الحلقة الخامسة من مدخل الى دراسة الكتاب المقدس وبلاد الرافدين

الحلقة الخامسة من مدخل الى دراسة الكتاب المقدس وبلاد الرافدين

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

ما قبل التاريخ

يقصد علماء التاريخ وعلماء لاثار بمصطلح “ما قبل التاريخ” هو عهد ما قبل اكتشاف الكتابة، وخاصة الكتابة السومرية. بحيث ليس لدينا معلومات مكتوبة، وانما نظريات وافكار علماء التاريخ

وما يقابله في الكتاب المقدس هو قصص خلق العالم في سفر التكوين (تك 1-11). فاذن عصرما قبل التاريخ هو ذلك العهد الذي يظهر فيه الانسان والذي ليس لدينا مصادر مكتوبة عنه. وهي المرحلة التي تمتد ما بين حوالي 300000 سنة قبل الميلاد الى نهاية الالف الرابع قبل الميلاد. تاريخ البشرية يبدا اذن في العهد الحجري (الباليوليتيكو) الوسيط والمتاخر، مع قدوم انسان النيانديرتال. تم اكتشاف بقايا لانسان النيانديرتال من خلال ما اكتشف من ادوات صخرية في المناطق الجبلية الغربية والشمالية من بلاد الرافدين وفلسطين، حيث كان الانسان يبحث عن ملجأ نتيجة الاحوال الجوية في كهوف او تحت المخابيء

في بدايات العهد الحجري الحديث تم طرد انسان النيانديرتال من قبل الانسان العاقل، جدنا المباشر، الذي ربما وصل الى اوروبا الغربية والشرق الاوسط من افريقيا. بعد ذلك تم التحول من مرحلة بدوية، يتغلب عليها الصيد والجمع ( المعروف food collection / gathering –stage )، الى مرحلة مستقرة، مع تحول متوازي في الانتاج الغذائي من قبل شعب زراعي (established food – producine -stage )

حوالي السنة 8000 قبل الميلاد، تبدا ما هو معروف “بثورة العصر الحجري الحديث”، بحيث احرز الانسان تقدما مهما، وبدأ باستخدام النباتات القابلة للاكل وبتدجين بعض الحيوانات. مرحلة التحول هذه تم معرفتها عن طريق الاكتشافات التي تم الحصول عليها في منطقة سواحل البحر الابيض المتوسط الخصبة، الذي يمتد من الجزء الشمالي لشبه الجزيرة العربية، ومن الجبال ساكاروس الى الشرق، مارا ببلاد الرافدين واسيا الصغرى الجنوبية، الى المناطق الساحلية للبحر الابيض المتوسط الى الغرب، حيث تشكل شبه دائرة مثالية. اهمية هذا الاقليم كانت تتمثل بتساقط الامطار المنتظم، التي كانت تسمح بفلاحة الارض الابتدائية، دون اللجوء الى عمليات معقدة، مثل انشاء قنوات الري، وكذلك وجود حيوانات برية التي كان من الممكن تدجينها، الخروف البري والماعز. اول الحبوب المزروعة كانت الحنطة والشعير

هكذا على طول المجرى الشمالي لنهر دجلة والفرات، حيث تساقط الامطار كان يسمح بفلاحة الارض، نجد محلات الاقامة الاولية الثابتة، متكونة من اكواخ نصف دائرية وبيوت برسم دائري ومربع. هي بالاحرى الاماكن الاولى للاقامة التي من الممكن مقارنتها باريحا
منذ المرحلة الاولى للسكن تم تطوير شيئا فشيئا تقنية زراعية افضل: “تم ابتداع” الطابوق الصلب(الخام) الذي، بجانب الطين المضغوط والحجر، بقي الى اليوم المادة الخاصة للبناء في الشرق الاوسط بسبب سهولة البناء فيه. كان يتم مزج الفخار او الطين مع الماء والتبن، لتقويتها، ويتم ضغطها بكابسة، ثم كان يترك الطابوق ليجف في الهواء من 8 الى 14 يوم. هذه العملية في البناء توضح الصورة الكتابية لخلق الانسان من الطين

دراسات حديثة ميزت، في هذه المرحلة المتقدمة من التطور الانساني، اعمال فنية كبيرة وابنية تظهر اثار وجود عبادة للاباء الاوائل، كما يتم استنتاج ذلك من تخزين الجماجم البشرية في بيئات محددة
ربما الاهم من ابتداع الطابوق هو ابتداع الخزف، الذي عوض استعمال الاوعية النباتية او الاوعية الخشبية، الجلدية، الحجرية او الفخار الصلب. ظهور الخزف يبين مرحلة اخرى اكثر متقدمة، بعد الابتداع. توجد ايضا الاختام الاولية التي تثير الانتباه. لهذا الغرض كان قالب الختم يتم كبسه على الواح من الطين، المسمات لوالب او كريتول، والتي كانت تستعمل لختم وعاء او باب

بعد العصر الحجري الحديث (النيوليتيكو) ياتي في الالف الخامس الكالكوليتيكو، يسمى هكذا بسبب استثمار الرصاص، حيث مثبت لاول مرة بجانب الحجر. المرحلة الاولى متميزة بتفضيل الخزف المزخرف بالالوان والتي كانت تحمص في افران من قبل خزاف قانوني. في نقش الاحجار الكريمة، على السطح المصور ولاول مرة يتم تصوير بعض الحيوانات الى جانب الاشكال الهندسية. لاحقا يتم وضع صور بشرية او صور لاشكال مجسمة بشكل الانسان وبراس حيوان. توجد ايضا تماثيل صغيرة من الحجر مجسمة بشكل بشر مع اواني كان لها دور تقادم الموتى. كان الموتى يدفنون اماكن مسيجة للموتى او تحت البيوت السكنية. التماثيل ربما كانت تخدم الموتى في الحياة الاخرة والاواني كانت تحتوي على الاكل والشرب. بالاضافة الى النحت على الحجر كان يوجد هناك ايضا موديلات اخرى من الفخار والرسومات، كقاعدة عامة كانت تمثل نساء على اشكال ثرية

بالنسبة لفن العمارة نجد الاسوارالاولى “مدنية” ( في حفريات تل الصوان في العراق) وباشكال مستطيلة باكثر من رواق، والتي تمثل اماكن سكن ممكن عبور الواحدة من الاخرى. الى جانب هذه البنايات تم وضع بشكل مستقيم بنايات دائرية بقطر نوعا ما واسع، تسمى thòloi بسبب تشابهها مع نفس النوع من البنايات اليونانية القديمة. البعض من هذه البنايات كان لها جسم مستطيل، المسماةdròmoi . هذهthòloi كانت تستعمل لاغراض دنيوية وليس لاغراض مقدسة، بالحقيقة ربما كانت اماكن مستعملة كمخازن

من ملاحظة المظاهر الحضارية للعهد الكالكوليتيكو يلاحظ وجود اختلاف مدهش. التطور حدث بشكل سريع مما كان يعتقد انه استمر وقتا طويلا
هذه المرحلة تسمى عبيد ( من منتصف الالف الخامس الى منتصف الالف الرابع قبل الميلاد) نسبة الى اسم احد المواقع الاثرية قرب اور. يبدو ان التجارة كانت تهتم ايضا باشياء اخرى مثل بضائع النحاس. اشكال الفخار التي كات على اشكال غنية تم استبدالها باشكال انثوية رشيقة القوام، والتي تبدو واقفة على نقطة. بينما قليلة هي الاكتشافات على اشكال ذكرية. في مجال فن العمارة نجد بنايات مقدسة، من الواضح جدا معرفتها، مكتشفة في اريدو وجنوب اور وفي اماكن اخرى. هذه البنايات تمثل المعابد الاولى في اوروك للفترة السومرية

في عهد اوروك،الذي يبدأ حوالي بداية الالف الثالث قبل الميلاد، سكان بلاد الرافدين يصلون الى اوج حضارتهم ولاول مرة. مبتدعي الحضارة المدنية العظيمة والتي تتطور في هذه الفترة كانوا بالطبع السومريون، اول شعب، والفضل يعود الى اختراع الكتابة، تخرج من ظلام ما قبل التاريخ والتي نستطيع معرفتها اكثر

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO