سنة الإيمان

سنة الإيمان

أعلن البابا بندكتوس السادس عشر في أكتوبر العام الماضي أن تكون هذه السنة “سنة الإيمان”. لقد بدأت سنة الإيمان هذا الشهر (أكتوبر) بإجتماع كبير لأساقفة الكنيسة الكاثوليكية في حاضرة الفاتيكان بحضور أساقفة من كل العالم ومن مختلف الكنائس الكاثوليكية الشرقية. هذا الاحتفال سوف لن يكون محدد في الفاتيكان فحسب بل أيضاً في كل بقاع الأرض، حيث كل كنيسة ستشترك من موقعها في هذه السنة مع جماعة المؤمنين. لذا سنة الإيمان ليست سنة الذكرى السنوية لحدث المجمع الفاتيكاني الثاني بل هي أستمرار لتعاليم المجمع مصاغة بطريقة جديدة معاصرة لجيل اليوم، ومتطلبات العصر خاصة بما يخص موضوع الإيمان. إنه حافز كبير، من قبل البابا بندكتوس السادس عشر، لنا جميعاً كي نحمل بشارة ربنا يسوع للعالم أجمع، مجددين إيماننا المسيحي كي لا نقع في الروتين القاتل. نود في هذه المقالات أن نساهم نحن أيضاً من خلال موقعنا الألكتروني في شرح مفاهيم الإيمان بسلسلة من مقالات بسيطة.

الإيمان (1)

الإيمان يعني بصورة عامة: قبول بيانات شخص ما قبولاً حراً للثقة به. هذه الثقة بين الإنسان والله نسميها الإيمان. نحن نؤمن بالله لأنه كشف لنا عن قدراته ومصداقيته وعلمه وصداقته بنقطتين متكاملتين. النقطة الأولى: كون إن الله كشف عن ذاته من خلال الطبيعة المنظورة والتي تعكس قدرته وكماله. والنقطة الثانية: أن الله يتحدّث معنا من خلال الكتاب المقدس. تقودنا النقطة الأولى إلى الإيمان الطبيعي بالله الخالق والمجازي، وهذا يعتمد على تفكير الإنسان، وتقودنا الثانية إلى الإيمان الفائق للطبيعة بإله ثالوثي “مثلث الأقانيم” محب للبشر. إله أحب خليقته منذ البداية حتى تجسد وصار شبيها بها ليفتديها وينير الطريق أمام الإنسان ليرفعه. لا يعتمد الإيمان الفائق للطبيعة على قدرة الإنسان للوصول إلى الله، وإنما على تنازل الله من خلال تجسّد يسوع المسيح “من فيضِ نِعَمِهِ نلنا جميعاً نعمةً على نعمةٍ” (يوحنا 1: 16).

أولاً: الإيمان في الكتاب المقدس

إن الإيمان، بالنسبة للكتاب المقدس، هو منبع ومركز للحياة الدينية أجمع. وعلى الإنسان أن يتجاوب بالإيمان مع قصد الله الذي يحققه خلال الزمن. فعلى منوال إبراهيم “أبي كل المؤمنين” (رومة 4: 11) عاشت شخصيات مثالية من العهد القديم ثم ماتوا في الإيمان (أنظر عبرانيين الفصل 11)، الذي “يتممه يسوع حتى الكمال” (عبرانيين 12: 2).

آ- مفهوم الإيمان في العهد القديم

للإيمان في العهد القديم أربعة أبعاد:

·الإيمان، مطلب يفرضه العهد:

يدعو الله إبراهيم، الذي كان أبوه “يعبد آلهة أخرى” في بلاد الكلدانيين (يشوع 24: 2)، ويعده بأرضٍ وذرية عديدة: “وقالَ الرَّبُّ لأَبْرام: (اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ. وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ اسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة)” (تكوين 12: 1-2). وهكذا، وبنفس الطريقة، يدعو الله موسى ليقود شعبه إلى أرض الميعاد (أنظر خروج 3: 1-15). يجيب إبراهيم على هذه المبادرة وكذا الحال موسى بإيمانٍ راسخٍ (عبرانيين 11: 23-29) بالرغم من بعض التخاذلات العارضة (عدد 20: 1-12).

لقد أقام الله عهداً مع شعبه: “وأكون لكم إلهاً، وأنتم تكونون لي شعباً” (لاويين 26: 12)، أنه عهد مبني على الأمانة المتبادلة. من هنا نرى أن الإيمان يعني قبول كلمة الله والعمل بموجبها. هذا ما يؤكّده إلتزام الله في تاريخ إسرائيل، ويشترط بالمقابل على إسرائيل أن يطيع “كلمة الله” (خروج 19: 3-9). فعل الإصغاء يعني الإيمان بالله وعكس ذلك هو تمرّد: “ولَمَّا أَرسَلَكمُ الرَّب مِن قادِشَ بَرْنيعَ قائلاً: اِصْعَدوا ورِثوا الأَرضَ الَّتي أَعطَيتُكم إِيَّاها، تَمَرَّدتُم على أَمرِ الرَّبِّ إِلهِكم ولم تُؤمِنوا بِه ولَم تَسمَعوا لِصَوته” (تثنية 9: 23) “رَفَضوا الأَرضَ الشَهِيَّةَ، ولم يؤمنوا بِكَلِمَتِه، بل تَذَمَّروا في خِيامِهم ولم يَسمعوا لصَوتِ الرَّبِّ” (مزمور 106: 24-25).

·إيمان إسرائيل محفوف بالخطر:

لقد كانت مصاعب حياة شعب الله حتى السبي، تجربة قاسية لإيمانه. فقد شجب الأنبياء عبادة الأوثان (هوشع 2: 7-15) التي كانت تقضي على وحدة الإيمان بالله، وقد أضحى إيمان إسرائيل مهدداً بنوع خاص عند سقوط أورشليم ووقوع السبي، وكاد الشعب يفقد إيمانه بالله ويتّجه نحو آلهة بابل. فيأتي النبي اشعيا طالباً من الشعب (بشخص آحاز) أن ينتقل من الخوف إلى الثقة المطمئنّة في الله (اشعيا 7: 4-9). ثم يُلهم حِزْقيّا بالإيمان الذي سيُتيح ليهوه إنقاذ أورشليم: “وإِن قُلتُم لي: إِنَّنا لم نتَكِلْ الإ على الرَّبِّ إلهِنا، أَفَلَيسَ هو الَّذي أزالَ حِزقِيَّا مَشارفَه ومَذابِحَه وقالَ لِيَهوذا ولأورَشَليم: قُدَّامَ هَذا المَذبَحِ تَسجُدونَ في أورَشَليم” (2 ملوك 18: 22). ومن الإيمان يكتشف حكمة الله العجيبة: “أَجَل، رُؤَساءُ صوعَنَ أَغْبياء ومَشورَةُ مُشيري فِرعَونَ الحُكَماءِ سَخيفَة فكَيفَ تَقولونَ لِفِرعَون: ((أَنا آبنُ الحُكَماءِ آبنُ المُلوكِ الأَقدَمين؟)) أَين حُكَماؤُكَ؟ لِيُخبِروكَ ولْيَعْلَموا ماذا قَضى رَبُّ القُوَّات على مِصر. قد جُنَُّ رؤَساءُ صوعَن وآنخَدَعَ رُؤَساءُ نوف وأَضَلَّ مِصرَ حِجار الأَساسِ في قَبائِلِها. مَزَجَ الرَبُ في داخِلِها روحَ دُوار فأَضَلُّوا مِصرَ في جَميعِ أَعْمَالِها كالسَّكْرانِ التَّائِهِ في قَيئِه فلا يَبْقى لِمِصرَ عَمَل يَعمَلُه فيها الرَّأسُ أَوِ الذَّنَب السَّعَفُ أَوِ القَصَب” (إشعيا 19: 11-15). لذا يشدد النبي إشعيا على الشعب أن يضع الثقة الدائمة والمطلقة بالله في كل وقت: أَمَّا الذين يرجُونَ الرَّبّ فتَتَجَدَّد قِواهم على الدوام ويَرتَفِعونَ بِأَجنِحَةٍ كالنسورِ. ولا يَتعَبون إذا ركضوا ويسيرون ولا يكِلّون” (إشعيا 40: 31).

· إيمان إسرائيل هو إيمان مستقبلي:

وذلك يعني الثقة بأن ما وعد الله به سوف يتحقق. لم يكن الله الأمين ليمتنع عن إنجاز وعوده. إلا أن إتمامها، في إطار العهد، كان يتوقّف على الإيمان، وهذا الإيمان كان غائباً في إسرائيل التاريخي. فالبنسبة إلى الأنبياء، أصبح الإيمان حقيقة آتية، سوف يمنحها الله لإسرائيل في عهد جديد. عهدٌ يجدد فيه الله يوماً القلوب فتعبر من القسوة إلى الإيمان حيث يضع فيها المعرفة والطاعة النابعتين من الإيمان (أنظر إرميا 31: 23-40).

·إيمان إسرائيل رسالة لجميع الأمم:

كان حكماء إسرائيل، مثل الأنبياء، يعرفون، منذ زمن طويل، أنه ينبغي عليهم ألا يعتمدوا إلا على يهوه حتى يفوزوا بالخلاص: “لا تَقُلْ: (أُجازي بِالشَّرّ) بلِ انتَظِرِ الرَّبَّ فيُخَلِّصَكَ” (أمثال 20: 22). تمتد رسالة إسرائيل إلى الأمم بشخص عبد يهوه: “لا يَلوي ولا يَنكسرُ حتى يُقيمَ العدلَ في الأَرضِ، فشَريعَتُهُ رجاءُ الشعوبِ” (إشعيا 42: 4) “قَليلٌ أَن تَكونَ لي عَبداً لتُثير هِمَّةَ أَسْباطِ يَعْقوب وتَرُدَّ الباقينَ مِن بني إِسْرائيل، ولتكون نوراً لِلأُمَم وخَلاصاً إلى أَقاصي الأَرضِ” (إشعيا 49: 6). وعليه، فما دام الإيمان سيجمع شمل إسرائيل المستقبل، فسوف يستطيع أن يفتح ابوابه أمام الأمم، كما وتستطيع الأمم أن تكتشف الإيمان بالله الواحد: “أَنتُم شُهودي، يَقولُ الرَّبُّ، ذُريَّةُ عَبدِيَ الَّذي آختَرتُه لأنَّكم علَمتُم وآمنتم بي وفهَمتُم أَنِّي أَنا هو. ما كان من قَبلي إِلهٌ ولن يَكونُ من بَعْدي!”  (اشعيا 43: 10)، معترفة به إلهاً واحداً منتظرة الخلاص منه وحده (راجع إشعيا 56: 1-8).

بهذا المعنى نفهم أن الإنسان يؤمن وهو مؤمن بقدر ما ينفتح بكامل شخصيته نحو الله الذي يوحي نفسه، أن المؤمن هو ذلك الذي يبني علاقة شخصية مع الله. والذي يتنازل عن مركزية “الأنا” ليثق بالله دون حدود ويطيعه بمحبة كاملة، وأن يكون رسالة للآخرين مثل إسرائيل.

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO