الأحد الرابع من تقديس البيعة

لا تـُدعَـوا : يا معلم .. يا ابانا.. يا سّــيد

قراءةٌ أولى سريعة وسطحية تجلبُ انتباهَ القاريء. ماذا ترى تعني هذه العبارات؟. هل تعني حذفَ شعارات ومصطلحات التكريم التي ينصحُ بها أصولُ المخاطبة التي يمارسها أفرادُ المجتمع الأنساني؟. انَّ الثقافة الأنسانية تدعو الى أظهار الأحترام الواجب لكل فئة من القادة أو المسؤولين و الذين يؤدون دورًا تربويا أوخدمة اجتماعية لزم تقديرُها. هل يكون خطـأ ً أن أدعوَ ” يا معَّلم ” من كرَّسَ نفسَه لتثقيف الأجيال الناشئة و يُعَّـلمُ فعلا دروبَ الحياة وأصولها من خلال توفيرالمعلومات الصحيحة لكي يحيا الأنسانُ في أمان وكرامة وبسهولة ، ويتصَّرفَ بشكل صحيح؟. هل هو خطـأٌ أن أدعوَ ” بابا ” من أنجبَني وكدَّ وسهر الليالي من أجل راحتي ؟. هل هو خطـأٌ أن أدعوَ ” يا سيد ” انسانا لا أعرفة ولا علاقة بيننا ولكننا نلتقي في مجال الحياة الأجتماعية ومن الضروري ان نتحاور ونتعاون لبنيان المجتمع الأنساني ؟. وهل يليقُ أن أحتقـرَ من عَّـلمني ،وأستصغرَ من يخدُمني ، و أتجاهلَ من أتعاملُ معه رغما عني وعنهُ؟. ترى هل هذا هو ما يعنيه الأنجيل ؟. هل هكذا افتهم الرسلُ كلامَ المسيح ، وهكذا يريدون أن يُفهموننا بنقلهم كلام المسيح الينا ؟

الكتاب المقدس وهذه الألقـاب

يبدو ضروريا ان نتجَّـوَلَ قليلا في الكتاب المقدس لنرى ماذا يقول ايضا بجانب ما قرأناه. بالأضافة الى تسمية يسوع لنيقاديمس ” أنت معلمٌ في اسرائيل ..”(يو3: 10) ، وتأكيده على أنَّ الكتبة والفريسيين لهم سلطة تعليمية لأنهم ” جالسون على كرسي موسى “، جاءَ في غلاطية 5: 13 ما يلي: ” لا تتخـذوا من الحُرَّيةِ حجـة ً لأرضاء شهواتِ الجسد، بل أُخدموا بعضَكم بعضا بالمحّبة “. ومن يُحبني ويخدُمني الا يحُّق له ويجب عليَّ ان احترمه وأبين له ذلك بكلامي وتصّرفي؟. وجاءَ في 2طيم 1: 11:” .. وأ ُقمتُ لها (للحياة والخلود بالبشارة ) مُبشّرًا ورسولا ومُعَّـلمًـا “. وكيف يُعّلمُ ويُسمعُ منه اذا لم يعترف أحدٌ بعلمه ولا اعتبره كذلك بل عامله مثل الناس الجهلاء؟. ثم اذا كنا لا نحتاجُ الى معلمين فلماذا أقام الربُ بولسَ معلما للوثنيين؟. وجاءَ في 1بط 2: 13-17 : ” اخضعوا ، اكراما للرب، لكل سُلطةٍ بشرية… كونوا أحرارا، ولكن لا تكونوا كمن يجعلُ الحرية ستارا للشر، بل كعـبيدٍ للـه. أكرموا جميعَ الناس “. أ ليس الخضوعُ اعترافا بسيادة من أطيعُه ؟. وكيف يكون الأكرام اذا رفضتُ حتى أن ألقبَّ أحدا بما هو عليه ؟. وجاءَ ايضا في غل 6:6 :” ومن يتعَّـلمُ كلامَ الله ، فليُشارك مُعَّـلمَه في جميع خيراتِه “. اذا لم يكن جائزا ان يدعوه ” يا معلم ” فكيف يتقاسمُ معه الخيرات ؟. وكيفَ يُسَّميه الرسولُ ” معَّـلمَه ” اذا لم يكن جائزا اطلاق كذا لقب على من يُبَّلغون بشارة المسيح الى غيرهم ؟

ويضيفُ الكتاب : ” وشيوخُ الكنيسة الذين يُحسنون القيامَ بعمَـلهم يستحّقون اكرامًا مضاعًفـًا ، وخصوصا الذين يتعبون في التبشير والتعليم “(1طيم 5: 17). وكانت فئاتٌ من خدامِ الكلمة يتمّيزون في عملهم عن بعضهم بـ ” ألقابهم “،وهي : الرسل، الأنبياء، المبشرون، الرعاة ، والمعّلمون” (أف 4: 11)، تبعًـا لمواهب الروح القدس لهم ،:” وأقامَ اللهُ في الكنيسة الرسلَ أولا والأنبياءَ ثانيا والمعَّلمين ثالثةً، ثم منح آخرين…”(1كور 12: 28). كيفَ اقامَ الله معلمين في كنيسته ، كفئة معَّـينة محددة مسؤولة عن خدمةٍ مختلفة عن غيرها ، ان كان لا يجوزُ لنا أن ندعوَهم كذلك ؟

واذا لم يكن جائزًا دعوة مسؤول روحي معلما أوأبا أو سيدا بأى شكل كان فكيف وضعَ يسوع في كنيستِه سلطة تعليمية وتدبيرية تعلمُ وتقررُ مع حق الحَّـلِ والربط ،:” وما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء، وما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء “(متى18:18) بحيث يجب التقيُّدُ بهم ، تعليمًا وتدبيرا، والا يرفضهم المسيح ، كما قال :” من سمعَ اليكم سمعَ اليَّ. ومن رفضَكم رفضَني. ومن رفضَني رفضَ الذي أرسلني ” ؟لو10: 16

ماذا عـنى الرسولُ اذن ؟

يبدو أنَّ كلامَ يسوع يدخل في العمق بحيثُ يتحدى سطحية المظاهر ليكشفَ حقيقة العلاقة بين من يعَّـلمُ ويدّبرُ ويقودُ ومن يخضعُ لهم ويستفادُ من خدمتهم. يجب ألا ينسى المؤمن بأنَّ هؤلاء يبقون ” وسطاء ” فقط .أما المعلم والمدبر أو الأب والقائد الأصيل فيبقى اللهُ وحدَه. وعلى من يتبعُ توجيههم أن ينظر اليهم هذه النظرة ويبقى تركيزهُ على الله. لأن هؤلاء الوسطاء قد يتوهمون ويخطأون ، وقد يهتمون فقط بما لأنفسهم وليس بما لله. على الوسطاء أولا أن يبقوا أمناء لتأدية رسالتهم وايصال كلام الله، فلا ينسوا الله أو يتناسوه لتمشية آرائهم أو مصالحهم. ولا ينسبوا الى الله ما هو فكرهم ورغبتهم. وعلى التلاميذ أن يتعلموا منهم من هو الله وكيف يعبدونه ويتبعونه. يبقى الله هدفهم الأساس ، وينتبهوا ألا ينحازالوسيط ُ او ينحى سلوكا بعيدا عن طريق الحق. على الرسول الوسيط أن يكون نموذجا حيا لحياة الله ، يُجَّسدُها في أعماله ليتسنى للمؤمنين ان يقتدوا بأعمال الله (1كور11: 1)، وعلى التلميذ ان يتعلمَ منه كيف يتعاملُ مع الله

فليس الكلام اذن على التسميات والألقاب بذاتِها. لوكان الأمرُ كذلك لما صارَ وجودٌ للكنيسة ولا حاجة الى تكثير الخدمات والألقاب. وقد كتب مار بولس لأهل كورنثية ما يشبه هذا. قال:” كتبتُ اليكم في رسالتي ألا تخالطوا الزناة. ولا أعني زناة هذا العالم على الأطلاق… والا اضطررتم الى الخروج من هذا العالم. لكن الآن أكتبُ اليكم أن لا تخالطوا من يُدعى أخا وهو زانٍأو فاجر.. أو شتام أوسكيرأوسارق. فمثل هذا الرجل لا تجلسوا معه للطعام “(1كور 5: 12). ويضيفُ لأهل تسالونيقي :” واذا كان بينكم من لا يطيعُ كلامنا في هذه الرسالة فلاحظوه وتجَّـنبوه ليخجلَ “(2تس 3: 14). يتصَّرف بولس من موقف القـَّوة والمعرفة والمسؤولية. وكيف يُسمع كلامه وينـَّفذ اذا لم يعتبروه معلما وسّيدا ؟. هل يتعالى بولس عليهم ؟ كلا. ولو لم يطيعوه بحجة أنهم أحرار بحرية المسيح ولا يحق لأحد أن يعلمهم أو يتسلط عليهم ماذا كان قد حصلَ المسيح من تأسيس الكنيسة ، وهو لا يزودُّها بأية صلاحية ؟ أو وهو يدعو المؤمنين الى فوضى بحيثُ يتبعُ كلُّ واحدٍ هواهُ ؟. والرسولُ يؤكدُ بأنَّ ” الله ليس الـه فوضى بل الـه سلام ” 1كور 14: 33

فالتعليم (معلم ) والتدبير (أب ) والقيادة (سيد ) هي خدماتٌ تؤدى بروح المسيح لا بروح التعالي او الأنانية أو طلب المجد. وكذلك بالنسبة الى المؤمن يبقى هؤلاء ، كما نوهنا اليه أعلاه، خداما للكلمة ولتدبير الخلاص. ليسوا هم من يتحكمون في حياةِ المؤمنين. حياةُ المؤمنين تخضعُ لقرارهم الخاص وايمانهم. لاتعطي الخدماتُ مجالا للأفتخار أو الأحتقار، ولا للأستغلال أو التسلط. هذا ينبعُ من روح العالم. أما روح المسيح فأتى ليخدمَ ، وخدمَ دون مقابل و دون تفاضل. لم يتصرف كالفريسيين بالمراءات والنفاق والأنانية، بل تواضعَ وخدمَ عن محبة وتضحية وأعطانا المثال، فقال :” أنا المعلم والسيد غسلتُ أرجلكم… أنا أعطيتكم ما تقتدون به ” (يو13: 14-15). الخدمة مُهّمة مناطة بمؤمن يجب السماع له :” افعلوا كلَّ ما يقولونه لكم وآعملوا به ” حتى لوكان الخادمُ خاطئا ، وعندئذ ” لا تعملوا مثل أعمالهم “. وهكذا اذا دعا المؤمنون من يعلمهم الأيمان المستقيم بـ ” يا معلم ” فلا يعني انه أصبح بديلا عن المسيح، بل فقط أنه من يعلم الطريق الى المسيح ، ويبلغهم ما ” عَّـلمه المسيحُ ” فقط. واذا دعا المؤمنون من يرأسهم ” أبانا ” (أو أبونا ) فلأنه يمارسُ معهم سلطة الله ” الأب ” ويدعوهم الى ملكوت الحياة الأبدية. واذا دعا مؤمن مسؤولا عنه في الأيمان ” يا سيد ” فلأنه يُرشدُه الى تلك الحياة و يُسَّهلُ الطريقَ اليها. فكل واحد من هؤلاء يمارسُ في الكنيسة خدمة تجعله ازاء المؤمنين معلما أو أبا أو قائدا

موجز الكلام : وجودُ الأنسان يأتي من الله فهو الأب ، والبشر كلهم اخوة متساوون لا يفضلُ الواحدُ على الآخر وكلهم يتعلمون من الله ويخضعون له لأنه يبقى هو وحده معطيَ المواهب والمحاسبَ عليها ، ونموذج التعامل ِ مع الله هو يسوعُ المسيح الأبن الأوحد ، والبكرُ للمؤمنين المدعوين الى الأقتداء به لضمان الحياة ، للأبـد

القس بول ربان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO