الحلقة السادسة من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الحلقة السادسة من مدخل الى الكتاب المقدس وتاريخ بلاد الرافدين

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

بالرغم من بعض الثغرات في تاريخ بلاد الرافدين ولفترات طويلة، لكن من الممكن كتابة التاريخ بشكل علمي. في بابل كانت السنوات تسجل من خلال بعض الاحداث كبناء المعابد، وانشاء سور المدينة، وخاصة بالاعتماد على السنة الاولى لمُلك الملك الجديد. بحيث اننا نستطيع الى القرن 15 ق.م. اعادة كتابة التاريخ مع اخطاء طفيفة لبعض سنين قليلة، بينما تزداد نسبة الخطأ شيئا فشيئا مع الرجوع بالزمن. بالنسبة لفترة النصف الاول من الالف الثاني فاننا لا نستطيع اثباتها بدقة: نملك تزامنات لملوك ممالك اخرى، ولكن هذه التواريخ تبقى نسبية. كل الاحداث والسلالات التي قبلها يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار بانها غير دقيقة. حد الخطأ في التواريخ المنسوبة الى بداية الالف الثالث ق.م.، يصل حتى الى 100 سنة. الفترات التاريخية الاقدم من اكتشاف الكتابة ستبقى فقط نظريات تحتاج الى اثبات بمساعدة الاكتشافات الاثارية. ولهذا يجب البدء بكتابة التاريخ منذ عصر بداية الكتابة وهو العهد السومري، وبعدهم توافدت اهم الشعوب الذين تركوا اثرهم في تاريخ وحضارة بلاد الرافدين وهم: الاكديون، الاموريون، الكاشيون، البابليون، الاشوريون، الكلدانيون، الاراميون، الفرس، اليونان، البارسيتيون والساسانيون ثم المسيحيون ثم الاسلام

السومريون وبناء المدن الاولى تحت سلطة مركزية (امراء كهنة) : اسم السومريون يعود الى التسمية التي أُعطيت لاسياد سلالة اور الثالثة، وتم ذلك في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، بحث ان هؤلاء كانوا يسمون انفسهم ملوك سومر واكد، اي ملوك بابل الجنوبية والشمالية. وكانوا معروفين بسكان بلد الكينجر. مسألة اصلهم، كما قلنا سابقا، لازالت الى اليوم مسالة نقاش بين الدارسين

كان يتم الكلام سابقا عن نظرية هجرة السومريين، وهذه النظرية كانت ترتكز بصورة خاصة على فكرة ان ارض بلاد الرافدين الجنوبية هي ارض حديثة من وجهة نظر جيولوجية، وقلنا انه افتراض، كما راينا، قد تم تجاوزه من قبل الكثير من العلماء. اصحاب هذه النظرية، على كل حال، كانوا يستندون على ان اللغة السومرية لا تنتمي الى عائلة اللغات السامية، بحيث انه لا يتم تصريف جذر الكلمة، ولكن يتم اضافة “انكلوتيناتي” في بداية الكلمة و نهايتها، مثل اللغات: المنغولية واليابانية والتركية والهنغارية والفيلندية. الشعوب التي تتكلم هذه اللغات وصلوا الى اماكنهم الحالية من الشرق، ولهذا فانه تم البحث عن موطن السومريين الحقيقي في اسيا الوسطى وحتى في اسيا الشرقية

ولكن هناك شيء غريب يلاحظه علماء الاثار في فترة ما قبل التاريخ، اي ما قبل السومريين وهو: ان اكثر اسماء المدن المبنية في بلاد الرافدين في تلك الفترة ليست من اصل سومري. ولهذا فانه فيما اذا كان هناك شعوب تسكن في بلاد الرافدين الجنوبي في ذلك العصر فانهم ليسوا سومريون، حسب هذه النظرية، ويجب ان يكونوا من سكان المنطقة الاصليين، اي انهم شعوب اصليين ولكن ليسوا سومريون، ولهذا فان اصحاب هذه النظرية يعتبرون سكان بلاد الرافدين الاصليين هم شعوب قبل السومريون، بينما يعتبرون السومريين ليسوا السكان الاصليين لهذه المنطقة، هكذا فانهم يعتبرونهم شعوب مهاجرة وقادمة من خارج بلاد الرافدين

ولكن الى ان يتم اكتشاف اثار اخرى تؤكد هذه النظرية فاننا نستمر في هذا البحث التاريخي. خاصة ان ما يهمنا هو بداية الحضارة التي بدات مع اكتشاف الكتابة من قبل السومريون سكان بلاد الرافدين في ذلك الزمان، قبل ما يقارب ستة الاف سنة
على كل حال فانه في الوقت الحاضر لا يستطيع العلماء ان يعرفوا بدقة من اي وقت يمكن تسمية سكان بلاد الرافدين الجنوبي بالسومريين، فيما اذا كان انطلاقا من فترة اوروك او من فترة عوبيد

ولكن شيء واحد يمكننا ان نوضحه اليوم وهو ان الحضارة السومرية العظمى ولدت بالحقيقة من الحاجة الى الحصول على ارض خصبة لزراعة الحبوب والخضراوات من خلال الري الاصطناعي. فقط بهذه الطريقة، بالحقيقة، بسبب قلة تساقط الامطار، كان ممكنا الانتاج الزراعي، باختلاف ما كان في بلاد الرافدين الشمالي. ولكن العمل الضروري كان ممكن ان يتم فقط من خلال جماعة، مقادة من قبل قوانين دقيقة، حتى اذا كانت في البداية غير منتظمة

في هذه الفترة كانت السلطة المدنية والدينية العليا متمركزة بيد مايسمونهم امراء كهنة ( بالسومرية) . ممكن تمميز الامراء الكهنة عن بقية الشعب عن طريق تسريحة اللحية والشعر الطويل وعن طريق ملابسهم الخاصة، والتي كانت تنورة تبدا من الخصر، وشفافة. وهناك اثار مكتشفة تبين الامير الكاهن يقدم الخدمة للالهة عشتار او لكاهنته

في نهاية الالف الرابع قبل الميلاد بدأ التناقص التدريجي لمستوى الخليج العربي، كما رأينا سابقا، مما زاد من سرعة جريان دجلة والفرات، فادى ذلك الى زيادة جفاف المنطقة الواقعة بين النهرين. ولذلك اصبح السقي الاصطناعي اكثر اهمية. للتمكن من العيش، تشكلت جماعات اكثر ثبات على ضفاف الانهار، لها قابلية انشاء مشاريع بامكانياتهم الخاصة. شيئا فشيئا هذه الجماعات، وتحت قيادة رؤساء كفوئين، كانت تتطور الى حد الوصول الى “مدينة

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO