الحلقة الرابعة من مدخل الى دراسة الكتاب المقدس وبلاد الرافدين

الحلقة  الرابعة من مدخل الى دراسة الكتاب المقدس وبلاد الرافدين

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

مختصر تاريخ بلاد الرافدين

كنت قد القيت بعض المحاضرات العامة عن هذا الموضوع ونشرت البعض منها ايضا في مقالات بشكل مختصر، ولكن الان اعطي هذا الموضوع ضمن الحلقات الخاصة بالمدخل الى الكتاب المقدس وبلاد الرافدين وبشكل اوسع. نظرا لطلب الكثيرين اللذين لم يحضروا حينها المحاضرات العامة ولم يقرأوا المقالات خاصة خارج القوش

مصطلح بلاد الرافدين

(باليونانية: Μεσοποταμία، “ميسوپوتاميا”، بمعنى بلاد ما بين النهرين) استعملها اولا اليونانيون بحيث كانوا بالاصل يقصدون بها الجزء الشمالي فقط من المنطقة الواقعة بين النهرين الكبيرين دجلة والفرات، بينما كانوا يسمون الجزء الجنوبي بابل. بلينس الاكبر في القرن الميلادي الاول كان اول من عمم هذه التسمية على كل المنطقة الواقعة بين الجزء الجنوبي من جبال طوروس وبين الخليج العربي

هذه البلاد يقسمها علماء الاثار والتاريخ الى منطقتين رئيسيتين: الجنوبية هي بابل والشمالية هي اشور
لوقت طويل اعتقد الباحثون بان الخط الساحلي للخليج العربي كان في منطقة اعلى مما هو الان بحيث ان الجزء الجنوبي لبلاد الرافدين، من وجهة نظر جيولوجية، هو ارض حديثة. وفقا لهذا الاعتقاد، فان السكان الاوائل لهذه المنطقة، كانوا قد جاءوا من منطقة اخرى، ربما من الهند ولازال البعض من العلماء ملتزمين بهذا الاعتقاد

في الخمسينات من القرن الماضي، ضعفت هذه النظرية، بسبب حفريات الابار النفطية
قبل حوالي 16000 سنة كان مستوى سطح البحر ادنى مما هو عليه الان، وان الخط الساحلي كان يقع بالقرب من مضيق هرمز، بدأ البحر يرتفع تدريجيا نحو الشمال بسبب الانصهارات الجليدية، الى حوالي 400 كم باتجاه الداخل، اي باتجاه الشمال، وكان دجلة والفرات في هذه الحالة يلتقيان منفصلين في الخليج مباشرة

قبل حوالي 6000 سنة، بدأ البحر بالانسحاب ببطء بسبب الجفاف، بحيث ان دجلة والفرات لا يلتقيان منفصلين في الخليج بينما يلتقيان في شط العرب الذي بدوره يصب في الخليج. التناقص التدريجي لمستوى الخليج، زاد من سرعة جريان النهرين مما ادى الى زيادة جفاف المنطقة الواقعة بينهما
هكذا فان العلماء يعتقدون اليوم بانه في بداية العصر التاريخي كان جنوب بلاد الرافدين قابل للسكن في جزء كبير منه، وان السكان الاوائل لهذه البلاد هم سكان اصليين لهذه المنطقة وليسوا مهاجرين من الهند او غيرها

هاتان النظريتان لازالتا قيد النقاش بين علماء الاثار والتاريخ، والى ان يصل الطرفان الى حل نهائي فاننا نستمر في موضوعنا الاساسي للبحث في الفترات الزمنية التي بدات فيها الحضارة في بلاد الرافدين بعد استقرار مياه الخليج
وما يلفت النظر اليوم في بلاد الرافدين نرى بانه يتميز بملامح واسعة من السهول والصحاري والتلال المتكونة من الاثار القديمة، والتي يوجد قسم كبير منها في المناطق الواقعة خارج المنطقة الخصبة، بسبب تعرضها للجفاف. بالنسبة للجيران والاعداء والرحالة كانت ارض بلاد الرافدين هي ارض الميعاد وسماها الكتاب المقدس “جنة عدن” قصة خلق العالم الثانية (تك 2) اي بالسومرية، يعني “سهب”، “صحراء

ولهذا فانه واضح بان هذه الجنة في الصحراء تجلب انتباه الشعوب المجاورة وتسبب صراعات الى اليوم. ولهذا فان كل تاريخ بلاد الرافدين هو تعاقب لشعوب كانوا يحصلون على السلطة بطرد الذين كانوا قبلهم، وبعدها يُطردون هم ايضا. ولهذا السبب فان حضارة بلاد الرافدين تتميز جذريا عن الحضارات الاخرى الكبيرة، بسبب تاريخها المليء بالحركة ومن خلال حدودها المفتوحة على كل الجهات، ولهذا فان الكثير من الشعوب تركوا اثرهم الحضاري. وهكذا فانها تقدم تعددية الافكار وتعابير دينية مختلفة، لان الشعوب الجديدة التي كانت تصل الى المنطقة كانت تحمل معها اكتشافات جديدة. وكانت الكتابة السبيل الوحيد الذي يضمن الاستمرارية. هكذا اكتشفت الكتابة في بلاد الرافدين

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO