تاريخ الصلب

تاريخ الصلب

يقرّ علماء التاريخ اليوم بأنّ الصليب اختراع فارسيّ. لكنّهم يجهلون تاريخ ظهوره وزمن انتشاره بين الحضارات الأُخرى. كان الصليب في البداية قائمًا عموديًّا كجذع الشجرة. وقد ورد ذكره في سفر تثنية الاشتراع بالعهد القديم (تث 21: 23)، وترجمه القدّيس هيرونيمُس بكلمة صليب Crux. واحتفظت اللغة اليونانيّة بكلم قائم Stauros لتُشير بها إلى الصليب. وأُضيف في ما بعد إلى القائم الشاقوليّ آخرُ أُفقيّ أو عارضة، وصار يُثّبت المحكوم عليهم إليها بواسطة المسامير أو الحبال، ويُتركون على هذا النحو حتّى يموتون. كان الصليب منخفضًا، ولا يُصلب عاليًّا إلاّ مرتكبو الجرائم الفظيعة ليكونوا عبرة لمَن يعتبر

اختلفت أشكال الصلبان كثيرًا: فهناك الصليب ذو الأطراف الثلاثة Crux Commisa الّذي يُشبه الحرف تي اليونانيّ، والصليب ذو الأطراف الأربعة الّذي سُمّي immisa أو capitata حيث يعلو طرف القائم العموديّ العارضة الأُفقيّة، وهو شكل صليب المسيح كما ورد في تقليد الكنيسة، وعلى الجزء العلويّ البارز علَّق الجنود سبب الإعدام (متى 27: 37). ويقول القدّيس أيريناوس إنّ صليب لمسيح له أربعة أطراف: اثنان في الطول واثنان في العرض. ويُضيف أنّ هناك أيضًا طرفًا خامسًا لقطعة خشبيّة جلس المُخلص عليها. وهي وضعيّة ضروريّة لكي لا يُمزّق ثقل الجسم اليدين المسمّرتين على عارضة الصليب الأفقيّة، ولكي يتمكّن المحكوم عليه من التوازن 

بالإضافة إلى تنوّع أشكال الصليب، اختلفت طرق الصلب لا من مدينة إلى أُخرى وحسب، بل من إعدام إلى آخر. ممّا يجعل عمليّة التصنيف أمرًا مستحيلاً. ومع ذلك، ميّز هيرودتس نوعين من الصلب الأوّل يُشير إلى صلب الإنسان حيًّا، وثانٍ لتعليق جثّة قتيل على الصليب. في كلتا الحالتين، تبقى الغاية نفسها: أن تنال الضحيّة أشدّ أنواع الإهانة. لذلك تُثبّت على الصليب بالمسامير أو الحبال، وتُترك لتموت ببطء، إن كانت حيّة، أو تُقدّم طعامًا للطيور إن كانت ميّتة. وقد أرهبت هذه الطريقة في الإعدام القدماء فامتنعوا عن الكلام عليها بالتفصيل، ممّا يُصعّب علينا معرفة طرق الصلب. فقد وصف هيرودتس موت بوليقراطس الساموزي وقال: “قُتل بطريقة لا يمكن قولها، وثُبّتت جثّته على خشبة”. ويصف في مكان آخر، وبتفصيل أكثر، إعدام كسانثيب القائد الأثينيّ، الّذي اتُّهم بتدنيس المقدّسات، فيقول “سمّروه على ألواح خشبيّة وعلّقوه، ورجموا ابنه أمام عينيه

بعد هيرودس، صارت الكلمتان مترادفتين، وزال التمييز بين الصلب وعرض الجثّة على قائم خشبيّ. وظلّت طريقة الإعدام متنوّعة، لأنّ من حقّ الجلاّدين تعذيب الضحيّة بوحشيّة كما يحلو لهم. فالفيلسوف سينيكا الرواقيّ يُعطينا على ذلك شهادة قيّمة: “أرى أمامي صلبانًا ليست متشابهة بل تختلف بحسب صانعها: فهناك من يدلّون رؤوس ضحاياهم إلى أسفل، وآخرون يخوزوقونهم، وآخرون يمدّون أذرعتهم على عارضة”. ويتفادى المؤرّخ اليهوديّ فلافيوس يوسف وصف الصلب حين يذكر مصير اليهود الذين حاولوا الفرار من أورشليم المحاصرة في العام 70 ميلاديّ فيقول: “أُلقي القبض على يهوديّ في أثناء غارة، فصلبه طيطس مواجهًا للسور، لآنّ الآخرين سيفزعون من هذا المنظر… وحين كانوا (اليهود) على وشك السقوط في أيدي الرومان، كانوا يُجبرون على الدفاع عن أنفسهم. وبعد المعركة يفوت أوان طلب العفو، فيُجلدون، ويخضعون قبل الموت إلى جميع أنواع العذيب، ثمّ يُصلبون مواجهةً للسور. لا شكّ أنّ آلامهم أثارت الشفقة في نفس طيطس. ولكن: بما أنّ عددهم – وقد بلغ حتّى الخمس مئة في كلّ يوم – كان كبيرًا جدًا، ومن الخطر إطلاق سراحهم أو الاحتفاظ بهم، ترك جنوده يتصرّفون كما يشاؤون، خصوصًا وأنّه أمِل بأنّ مشهد الصلبان الرهيب سيحثّ المحاصرين على الاستسلام. وجعل الجنود يهينون الأسرى من شدّة غضبهم وحقدهم، فيصلبون كلّ واحد في وضعيّة مختلفة. وبسبب العدد الكبير، لم يبقَ أماكن للصلبان ولا صلبان للأجساد

مُستل من كتاب (( الصليب والصلب قبل الميلاد وبعده ))، الأب سامي حلاّق اليسوعيّ، دار المشرق، بيروت، 1995، ص.ص 7 – 10

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO