الأحد الثاني من الصيف

الأحد الثاني من الصيف

أفكار خاطئة عن الله

لوقا
15: 4-31

يقول نقاد الأدب العالمي: إن قصة الأب
الحنون
والمعروفة لدى الجميع “قصة الابن الشاطر أو قصة الأبن الضال

هي من أجمل الصفحات التي كتبت في تاريخ البشرية …. كونها صفحة تذهب مباشرةً إلى
قلب الإنسان… أنها دعوة إلى الفرح… دعوة إلى توسيع القلب… دعوة للدخول في
عمق سر الله، وبالتالي في عمق سر الإنسان؛ لأن معرفة الإنسان لنفسه تتعلق بمعرفته
لوجه الله الحقيقي… وما أحوجنا إلى معرفة الله كي نعيش في داخلنا فرح الله

هناك نوعان من الأفكار التي كانت الأفعى قد عرضتها لحواء، في نص “قصة الخطيئة الأصلية”: الفكرة الأولى الخاطئة عن الله هي: أنه عدو الإنسان وخصمه؛ والفكرة الثانية هي: رغبة العيش في الوحدة، وتحقيق الذات، دون الحاجة إلى الله. هتان الفكرتان تتجسدان في نص الأب الحنون أو ألابن الضال، فهي أولاً رغبة الله في سعادة الإنسان والوحدة معه والثانية رغبة الإنسان في الابتعاد عن الله. للأسف، الحديث عن حقيقة الله وعن الذات هو دوما مشوّه. فالمجرّب يقول دوما أفكاراً خاطئة عن الله، وهذا ما يحدث في فكر الإبن الأصغر عندما يبدأ بالاعتقاد أن أبوه مستبد ولا يهب له الحرية، لكن الأبتعاد والشعور
بالضيق يجعله يفهم ما معنى أنه أبن الله. لم تكن هذه فكرة الأبن الصغير بل هي موجودة أيضاً عند الأبن الأكبر لكن بشكل آخر

يمكننا أن نقرأ فكر الأبن الأصغر المذكور في نص اليوم بهذا الشكل: “أنا لا أشعر بأنني سعيد معك، أشعر بأنك عدوٍ لي، أشعر بأنك سيد وتريد أن أبقى تحت سلطتك مثل السجين. ليس لدي خيار آخر سوى أن أهرب منك وأعيش حياتي الخاصة. لذا، أعطني كل ما يعود لي من الأشياء والأموال”. الشيء الذي يعنيه الابن الأصغر هو البحث عن كيانه وقيمته من خلال المال وحرية التصرف. يذهب انتباه الأبن الأصغر إلى الأشياء وليس للذي يعطيه الأشياء أو الموال أي إلى الأب. هذه هي الفكرتين التي يسعى الرب يسوع إلى تصحيحها من خلال المثل، فالكثير يفكر بأن الله يجعل ذاتي سجينة، التي هي كياني الشخصي، بالتالي ليس لي إكتفاء، بينما الأشياء والمال هي التي ستعطي لذاتي هذا الاكتفاء. هذه هي الأفكار التي نعتقد بأنها ستهب لنا كياننا الحقيقي وتشوّه مفهوم الله ومحبته. فهي تبدو لنا وكأنها من ممتلكاتنا ويمكننا أن نفعل ما نريد. لا ننظر إلى هذه الأشياء على أنها هدية تعطى لنا من الله، كي نستعملها للعيش وأن تجعلنا سعداء

مع هذه الفكرة المشوهة الموجودة في فكر الإنسان، عليه أن يأخذ القرار، إما أن يبقى في بيت الآب أو يقرر بالابتعاد عن الله والآخرين فيصبح وحيداً، وهذا يعني أنه يسير عكس فكرة الخلق التي يذكرها كاتب سفر التكوين في بداية خلق الإنسان

قصة الابن الضال هي قصة كل واحدٍ منا حيث فيها: فترة ترك وإنتظار؛ عودة وغفران حياة معاشة في المشاعر، حياة قائمة على الحب. إنها تاريخ الإنسان العام، في تناقضاته وسقطاته. إنها القصة التي توضح محتوى محدودية وعدم نضوج الإيمان، تجاه الحب الأبدي المقدم من قبل الله

الفرصة التي تتيح للأبن الأصغر أن يكتشف
خطأه هي الجوع، لأنه يعلم بالرغم من أنه بعيد عن أبيه، هو الوحيد الذي سيشبعه لأنه
يعطي الخبز ليس فقط لأهل البيت بل أيضاً لعبيده، وبالتالي أكيد في عودته إلى البيت
سيعطى له أيضاً شيئاً ليأكل. أنه يفكر فقط في بطنه. لكن هناك شيء مهم في هذا
التفكير أنه بدأ يرسم صورةً جديدة عن أبيه صورة تختلف عن تلك الأولى

المهم هنا أن أحدى التصورات الخاطئة التي
جعلته يذهب بعيداً ويبتعد عن بيت أبيه، تلك الفكرة التي جعلته يفكّر بأنه يستطيع
أن يحقق ذاته لوحده كانت فكرة خاطئة، والآن بعد هذه الخبرة التي قام بها، اكتشف
بأنه لا يستطيع تحمل الحياة لوحده، ولا يقدر أن يقف على قدميه بدون الأب. الأيام
الصعبة التي مرّ بها جعلته كل يوم عبيداً لسيد آخر الواحد أسوء من الآخر. سقوطه
تحت ثقل العبودية جعله بأنه اقترف خطأ جسيماً في حسابات فكره، في تحقيق الذات.

والآن يأتي وقت المراجعة الذاتية: هل أستطيع
أن احقق ذاتي لوحدي؟ الحقيقة نجدها في كلمات الرب: “بدوني لا تستطيعون أن
تعملوا شيئاً”. هناك صدف كثيرة ومناسبات عديدة تجعلك على قيد الحياة، من هذه
الصدف أنك تلتقي بأشخاص في حياتك، يساعدوك على تحقيق ذاتك، وفي مقدمتهم الله.

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO