباله بفرح من قبل البابليين، كما كان قد حدث قبل ذلك بـ 200 لقورش. لا نعرف بالضبط اية اهمية اعطى لبلاد الرافدين، ولكننا نعرف انه اهتم بعمل قنوات للري، وعاش اخر ايامه في بابل حيث مات فيها. اهتم باعادة بناء الزقورات المحطمة وغيرها. بعد موته بدات الصراعات على الحكم بين المقدونيين، لم يشترك فيها الشرقيين. في الجزء الشرقي استطاع سلوقس السيطرة على الحكم، والذي من بعده نشات السلالة السلوقية. حَسَبَ سنوات عرشه من بعد سيطرته على مقاطعة بابل في 311 ق.م. ولهذا استمر هذا التقويم الجديد حتى بعد نهاية سلالته. بعد ذلك قام بتثبيت عرشه في سلوقس على نهر دجلة بالقرب من بابل. هذا كان دليل على ان مركز مملكته كان بابل. احد ورثته اخذ لقب ملك بابل. تطور علم الفلك في هذه الفترة. استعمال اللغة الاكدية بدا يقل اكثر واكثر، بينما ازداد استعمال اللغة الارامية. بالنسبة لادارة الدولة كانت عادة بيد الغربيين اللذين كانوا يشكلون الطبقة الارستقراطية، بدات اللغة اليونانية تدخل شيئا فشيئا بين الشعب من قبل مجاميع صغيرة

بالنسبة لبعض علماء الاثار فان تاريخ بلاد الرافدين القديم ينتهي بدخول قورش بابل في سنة 539 ق.م. لانه يعتبر منعطفا في تاريخه العريق: مع نابونيدو انتهت فترة تاريخية كُتبت بصورة اساسية من قبل البابليين والاشوريين. منذ ذلك الوقت فان القرارات بشان بلاد الرافدين كانت بيد الشعوب الاخرى. الى القرن العشرين فان بلاد الرافدين عرف استقلاله مع انشاء دولة العراق الحديث

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO