الحلقة الرابعة والعشرين من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الحلقة الرابعة والعشرين من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

المملكة الميتانية

صعود اشور تم منعه من قبل تشكيل دويلة الميتانيين. كذلك في بداية القرن 14 ق. م، عدد كبير من الدويلات الحثية الصغيرة، في بلاد الرافدين الشمالية وغرب اشور وفي سوريا الشمالية، اتحدت تحت سيطرة واحدة، دون معرفة كيف حدث ذلك. الحثييين كانوا قد هاجروا من المناطق الجبلية الشمالية الشرقية للقوقاس وارمينيا وهم موجودون في بلاد الرافدين في مصادر مكتوبة ابتداء من المنتصف الثاني للالف الثالث ق م. لغتهم ليست لا سامية ولا هندواوروبية وبالتاكيد هي مقاربة فقط للاوراتية. الحثيين تبنوا اللغة المسمارية وتاثروا بعمق كثيرا بثقافة بلاد الرافدين

حين طرد المصريون الملوك الرعاة في عهد السلالة الثامنة عشرة، بدأت مملكة الحثيين انتشارها انطلاقًا من آسية الصغرى (تركيا الحالية) فاحتل حتوسيل الأوّل حلب في بداية القرن السادس عشر ومورسيل الأوّل بابل، عاصمة الأموريين، فنهبها. انتصر الفرعون تموز الثالث في مجدّو الملوك الكنعانيين المتحالفين ونظّم المناطق التي احتلها في ثلاث مقاطعات: أمورو، أوفة، كنعان، وترك لكل مملكة استقلالها الذاتي. وخلفه أمينوفيس الثالث ثم امينوفيس الرابع الذي تخلّص من وصاية الكهنة ونقل عاصمته من طيبة إلى تل العمارنة (حوالي السنة 1370) وحمل معه قسمًا من الأرشيف الدبلوماسي. إكتشف الباحثون أرشيف المصريين في تل العمارنة سنة 1887، وأرشيف الحثيين في بوغازكوي سنة 1907، وأرشيف الساميين في أوغاريت (رأس شمرا) سنة 1929، ووضعوا بين أيدينا لوحة كاملة عن تلك الحقبة من التاريخ

وفي سنة 1370 تقريبًا هاجم الملك الحثي سوفيلوليوما سورية، بعد فترة من الانكفاء، فجعل رجاله على الفرات، في كركميش، ثمّ احتلّ حلب وأوغاريت وسيانو (رج تك 17:10) القريبة من طرابلس بلبنان، وقادش. فهبّت مصر من غفلتها مع حموريمحب، ثم بدأت سياسة توسعية مع سيتي الأوّل مؤسس السلالة التاسعة عشرة. حاول رعمسيس الثاني (رج خر 1: 11، عاصمته في رعمسيس وفيتوم مدينة المؤن والعتاد) أن يخرج الحثيين من سورية، ولكنّه هُزم في قادش (1286 ق. م.) وفُرضت عليه معاهدة (1269 ق. م.) جعلت حدًّا لتقدمه منطقة جنوبي لبنان

قبل أن يصطدم الحثّيون بالمصريين، التقوا بجماعة آتية من أوروبا، أقامت عند انعطاف مجرى الفرات “مملكة ميطاني” وتعبّدت للآلهة ميترة وفارونة وأندرة المعروفة في إيران. فهذه الجماعة الآتية من جبال القوقاس اتصلت بجماعة أخرى آتية من أرمينيا (أوراراطو. رج كلمة أراراط في تك 8: 4 وهي منطقة جبلية ينبع فيها الفرات ودجلة) فتكوّنت جماعة الحوريين الذين أسسوا في نهاية الألف الثالث مملكة صغيرة في أوكيش، على سفح جبل طورس، ثمّ امتدّوا إلى شرقي دجلة. وأقاموا في نوزو (أي ارافا. رج ارفكشاد في تك 10: 22، 24)، شرقي أشور، وتركوا لنا هناك وثائق تعرّفنا بنظمهم وعاداتهم

بعد ذلك انتشر الحوريون في أعالي بلاد الرافدين في ماري (القرن 18) ووصلوا إلى ألالخ في سوريا (القرن 16) ومدّوا نفوذهم إلى الجنوب، فلاقاهم تموز الثالث المتحالف مع الملوك الكنعانيين في معركة مجدّو

أقام بعض الحوريين في اوغاريت، وعرفت أرض كنعان ثلاثة ملوك حوريين، بينهم ملك أورشليم، في زمن العمارنة، والتقى منفتاح بن رعمسيس ببعض الحوريين في شمالي أشقلون عندما كانت جيوشه تحارب هناك حوالي سنة 1240 ق.م. سيتراجع الحوريون فيقيمون في أرض أدوم حيث تجعل التوراة مقامهم (تك 36: 20 ي ؛ رج 2 صم 24: 16- 25 وارونا اليبوسي الحوري)، ولهذا السبب سمّى المصريون كنعان “حورو”.ا

اما اسماء الملوك واسماء الالوهة للمملكة الميتانية، فانها تعود الى اللغة الهندوآرية، فرع من العائلة اللغوية الهندواوروبية. كذلك عناصر من الهندوآرية اشتركت في تشكيل المملكة، حتى فيما يبدو انهم اعتنقوا الثقافة الحثية. لا نستطيع الذهاب ابعد من النظريات البسيطة فيما يخص التركيبة الداخلية والتكوين الاجتماعي للميتانيين، فالبعض من المؤرخين يستنتج بان الاكراد هم من اصل ميتاني. نفس الكلام ينطبق على اعادة بناء الاحداث التاريخية، بحيث انه الى الان لم يستطع علماء الاثار تحديد موقع العاصمة واشوكاني والحفريات تدل على انها ربما هي تل الفخيرية بالقرب من رأس العين في شمال شرق سوريا وتعني باللغة الكردية (الطاحونة والنبع) ويلاحظ ان امتداد هذه الرقعة في منطقة الجزيرة السورية وجنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا محيطة بالعاصمة واشوكاني، والوثائق والنصوص الادبية المنتجة من قبل الحثيين هي غير معروفة تقريبا

الدولة الجديدة لم تستغل فقط سقوط القوة الاشورية ولكن ايضا فترة ضعف المملكة الحثية. في القرن 15 ق.م، استطاع الملك باراتارنا، بغزو حلب، ان يفرض سيطرته على كل سوريا الشمالية، الموقع التقليدي للتاثير الحثي، الى البحر المتوسط. احد خلفائه، شاوشتاتار، استطاع ايضا السيطرة على اشور وربما ان يوسع غزواته ايضا الى منطقة شرق الفرات. على كل حال ميتاني لم تعفى من بعض الضربات القوية. في سوريا دخلت في معارضة، في منتصف القرن 15 ق.م.، مع السياسة العدوانية التوسعية المتبعة من قبل الفرعون المصري تموز 3. استطاع ايضا الحثيون ان يفرضوا انفسهم على الواقع. وابتداء من نهاية القرن 15 نرى تقاربا بين الميتانيين ومصر. كما كان الحال مع الملوك البابليين لهذه الفترة اللذين كانوا يقيمون زواجات مع مصر كذلك الملوك الميتانيين بدأوا باقامة زواجات مع مصر وكانوا مهتمين جدا بالحصول بالمقابل على ذهب فرعون. ارسال صورة العبادة للالهة الاشورية عشتار نينوى لمرتين لشفاء الفرعون امينوفيس 3، يُظهر كثافة العلاقات بين الدول في بعض الحالات في الشرق الاوسط، ويظهر كذلك الى انه في تلك الفترة كان ميتان يسيطر على اشور

قوة المملكة الحثية ادى الى ابرام معاهدة بين مصر وميتاني. الملك شوبيلوليوما (حوالي 1355\45- 1320 ق م) اتجه الى سوريا و الى بلاد الرافدين الشمالية مستغلا ربما التنافس على عرش ميتاني منذ وقت قليل، بينما كان سابقيه قد قاموا بتقوية موقع الحثيين في اسيا الصغرى. في اللحظة الاولى كان الهجوم المباشر لشوبليلوليونا على واشوكاني قد فشل، ولكن الملك الحثي استطاع نزع سوريا من فلك قوة الحوريين. نجاحاته كانت مفضلة من فصل الميتانيين لوحدهم في السياسة الخارجية: بالحقيقة في هذه الفترة العلاقات بين توشراتا، ملك ميتاني، والفرعون امينوفيس 4 (اخناتون) كانت قد تدهورت كثيرا. حملة جديدة ضد واشوكاني فوجئت بعلاقة مع القاتل توشراتا، حمل الانتصار المطلوب لشوبليليوما: المملكة الميتانية سقطت كليا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO