روحانية فصحية للعمل الرعائي اليوم 2

روحانية فصحية للعمل الرعائي اليوم 2

بقلم الأب د. سميح رعد

روما، الجمعة 24 أغسطس 2012 (ZENIT.org)

2. روحانية قيامية

. “أنتم من هذا العالم ولستم من هذا العالم”

في النّصّ المقدّس الذي يعرِّفه التقليد الشريف بالعظة الكهنوتيّة، ما بعد العشاء السيّديّ الأخير، نجد هذه المفارقة حول رؤية السّيّد للعالم: “أنتم من هذا العالم ولستم من هذا العالم”

يقول النصّ المقدّس: “حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ، كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. فَالَّذِينَ وَهَبْتَهُمْ لِي، رَعَيْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاكِ، لِيَتِمَّ الْكِتَابُ أَمَّا الآنَ فَإِنِّي عَائِدٌ إِلَيْكَ، وَأَتَكَلَّمُ بِهَذَا وَأَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، لِيَكُونَ لَهُم فَرَحِي كَامِلاً فِيهِمْ أَبْلَغْتُهُمْ كَلِمَتَكَ، فَأَبْغَضَهُمُ الْعَالَمُ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ. وَأَنَا لاَ أَطْلُبُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ. فَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ. قَدِّسْهُمْ بِالْحَقِّ؛ إِنَّ كَلِمَتَكَ هِيَ الْحَقُّ. وَكَمَا أَرْسَلْتَنِي أَنْتَ إِلَى الْعَالَمِ، أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا أَيْضاً إِلَيْهِ. وَمِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أُقَدِّسُ ذَاتِي، لِيَتَقَدَّسُوا هُمْ أَيْضاً فِي الْحَقِّ.” (يو 17: 12 – 19). كما يقول الرسول بولس في الرسالة إلى أهل أفسس (2: 19) “إِذَنْ، لَسْتُمْ غُرَبَاءَ وَأَجَانِبَ بَعْدَ الآنَ، بَلْ أَنْتُمْ رعيّة مَعْ الْقِدِّيسِينَ وَأَعْضَاءٌ فِي عَائِلَةِ اللهِ”

لنتذكّر أنّ كلمة رعيّة في الأصل اليونانيّ: Parokoi هي مجموعة الأجانب أو المهاجرين أو المقيمين في الحاضرة أو المدينة، وقد أخذ هذا الاسم سريعًا مجموعة الكنائس المسيحيّة في مختلف المدن في الحواضر اليونانيّة. وفي اللّغة اللاتينيّة Parochus أخذت معنى رعيّة بالمفهوم الكنسيّ المتداول حتّى اليوم. وبلغتنا العربيّة أيضًا نجد هذين المعنيين، أوّلاً الرّعيّة بالمعنى الكنسيّ المتعارف عليه، ثانيًا: رعايا دولة ما، أي مواطنيها، الذّين يقيمون في دولة أخرى. نقول في اللغة: “طَلَبَتِ السِّفارَةُ مِنْ رَعَايَاهَا الاتِّصالَ بِها عاجِلاً”، أي الْمُواطِنونَ التَّابِعونَ لَها، أَي الحامِلونَ لِجِنْسِيَّةِ البَلَدِ الَّذي تَنْتَمي إِلَيْهِ السِّفارَةُ، أي الأجانب في البلد المقيمين فيها. من خلال هذين التعريفين يمكننا الدخول من جديد في المعنى الروحيّ “أننا من العالم ولسنا من العالم” أو “غرباء” أو “مهاجرون” في قلب حاضرتنا أو مدينتنا

هذا الترادف في المعنى الإنجيليّ ربما لا نعيه أنّه بتناقضاته الكبيرة، في مجتمعاتنا المختلفة، هو من صلب واقعنا… هو هذا التجاذب بين القيم: قيم الإنجيل من ناحية أولى وقيم العالم من ناحية أخرى. لا نراهنَّ كثيرًا على أن مجتمعنا قد نجا من قيمه العتيقة، أو هو متمسك بشدّة بقيم الإنجيل. ففي الماضي كان هناك تحدِّيات كبيرة أمام تجذّر القيم الإنجيليّة في حياتنا اليومية، واليوم هناك عناصر جديدة كثيرة تقوم بدور قلع قيم الإنجيل وزرع قيم أخرى مكانها، من الكتاب إلى شاشة التلفزيون، إلى قيم الحزب أو التيار، إلى المدرسة والجامعة، إلى الجريدة أو المجلة إلى المسرح أو الشاشات الكبيرة… هذه ينابيع مهمة… والينبوع الأكبر للقيم الجديدة لمراهقينا وشباننا اليوم هو عالم المعلوماتية: الانترنيت، حيث أصبحت المعلومات تصل من أي حدب وصوب. كلّ هذه الينابيع والمصادر التي تغذِّي العقول، ستكون مصادر غربة، شئنا أم أبينا، وهذا التلاقي سينتج عنه طريقة معرفة جديدة، وبالتالي محاولات لعيش اختبارات حياتيّة ليس من المستبعد أن تتحوّل في وقت من الأوقات إلى سلوك… وستخلق هذا الترادف أو التضاد بين “قيم الإنجيل” و”قيم العالم”. هذه حالة غربة سوف يعيشها المسيحيّ، وسوف تتجلّى بجدّ “أنتم من هذا العالم ولستم من هذا العالم”

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO