البابا يترأس قداساً حبرياً بمشاركة رسمية وشعبية حاشدة

البابا يترأس قداساً حبرياً بمشاركة رسمية وشعبية حاشدة

بيروت – وكالة الإعلام الوطنية

توج البابا بندكتس السادس عشر زيارته التاريخية للبنان بقداس احتفالي عند واجهة بيروت البحرية، في حضور حشود كثيفة قدرها الناطق الرسمي باسم الكرسي الرسولي الأب فيديريكو لومباردي بأكثر من 350 ألف شخص وفدوا منذ ساعات الصباح الباكر إلى باحة الاحتفال، وانتظروا “رسول السلام” غير آبهين بحرارة شمس أيلول، همهم الوحيد ملاقاة خليفة بطرس واخذ بركته لتكون معهم مدى الأيام، ينهلون منها معينا لمستقبل يأملونه زاهراً بالسلام والاستقرار لبلدهم والجوار

وضاقت الساحات والطرقات بحشود المؤمنين الذين توافدوا من مختلف المناطق والبلدان المجاورة، من سوريا والاردن والعراق ومصر، وسط اجراءات امنية مشددة اتخذتها القوى الامنية من جيش وقوى امن لتسهيل حركة الباصات التي عملت منذ الفجر على نقل المشاركين الى الباحة حيث سيقام القداس والتي تبلغ مساحتها نحو 160,000م2 لحجز المقاعد، حيث بلغ عدد الكراسي الموزعة نحو مئة ألف كرسي، ولم يتمكن عدد كبير من المشاركين من الجلوس فتابعوا القداس وقوفا، من خلال أجهزة الصوت والصورة المنتشرة، ملوحين بالأعلام اللبنانية والفاتيكانية. وقد سجلت حالات اغماء كثيرة بين المواطنين قام الصليب الاحمر اللبناني باسعافهم

وتضمنت زينة الساحة والمذبح كل العناصر التي تشير الى السلام من شجر الزيتون والأرز، الى خبز الإفخارستية والصليب. فوضعت في الوسط منصة باللون الأخضر على شكل أرزة كبيرة ذات مستويات ثلاث: أكبرها تعلو 18 مترا وثانيها 15 مترا وثالثها 12 مترا، توسطها مذبح وضع على جذعين من أشجار الزيتون اللبناني رمز للسلام. ورفع خلف كرسي البابا الصليب مع المصلوب وفرشت الأماكن التي سيتجول فيها البابا بالسجاد الأحمر

ووصل الحبر الاعظم عند التاسعة والربع الى الساحة بواسطة “البابا موبيلي”، وسار بين الحشود وحياهم وباركهم، فيما كان المؤمنون يطلقون الهتافات والزغاريد ويرفعون الأعلام البابوية واللبنانية وسمعت اصوات المروحيات التي حامت في المكان لتأمين حماية البابا. وسجل حضور كثيف للقوى المنظمة من عناصر الحرس الجمهوري، والأمنيين والكشافة والصليب الأحمر اللبناني

وعند العاشرة وبعدما أُلبس البابا الثياب الكهنوتية باللون الاخضر، اعتلى المذبح محاطا بالاساقفة على وقع ترنيمة “شوبحو لرحميك” باللغة السريانية من الطقس الماروني الذي خدمته جوقة ضخمة مشتركة من جوقات عدة وهي جوقات الأنطونية، سيدة اللويزة، بطريركية الأرمن الكاثوليك، مار يوسف عينطورة والسريان وجوقة بيزنطية

 وشارك فيه نحو 1500 كاهن من كل الكنائس الشرقية

حضر القداس رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وعقيلته السيدة وفاء ونجله شربل، وحشد من الشخصيات الحكومية والوزراء والنواب السابقين والدبلوماسيين وهيئات المجتمع المدني والعسكري وممثلي الأحزاب

واحتفل قداسته بالقداس وفق الطقس اللاتيني. وأطل من على المذبح الذي أنشئ على شكل أرزة وأحاط به كرادلة وبطاركة الشرق الكاثوليك وأساقفة وكهنة ورهبان وراهبات من مختلف العائلات الروحية المسيحية

وقبيل بدء القداس قدم الحبر الأعظم كأساً ذهبية إلى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك الموارنة، الذي ألقى كلمة استهلالية جاء فيها: “حضرة الاب الاقدس، باسم جميع الاشخاص الحاضرين هنا وجميع اللبنانيين، يشرفني ان اعبر لقداستكم عن الفرح الذي ملأ القلوب بزيارتكم لان هذه الزيارة تحمل رسالة السلام الذي يتوق اليه العالم بعامة والشرق الاوسط بخاصة. السلام هو مهمة المسيحيين. انهم يعتبرونه هبة من الله يجب الحفاظ عليها. ويشعر المسيحيون انهم مدعوون الى جعل السلام ثقافة حياة وفقا لكلام المسيح، طوبى لصانعي السلام فانهم ابناء الله يدعون

ان زيارتكم الرسولية الى الشرق الاوسط في زمن تعيش فيه المنطقة تحولات جذرية تهدد امنها واستقرارها، تحمل الكثير من الامل، ان زيارتكم مكملة لاعلانكم النبوي العام 2009 عن انعقاد جمعية خاصة بسينودس الاساقفة من اجل الشرق الاوسط والتي تركز على الوجود المسيحي وشهادتهم ورسالتهم في هذه المنطقة. لقد ادخلها السينودس في قلب “الربيع الروحي المسيحي”، والذي نعتبر ان العناية الالهية ارادته كمقدمة للربيع العربي المنشود

مع قداستكم نصلي، كي تؤدي هذه الاحداث الدامية والتضحيات الى ولادة هذا الربيع. لا شك في ان الارشاد الرسولي الذي سوف تتسلمونه رسميا في خلال الذبيحة الافخارستية سوف يرسم لكنائسنا خارطة طريق نحو هذا الربيع

حضرة الاب الاقدس، ان زيارتكم هي صمام امان في زمن يشعر فيه المسيحيون بعدم الاستقرار ويقاومون باخلاص الوعود التي قطعوها خلال عمادتهم، لكي يؤكدوا تجذرهم بهذه الارض رغم التحديات الكبيرة. ان المسيحي قوي بنعمة المسيح المخلص. اليوم قداستكم تحملون من لبنان الى الشرق الاوسط، رجاء المسيح والدعوة الى السلام، فليستجب الله القدير نياتكم المقدسة والنبيلة التي سوف تحملونها الى المسيح خلال هذه الذبيحة الافخارستية. فليمجد يسوع المسيح

وتليت قراءة من أشعيا النبي، فرسالة الرسول يعقوب عن الأيمان والأعمال، وتلي انجيل القديس مرقس البشير بحسب طقس الروم الملكيين الكاثوليك باللغة العربية، وقراءتان من الرسائل

وبعد مناولة البابا الرئيس سليمان وزوجته و30 شخصًا اختارتهم الكنيسة، القى الامين العام للسينودس نيكولا ايتيروفيتش كلمة شكر قبل ان يسلم البابا بطاركة الكنائس الشرقية الكاثوليكية ورؤساء المجالس الأسقفية الكاثوليكية في تركيا وإيران نسخا عن الارشاد الرسولي في نهاية القداس الحبري

والقى البابا كلمة قال فيها: “الاحتفال الليتورجي الذي انتهى للتو كان فرصة لتسبيح الرب على عطية المجمع الخاص لسينودس الأساقفة من أجل الشرق الأوسط، الذي عقد في 11 أكتوبر 2010 حول موضوع: الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة. “وكانت جماعة المؤمنين قلبا واحدا وروحا واحدة” (أع 32,4). أود أن أشكر كل آباء المجمع على إسهاماتهم. وعرفاني يتوجه أيضا للامين العام لسينودس الأساقفة المونسنيور إيتيروفيتش، من أجل العمل المنجز، وللكلمات التي وجهها لي باسمكم

بعد التوقيع على الإرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط، يسعدني أن أسلمه لجميع الكنائس الخاصة من خلالكم، يا أصحاب الغبطة وإيها الأساقفة الشرقيين واللاتين في الشرق الأوسط. بتسليم هذه الوثيقة، والبدء في دراستها وتطبيقها من قبل جميع العاملين في الكنيسة، رعاة وأشخاصا مكرسين وعلمانيين، ليجد كل فرد فرحة جديدة للاستمرار في رسالته، مرتكزا على الشجاعة والقوة اللتين سيحصل عليهما، ليبدأ في تطبيق رسالة الشركة والشهادة المنبثقة، بحسب مختلف الأبعاد الإنسانية والعقائدية والكنسية والروحية والرعوية، من هذا الإرشاد. أيها الأخوات والإخوة الأحباء في لبنان والشرق الأوسط، وأتمنى أن يصبح هذا الإرشاد مرشدا للتقدم في الطرق المتنوعة والمعقدة حيث المسيح يتقدمكم، لتثبيت الشركة في الإيمان والرجاء والمحبة في بلادكم وفي كل جماعة، لتعطي مصداقية لشهادتكم للقدوس، الإله الواحد والثالوث الذي اقترب من كل شخص

أيتها الكنائس الحبيبة في الشرق الأوسط، انهلي من ينبوع الخلاص الأصيل الذي تحقق على هذه الأراضي الفريدة والمحبوبة بين الجميع. تقدمي على خطى آبائك في الإيمان، الذين فتحوا، بثباتهم وإيمانهم، طريقا لجواب البشرية على وحي الله. اكتشفي في بهاء تنوع القديسين، الذين أينعوا في أرضك، الأمثلة والشفاعة التي تلهم ردك على دعوة الرب للسير نحو أورشليم السماوية، حيث سيمسح الله كل دمعة من عيونكم (راجع: رؤ 4,21)! لتكن الشركة الأخوية عضدا في الحياة اليومية وعلامة للاخوة العالمية التي جاء يسوع، الابن البكر بين كثيرين، لإقامتها. هكذا، في هذه المنطقة التي شاهدت الأعمال واستقبلت الكلمات، يستمر الإنجيل يسمع صداه كما فعل منذ أكثر من ألفي عام مضت، فليكن معاشا اليوم وإلى الأبد

وانتهى القداس الحبري في الواجهة البحرية لبيروت على وقع ترنيمة “يا مريم سلطانة الجبال والبحار”، صافح البطاركة والكرادلة والأساقفة

ثم ألقى البابا كلمة مقتضبة قبل صلاة التبشير الملائكي، قال فيها: نتضرع للسيدة العذراء لتساعد كل شعوب المنطقة وبخاصة الشعب السوري. تعرفون المشاكل التي تعصف في المنطقة فالالام كثيرة، لا نزال نستمع الى صراخ الارامل والايتام والنساء والاطفال هم اول الضحايا. لماذا هذا الكم من الموت. ادعو المجتمع الدولي والدول العربية الى اقتراح الحلول التي تحترم حقوق الانسان

وتابع: احترام حقوق الانسان من الحقوق الضرورية وبخاصة حرية ممارسة الشعائر الدينية. ليس من السهل ان نحترم الاخر ونحبه اذا كان مختلفا جدا لكن هذا ضروري من اجل ان يحل السلام. اتمنى ان يحل السلام في هذه المنطقة، وان يفهم الجميع اننا اخوة العذراء امنا تفهم ذلك، ونحن بمعية الاساقفة والكرادلة نود ان نتضرع للعذراء لحماية الشرق الاوسط. اتمنى ان تتحلوا بالايمان لتعيشوا معا كاخوة. نصلي للسيدة العذراء

ثم منح البابا البركة الختامية وغادر المذبح على وقع مزموري “إليك يا رب أصرخ” و”خلص شعبك”، وصافح الرئيس سليمان وعقيلته وصعد إلى “البابا موبيلي” ليشق طريقه عائدا إلى مقره في السفارة البابوية في حريصا، وسط تصفيق حاد وهتافات المؤمنين

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO