الحلقة الثالثة والعشرين من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الحلقة الثالثة والعشرين من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

اشور والمملكة الميتانية في الالف الثاني ق م

اشور القديمة

في الصفحات السابقة تابعنا تاريخ بلاد الرافدين في المنطقة الجنوبية الاكثر حيوية، اي بابل، الى نهاية الالف الثاني ق م، وما كان له علاقة في الكتاب المقدس. اما الان فانه من المهم عمل خطوة الى الوراء في الزمن لكي نلاحظ تطور الاحداث في بلاد الرافدين الشمالي، اي اشور. حينما اصبحت بابل عاصمة بلاد الرافدين الجنوبي، بدات مدينة اشور في الشمال الواقعة على الحافة الغربية لنهر دجلة تزداد اهميتها التاريخية وقوتها الحربية. منذ العصر الحجري بدا التطور الثقافي في جنوب بلاد الرافدين بينما في شمال بلاد الرافدين بدات تزداد قوتها العسكرية

في اشور الشهادات الاولى لوجود المجمعات السكنية تعود الى الفترة قبل السلالات. ليس بامكاننا اعادة بناء تاريخ الالف الثالث ق م، ولكن يبدو على كل حال، ان اشور، لفترات طويلة كانت تابعة لاكد ولمملكة اور الثالثة. حتى اللغة الاشورية التي تظهر لاول مرة في بداية الالف الثاني ق.م.، هي في الاساس لهجة شمالية تنتمي الى المجموهة اللغوية السامية للغة الاكدية

فيما يخص بدايات الملوكية فانه تنقصنا شهادات تاريخية عن الملوك الاوائل للمنطقة. وتظهر قائمة ملوك اشور للقرن الثامن ق.م.، الى ان الملوك الاوائل ” كانوا لا يزالون يعيشون في الخيم”. هذا يعني بانهم كانوا في البداية يعيشون عيشة البدو. ولكن تتميز ملوكية اشور من البداية بعلاقتها القوية مع مدينة اشور ومع الالوهة الحامية التي تحمل نفس الاسم. لم يكن الرؤساء يُعتبرون كملوك، ولكن كممثلين للاله اشور. الوثائق لم تكن تؤرخ نسبة الى سنوات مملكتهم، كما في العادة في المناطق الاخرى، ولكن نسبة الى مشرعين معروفين، مثل الاستعمال اليوناني (eponimi)

تاسست مدينة اشور بسبب الحاجة الى موقع استراتيجي على طرق التجارة بين سوريا، وايران وبابل. في الفترة التاريخية كانت التجارة مع الاناظول بيد اشور بصورة خاصة. كان التجار يحملون اليها السلع من انتاج اشوري وبابلي، ويستلمون بالمقابل الفضة. ساعدت التنقيبات الاثرية في كانيش (نيشا)، والتي كانت مستعمرة اشورية تجارية في اسيا الوسطى للمعرفة التفصيلية الكافية التي لدينا بخصوص هذه العلاقات التجارية. ويصاحب التطور التجاري دائما التاثيرالثقافي. وهكذا فان التجار، الى جانب الملك، شاركوا في تطور اشور القديمة

في القرن الثامن عشر ق.م. ساعدت التجارة ايضا في تنامي القوة العسكرية لاشور. هكذا يظهر شمشي ادد الاول (1812-1780 ق.م.)، والذي هو ابن امير من منطقة ماري، على الساحل الشمالي لنهر الفرات، ويشكل سلالته الخاصة. الاجيال اللاحقة رفضت هذا الملك بسبب انحداره من اصول بابلية، والذي يظهر واضحا جدا من قبل ثقافته البابلية، وخاصة بسبب محاولته في التوفيق بين الاله البابلي انليل مع الاله اشور

استطاع شمشي ادد ان يستغل تشتت القوى السياسية في منطقة بلاد الرافدين، مثل معاصره الاكثر شبابا حمورابي، ويحصد ثمر المعاهدات التي كانت تعرض له. هكذا فانه في نهاية ملكه استطاع ان يسيطر، بمساندة ابنائه، تقريبا على كل اشور. من هذا التاريخ، ولاول مرة يمكن اعتبار كل المنطقة الشمالية موحدة تحت اسم اشور. ولكن هذا العمل كان محكوما عليه بالنجاح لفترة قصيرة، اقصر من تلك التي كانت للملك حمورابي

ايشميداكان (1780-1740 ق.م.)، بالتاكيد احد ابناء شمشي ادد الاكثر قدرة، لم يتمكن من تثبيت موقعه في لعبة القوى الكبرى وتقلص بسرعة الى الحد الذي فيه سيطر فقط على مركز منطقة اشور. ما زاد من خطورة الوضع لاحقا هو نزوح بدو ايرانيين الى المنطقة، حاول الملك ان يطلب مساعدة حمورابي ولكنه لم ينجح عمليا، وبالعكس هناك بعض الشواهد تجعلنا نعتقد بان الملك البابلي سيطر، لوقت قليل، على اشور. واصبحت ايضا التجارة في حالة يرثى لها. حكم ايشميدكان حدد نهاية المملكة الاشورية القديمة ( المنتصف الاول للقرن 17) وبعد ذلك تنقطع المصادر بصورة كاملة تقريبا لقرون كثيرة ولان اشور كانت قد اصبحت مدينة-دولة بسيطة

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO