شعب الله المختار، أيّ اختيار؟

شعب الله المختار، أيّ اختيار؟

بقلم الأب داني يونس اليسوعيّ

يحتار قارئ الكتاب المقدّس أمام اختيار الله أشخاصًا أو شعبًا يدعوه دون غيره، يؤازره ضدّ أعدائه ويُميّزه عن الآخرين. هل عند الله محاباة؟ أم هو لا يعدل بين خلائقه؟ وفي ظلّ ما يدور اليوم في فلسطين كيف لنا أن نفهم الكتاب المقدّس بعهده القديم؟

نقرأ مثلاً في سفر أشعيا هذه الآيات الرائعة: “والآنَ هكذا قالَ الرَّبُّ خالِقُكَ يا يَعْقوب وجابِلُكَ يا إِسْرائيل: لاتَخَفْ فإِنِّي قَدِ افتَدَيتُكَ ودَعَوتُكَ بِاسمِكَ، إِنَّكَ لي. إِذا عَبَرتَ المِياهَ فإِنِّي مَعَكَ أَوِ الأَنْهارَ فلا تَغمُرُكَ وإذا سِرتَ في النَّارِ فلا تَكتَوي ولا يَلفَحُكَ اللَّهيب لِأَنِّي أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ قُدُّوسُ إِسْرائيلَ مُخَلِّصُكَ”. (أشعيا 43: 1 – 3أ).

جميلٌ هذا الكلام، ولا شكّ في أنّ قارئ الكتاب يسمع هذه التعزية وكأنّها موجّهة إليه، ولا يعبأ بأنّها موجّهة إلى يعقوب الّذي اسمه أيضًا إسرائيل، جدّ الشعب العبرانيّ الّذي باسمه تُسمّى الشعب كلّه. أنا إسرائيل، أنا يعقوب… لكنّ قارئ الكتاب ما يلبث أن يقع على تكملة الآيات:

“وقد جَعَلتُ مِصرَ فِديَةً عنكَ وكوشَ وسَبَأَ بَدَلاً مِنكَ إذ قد صِرتَ كَريماً في عَينَيَّ ومَجيداً فإِنِّي أَحبَبتُكَ وأُسلِمُ أُناساً بَدَلاً مِنكَ وشُعوباً بَدَلاً مِن نَفسِكَ. لا تَخَفْ فإِنِّي مَعَكَ”. (أشعيا 43: 3ب – 4).

ماذا لو كان القارئ المؤمن هو نفسه من مصر أو كوش أو سبأ؟ ماذا لو كان لا يُريد أن يُسلّم إلهه أناسًا بدلاً منه لأنّه تعلّم في مدرسة الكتاب عينه أنّ حبّ الله لا يُفرّق بين يهوديّ ويونانيّ، بين حرّ وعبد، بين رجل وامرأة (غلاطية 3: 28)؟

الكتاب فعلاً مدرسة، والسؤال عن قصد الله في اختيار شعبٍ له يفتح لنا مجالاً لفهم الكتاب بطريقة تمسّ قلوبنا في أعمق مخاوفها ورغباتها، فلا يكفينا أن نُكرّر أنّ الله حرّ في تدبيره لخلاصنا (وهذا صحيح) لأنّه يُريدنا أحرارًا في قبول هذا التدبير. سنتقدّم في فهم معنى الاختيار في ثلاث خطوات، كلٌّ منها يفتح مجالاً لتأمّل في حياتنا.

+ مُختارٌ في سبيل الكلّ

أولى إشارات الاختيار الإلهيّ تظهر في رواية قايّن وهابيل (سفر التكوين، الفصل 4) حيث ينظر الله إلى تقدمة هابيل، وأمّا إلى تقدمة قاين فلا ينظر… سنعود إلى هذا المشهد الغريب في المحطّة الثانية، أمّا الآن فسنكتفي بالإشارة إلى أنّ الفصول 1 إلى 11 من سفر التكوين تروي بطرقٍ مختلفة كيف أنّ مسعى الله في خلقه كان متّجهًا إلى البركة ولكنّ مساعي البشر قادت إلى اللعنة: “ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت، لأنّ كلّ بشر قد أفسد طريقه عليها” (تكوين 6: 12)، ثمّ يأتي الفصل 12 من سفر التكوين وفيه نجد بداية فكرة الاختيار الّتي ستُرافق شعب إسرائيل طوال تاريخه من حيث هو شعبٌ مختارٌ، من خلال دعوة إبراهيم:

“وقالَ الرَّبُّ لأَبْرام: اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ. وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ اسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة. وأُبارِكُ مُبارِكيكَ، وأَلعَنُ لاعِنيكَ وَيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض” (تكوين 12: 1- 3).

في هذه الآيات نجد ملخّص منطق الاختيار كلّه: فالاختيار مجّانيّ (لا فضل لإبراهيم سابق على دعوة الله له)، ولكنّه يتطلّب الإيمان، أي الثّقة بكلمة الله (كلّ حياة إبراهيم تقوم على الثقة والإيمان، وهنا، في بداية مسيرته، يترك المعروف – أي أرضه وعشيرته وبيت أبيه – في سبيل المجهول: “الأرض الّتي أريك”)، وهذا الاختيار هو في سبيل الكلّ (“تكون بركة”، “يتبارك بك جميع عشائر الأرض”) ولكنّه يتطلّب صراعًا مزدوجًا (“ألعن لاعنيك” تشير إلى أنّ المختار يعاني من رفض الناس، لكنّ الله يكون معه، وهذا يتطلّب ثقة بالله، فالصراع المزدوج هو مع الناس ومع الله لأنّ المختار يسأل دومًا: هل الله معي أم لا؟ كما في خروج 17: 7).

خُلاصة هذه المرحلة: جواب الله على رفض الإنسان البركة الّتي يريد الربّ أن يباركه بها، هو أن يختار شخصًا (إبراهيم) ليقيم معه عهدًا يقبل بموجبه إبراهيم بركة الربّ مع ما تحمله من صراعات بسبب رفض الإنسان هذه البركة، ويصير المختار حاملاً البركة إلى الجميع، فالمختار هو مختار في سبيل الكلّ.

+ صراع البركة

يواجه المُختار تجربتين كبيرتين: أن يرفض اختياره، أو أن يتملّك الاختيار فلا يعود مختارًا في سبيل الآخرين، ولا يعود بركة. وكلّ قصّة شعب إسرائيل وصولاً إلى المسيح تظهر هاتين التجربتين.

كثيرةٌ هي المواضع حيث يرفض المختار اختياره خوفًا من متطلّبات العهد مع الله. هذا الخوف يعود إمّا لصغر النفس (مثل عيسو الّذي باع بكريّته بأكلة عدس، راجع تكوين 25: 29 – 34 والرسالة إلى العبرانيّين 11: 16) وإمّا بسبب الاضطهاد، فمن أراد أن يخدم الله يجلب على ذاته رفض الناس (“تعييرات معيّريك وقعت عليّ” مزمور 69: 10، راجع الرسالة إلى أهل روما 15: 3) والّذي يتّقي الله يصير عُرضةً للغيرة (هكذا قتل قاين أخاه هابيل غيرةً منه، “لأنّ أعماله كانت شرّيرة وأعمال أخيه بارّة” كما في رسالة يوحنّا الأولى 3: 12، أو كما ورد في سفر الحكمة الفصل 2).

والكتاب يظهر بالعكس كيف أنّ الشعب المختار يظنّ أحيانًا أنّه مستحقّ اختياره، فيتملّكه ويزدري الآخرين. في الكتاب أمثلة كثيرة، مثل مَثَل الفرّيسيّ والعشّار في لوقا 18، وتعليم بولس عن الخلاص بالإيمان لا بالأعمال “لئلاّ يفتخر أحد بأعماله” (أفسس 2: 9) فيزدري الآخرين.

غلب يسوع هاتين التجربتين، فهو لم يتخلَّ عن اختيار الله إذ “أطاع حتّى الموت، موت الصليب”، ولكنّه بذلك “أخلى ذاته” مشاركًا البشر ببنوّته الإلهيّة (راجع فيليبّي 2: 6 – 11). يسوع هو المختار الحقيقيّ الّذي يحقّق غاية الاختيار: أن يبلغ بالبركة إلى كلّ البشر. لذلك يقول بولس: “تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح فقد باركنا كلّ بركة روحيّة في السموات في المسيح” (أفسس 1: 3).

+ من رفض البركة إلى قبولها

في المسيح تصل البركة إلى كلّ إنسان، فليس بعد من شعب مختار، بل شعب من المختارين، حاملين البركة إلى العالم. هنا يجد قارئ الكتاب المقدّس أنّ الكتاب هو له كالمرآة، فهو الآن أمام اختيار قبول البركة أو رفضها، قبول اختيار الله أو الهروب منه. نحن نقبل اختيار الله حين نحبّ الإنسانيّة الّتي استودعها الله فينا، بما فيها من مواهب وحدود، بكلّ تاريخها المشرق أحيانًا والمظلم أحيانًا، حين نقبل ظروفنا لا قبول الخاضع الخانع بل قبولها على أنّها رسالة من الله تحمل بركة فريدة إلى هذا العالم، لا مثيل لها. من يقبل اختيار الله يخرج من المقارنات والحسد لأنّه لا يعلم أنّ لا بديل له وأنّه مدعوّ باسمه والله معه في كلّ ظروف حياته. ولكنّنا نميل كثيرًا إلى الهروب، للأسباب عينها الّتي من أجلها تهرّب الشعب العبرانيّ من اختياره، كما يقول الآباء: لجزع القلب أو صغر النفس. وما المسيرة الروحيّة إلاّ مسيرة الانتقال من رفض البركة إلى قبولها.

أن نحمل اختيارنا كما يحمل الإنسان صليبه، يعني أن نرى في كلّ إنسان ذاك الّذي يريد الله أن يباركه، المختار الّذي لا يعرف بعد اختيار الله له. أن أكون مختارًا وقابلاً اختياري يعني أن أثق أنّ كلّ إنسان فريد أمام الله، كلّ إنسان مختار بشكل شخصيّ وخاصّ، فأجعل من نفسي خادمًا لعمل الله في كلّ إنسان.

http://www.jespro.org/index.php?option=com_k2&view=item&id=396:chosen-people&Itemid=273

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO