الأيمان 3

الإيمان

مفهوم الإيمان عند القديس بولس

ان الإيمان هو فضيلة إلهية، كون موضوعه المباشر هو الله، هذا الإيمان هو دعوة للإشتراك في الحياة مع الله. إذن الله هو موضوع الإيمان، فهو المطلق، هو القيمة والهدف والمعنى والعمق والاتجاه بالنسبة إلى الإنسان. ولا يستطيع الإنسان أن يختبر الله إلا أن يرجع إلى الأمور المطلقة في حياته، بل إنها تحثّه دائما على الخوض في عمق أعماق حياته. هكذا يكتب القديس بولس: “فحياتي هي في الإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي“غلاطية 2: 20

  • علاقة الإيمان بالرجاء والمحبة

في العهد الجديد نجد مراراً بالتتالي الإيمان والمحبة والرجاء. هذا الترتيب له أساسه، لأن الإيمان ينبغي أن يعمل مباشرة بالمحبة: “ففي المسيحِ يسوعَ لا قِيمةَ لِلخِتانِ ولا لِلقَلَف، وإِنَّما القِيمةُ لِلإِيمانِ العامِلِ بِالمَحبَّة (غلا 5: 6)، فيما الإنسان يتطلع في الرجاء إلى الإكتمال. ولا نجد إلا في موضع واحد عند القديس بولس عندما يضع ترتيب الإيمان ثم الرجاء ثم المحبة زذلك في الرسالة إلى أهل قورنثية: “فالآن تَبقى هذه الأُمورُ الثَّلاثة: الإيمان والرَّجاءُ والمَحَبَّة، ولَكنَّ أَعظَمَها المَحبَّة” (1 قور 13: 13). وهذا يفهم في نهاية نشيد المحبة، الذي يشدد تشديداً خاصاً على المحبة. وقد صار ترتيب الإيمان ثم الرجاء ثم المحبة أمراً مألوفاً في التقليد وبقى كذلك إلى اليوم

الإيمان يشمل الإنسان كلّه

حسب القديس بولس يختص الإيمان بالشخص كلّه في كل أبعاده، وهو عنصر توحيد حياته، بمعنى أنه يجنّد كل طاقاته ويوحّدها في إتجاه المطلق. هكذا نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين: “وأَنَّ لَنا كاهِنًا عَظيمًا على بَيتِ الله، فلْنَدْنُ بِقَلْبٍ صادِقٍ وبِتَمامِ الإِيمان، وقلُوبُنا مُطَهَّرَةٌ مِن أَدْناسِ الضَّمير وأَجْسادُنا مَغْسولَةٌ بِماءٍ طاهِر، ولْنَتَمَسَّكْ بما نَشهَدُ لَه مِنَ الرَّجاءِ ولا نَحِدْ عَنه، لأَنَّ اَّلذي وَعَدَ أَمين، ولْيَنتَبِهْ بَعضُنا إِلى بَعضٍ لِلحَثِّ على المَحبَّةِ والأَعمالِ الصَّالِحة” (عبرانيين 10: 21-24). فالإيمان يعني الإنسان كله. في الإيمان يتوجه الإنسان نحو الله. الإيمان يعني الحياة على نحو يتلائم ومحبة الله للإنسان. لذلك فالإيمان هو أيضا تتميم للأخلاق

كما يتكلم بولس الرسول على “عمل الإيمان” فيقول: “ولا نَنفَكُّ نَذكُرُ ما أَنتُم علَيه مِن نَشاطِ الإيمان وجَهْدِ المَحَبَّةِ وثَباتِ الرَّجاءَ بِرَبِّنا يسوعَ المسيح، في حَضرَةِ إِلهِنا وأَبينا” (1 تس 1: 3). ويربط القديس بولس الإيمان بمحبة القريب، والذي هو أساس وحدة السلوك الأخلاقي كله

الإيمان وديعة

إيمان الكنيسة: يقول القديس بولس هو هذا: “أُذَكِّرُكم أَيُّها الإِخوَةُ البِشارةَ الَّتي بَشَّرتُكم بِها وقَبِلتُموها ولا تَزالونَ علَيها ثابِتين، وبِها تَنالونَ الخَلاصَ إِذا حَفِظتُموها كما بَشَّرتُكم بِها، وإِلاَّ فقَد آمَنتُم باطِلاً. سَلَّمتُ إِلَيكم قبلَ كُلِّ شيَءٍ ما تَسَلَّمتُه أََنا أَيضًا، وهو أَنَّ المسيحَ ماتَ مِن أَجْلِ خَطايانا كما وَرَدَ في الكُتُب، وأَنَّه قُبِرَ وقامَ في اليَومِ الثَّالِثِ كما وَرَدَ في الكُتُب، وأَنَّه تَراءَى لِصَخْرٍ فالاْثَني عَشَر، ثُمَّ تَراءَى لأَكثَرَ مِن خَمْسِمِائَةِ أَخٍ معًا لا يَزالُ مُعظَمُهُم حَيّاً وبَعضُهُم ماتوا، ثُمَّ تَراءَى لِيَعْقوب، ثُمَّ لِجَميعِ الرُّسُل، حتَّى تَراءَى آخِرَ الأَمرِ لي أَيضًا أَنا السِّقْط” (1 قور 15: 1-5). فكل جيل كنسي يتسلم “وديعة الإيمان” من الجيل السابق ليسلمها إلى الجيل اللاحق. ويتحقق هذا التسلم في داخل الكنيسة بفضل الروح القدس الذي يضمن الامانة من جيل إلى جيل لوديعة الإيمان. فالروح الذي جعل التلاميذ يختبرون يسوع المسيح ويشهدون له ويعبرون عن الوحي ويدونونه، يجعل كنيسة كل جيل من الأجيال تشهد ليسوع المسيح بأمانة لاختبار التلاميذ الإيماني ولتعبيرهم المدون في الكتاب. بل أنه يجعلها تزداد تعمقا في الوحي، مكتشفة أبعاداً جديدة منه لم تتنبه اليها سابقا. بناء على ذلك، قال القديس بولس: “بُنيتم على أساس الرسل والأنبياء، وحجر الزاوية هو المسيح نفسه” (أفسس 2: 20). وهذا ما يقصده قانون الإيمان عندما يعترف بأن الكنيسة “رسولية”، أي مبنية على اختبار الرسل ليسوع المسيح وشهادتهم له، بالروح القدس

بالنسبة للقديس بولس “الانجيل نفسه هو كلمة الإيمان” (روم 10: 8)، ويعني بذلك بان الإيمان يعبر من خلال الكلمة التي هي فيض الإيمان. ويتحدث القديس بولس في موضع آخر عن الإيمان وعلاقته بالبشارة “الإيمان بالبشارة” (فيل1: 27)، وهنا يقصد الثقة والاستسلام الكامل لخدمة الكلمة، واعلان البشرى

العقل والإيمان

يعبّر القديس بولس عن نقطة مهمة في الإيمان المسيحي ألا وهي: “لا نهائية الله ونهائية الإنسان”. فالعقل يختبر نهائيته أمام سر الله الذي لا يحدّه شيء أو أحد، يفوق كل شيء وكل احد بصفة مطلقة فيقول: “ما أَبْعدَ غَورَ غِنى اللهِ وحِكمَتِه وعِلمِه! وما أَعسَرَ إِدراكَ أَحكامِه وتَبيُّنَ طُرُقِه! ((فمَنِ الَّذي عَرَفَ فِكْرَ الرَّبّ أَو مَنِ الَّذي كانَ لَه مُشيراً ومَنِ الَّذي تَقًدَّمهُ بِالعَطاءِ فيُكافَأَ علَيه؟)) فكُلُّ شَيءٍ مِنه وبِه وإِليه. لَه المَجْدُ أَبَدَ الدُّهور. آمين” رومية 11: 33-36

هكذا الإيمان بالله أو بيسوع المسيح ليس إيمان بشخصية تاريخية نؤمن بما فعله فقط، بل قوة حياتية لا تزال تعمل فينا كل يوم وباستمرار: “ولأجله هذا أتعب وأُجاهد بفضل قُدرته التي تعمل فيَّ بقوة” كول 1: 29

الإيمان يستلزم أن يتخلى الإنسان عن كل اعتماده وثقته بنفسه. بل هو أن يطرح الإنسان نفسه بكل ثقة على رحمة الله

الإيمان يعني أن يمسك الإنسان بكل ثقته بوعود الله في شخص يسوع المسيح، وبالروح القدس الساكن فينا

الإيمان يعني أن يظل الإنسان مطيعاً لله واثقاً به في كل لحظة من حياتنا

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO