مع زيارة الاب مهند الدومنيكي لكالغري: تطلعات رسوليه في ظل كنيستنا الجامعة

مع زيارة الاب مهند الدومنيكي لكالغري: تطلعات رسوليه في ظل كنيستنا الجامعة

الاب نويل فرمان – كالغري

كانت الزيارة الأخوية للراهب الدومنيكي الاب مهند الطويل الى كالغري، زيارة قصيرة ولكنها حلوة وقد أمضينا معظمها في الخدمة المشتركة للكنيسة الفرنسية والرعية الكلدانية.

في هذه الزيارة القصيرة، وخلال الفترات الفاصلة بين موعد وآخر وعلى مائدة أو جلسة جانبية، اتاحت لنا تلك الفرص قدرا طيبا من التداول واستمزاج الآراء في شؤون متنوعة. كما توفرت الفرصة لنقدم للجماعتين الكنسيتين اللتين التقاهما، وجها مشرقا للدعوة المسيحية المعاصرة التي يستجيب لها شباب اليوم.

قواسم مشتركة: الخدمة الكهنوتية الرسولية المنفتحة على آفاق الكنيسة الجامعة الأم

لقد كان عاملا مشتركا، في الخدمة المقدمة بالجهد المتوفر، كل واحد في ظرفه ومكانه، سواء أخي في الكهنوت الاب مهند، أو كاتب السطور، مما تجلى خلال الخدمة المشتركة: فقد استطاع بتلقائية وتمكن ان يخدم في نهاية اسبوع 14-15 تموز في الخورنة الفرنسية، وكأنها خورنة يعرفها من قبل، بما يتوفر لمثل هذه الخورنات الكاثوليكية بمختلف لغاتها، من أدوات التأوين والتحديث والقراءات اليومية والاسبوعية مع الصلوات اليومية المتغيرة، بحسب السنوات الطقسية الثلاثة (أ. ب). ومن جهة أخرى، احتفل الاب مهند بالقداس للرعية الكلدانية، ضمن ما هو مألوف من ليتورجية يضمها كتيب وكراس خدمة قداس، يحمله الكاهن، اينما ذهب، مع الاخذ بنظر الاعتبار المتغيرات في القراءات الكتابية العملاقة المتوزعة على مدى سنة واحدة. على أن الاب مهند قدم ايضا شيئا جديدا، وهو الشهادة لدعوة من الدعوات الكهنوتية التي بقيت تثري كنائسنا والتي نمت في تربة اسر مسيحية أصيلة في إيمانها ولغتها اليومية هي اللغة العربية، سواء كانوا من عوائل البصرة او بغداد أو الموصل، مع تفرد آخر، هو انه لم يتخرج في اكليريكية عراقية، تعلم اللغة الليتورجية الآرامية، سريانية أو كلدانية. فنراه الآن يقدس بما يتوفر لديه في قراءة الصلوات الكلدانية، مع السيطرة على المعنى الذي يقرأه لدى اقامته القداس، الى الجالية الكلدانية المقيمة في محيط فرنسي، ضمن خيارات التناوب اللغوي بحسب الحضور والحاجة بين الكلدانية والعربية والفرنسية.

ولقد طالما انفتحت كنيستنا الكلدانية، في مثل هذا الاسلوب في الخدمة، على خدمات كهنة لم تكن السورث لغتهم الام، بل الفلامنكية للاباء المخلصيين البلجيكيين والفرنسية للاباء الكرمليين والدومنيكيين وهكذا. فشجعتهم كنائسنا على التعمق في الطقس الكنسي والليتورجيا المشرقية. وضمن هذه المقارنة، يؤدي الأب مهند هذه الخدمة بخلفية لغوية عربية وفرنسية وإلمام متزايد بالسورث، وجهد في تعميق المقارنة المعنوية للنصوص الكلدانية التي يتلوها ويصليها في طقوس الاسرار المشرقية، وهو يقدم هذه الخدمة أيضا من خلفية كونه من الرهبانية الدومنيكية في فرنسا، وله معها وفي الكنائس الكاثوليكية الفرنسية مشتركات ليتورجية، ليكون بالتالي الكاهن المنسب لرعية مار افرام الكلدانية في مدينة ليون الفرنسية بتعيين ورعاية الاسقف الكاثوليكي المحلي في ليون مع متابعة ميدانية راعوية من النائب البطريركي على الكلدان في أوربا ومصر، المونسنيور فيليب نجم. والشي بالشيء يذكر، نقوم في كالغري بخدمة تجدر بالمقارنة، خدمة الجماعة الفرنسية الكندية الكاثوليكية المحلية، من منطلق خدمتنا الكلدانية الكاثوليكية في ألبرتا، وتحت رعاية الاسقف الكاثوليكي في كالغري والمتابعة الراعوية، عن الكلدان، من لدن صاحب السيادة مار يوحنا زورا، مطران ابرشية مار أدي الكلدانية في كندا، وأول راع للكلدان الكنديين طرًا.

ذكريات وطرائف من المنبع المشترك

مع مشاهدة الاب مهند، كأول مشاهدة ميدانية كاهنًا، هناك حالة من الفرح في استذكار أول مسيرته في الدعوة الكهنوتية، من خلال منبع واحد، شرب كلانا منه بطريقة أو بأخرى وفي زمنين متباينين، وهو مدرسة الاباء الدومنيكان. فقد التقينا، في منتصف التسعينيات في مطلع خطواته نحو الدعوة الدومنيكية، عندما كنا كلانا، قبل الكهنوت، نخدم كنيسة الرب، كل في مجاله، وفي ظل حاضرة الاباء الدومنيكان ببغداد، الاب مهند في مرحلة التنشئة الرهبانية، وكاتب السطور في مجلة الفكر المسيحي لدى انتقال إصدارها إلى الاباء في بغداد. على اننا، فيما يخص المدرسة الدومنيكية، ننتمي ولا حرج، الى جيلين لا ينقصهما التفاوت العمري والمرحلي. فكم أسعدني ان وجدت لديه إلماما ببعض الخيوط من الاجيال الدومنيكية، فيما احتفظت بخيوط سبقت مرحلة دعوته ولها عنده بعض الاصداء احيانا. واقصد بذلك اجيال الاباء الذين عرفتهم، والذين واكبهم الاب مهند، في العتبة الاخيرة من عمرهم الثالث، منهم الاب منصور لوكونت، الذي عرفناه يقدس بالكلدانية في كنيسة مار يوسف التي كان يقصدها على متن دراجة هوائية، وكان يعرف بتمايله المنشرح في الحديث وفي استقبال الناس. وكذلك الاب جاك امودري، الذي عرف بدماثته وروح النكتة لديه، ليتحفني الاب الضيف بآخر قفشاته:

كان أبونا أمودري يقدس في دير للراهبات بفرنسا. ويبدو أن الراهبات فهمن بنحو ما ان الرجل يميل الى جبنة البقرة الضاحكة (لافاش كي ري) فكانت ضمن فطوره المألوف لديهن. وفي احد الايام جاءته الراهبة المضيفة، لتخبره معتذرة بأنهم جلبوا نوعا آخر من الجبنة إذ تعذر لهم الحصول على جبن البقرة التي تضحك: وبسرعة بديهة اجاب ابونا امودري الراهبة فقال: تكفيني يا ماسير ابتسامتك…

وسألته عن الاب دوبارل، عالم الكتاب المقدس المعروف بسماعته ولاقطته التي كان يوجهها الى فم مخاطبه. وكانت اللاقطة السمعية لذلك الزمان لعلاج صممه. ولكنها كانت ايضا صمام أمانه، في الجدالات التي إذا رآها احتدمت مع لاهوتي آخر، حول هذه المسألة الكتابية او تلك، فرأى لدى مخاطبه تصاعد حدة الجدال، بدون تسوية تذكر، فكان عندئذ يغلق السماعة، ويضعها بنشوة المنتصر في جيبه كفارس يعيد السيف الى غمده!!

أما الاجيال الاخرى، التي سألته عنها، فكانت بعيدة عن عمر الدومنيكي الشاب، مثل الاباء جوميير، كورتاباريا، توما كاملو وسواهم. وبقي حضور الدومنيكان، المؤسسين متواصلا، ولئن غادر العراق جيل من الاباء الرواد، بسبب اغلاق المعهد الكهنوتي، فان الحبة اعطت ثمارها، من خلال أجيال دومنيكية طيبة العطاء، وفي مجالات أخرى بحجم خصوصية الكاريسما والحاجة المعاصرة.

معايشة مع تواضع مؤسس لاهوت التحرير

لقد كان لنا لقاء جانبي مع كاهن من البرازيل حيث اللغة برتغالية في كالغري، فيرعى خورنة عذراء فاتيما البرتغالية، وهو الاب كلاوبر دي ليما، وله مراسلة مع واحد من ابرز لاهوتيي التحرير، ليوناردو بوف. فتحدث الاب مهند عن ذكرياته المؤثرة في مرحلة الابتداء مع مؤسس لاهوت التحرير، الاب غوستافو غوتييريز، الذي انتمى الى الرهبانية في عمر متقدم، بعد ان كان كاهنا لسنوات عديدة في البرازيل. فذكره كزميل له في الابتداء، وذكر اعجابه الشديد بتواضعه كراهب مبتدئ يستمع الى معلمي الابتداء، علمانيين ورهبان، بدون أن يبدي، على الرغم من خبرته، أي ملاحظة على هذا التعليم أو ذاك.

حبة الحنطة التي اعطت ثمارها في كنائس العراق

ارسل الرب ويرسل الى كنيسته في العراق، وفي أماكن أخرى الكثير من الرسل وشهود الايمان، في مختلف الدعوات والخصوصيات الحياتيه، وفي مراحل مخاض متعاقبة. وكانت تلك الشهادات مسالك نيرة للشعب المسيحي. وكانت شهادات الدم بذارا متواصلا لمسيحيتنا المدعوة الى الوفاء لها. من هذا المنطلق وضمن مناقشاتنا في هذا الشأن كان الموضوع الذي طالما يضع المرء في الحيرة، هو الحاجة، في عراقنا، على غرار لبنان وبلدان مسيحية أخرى، الى إبراز أو تحريك تكريم او تطويب نماذج من الراحلين طبعوا مسيرة كنائسنا ومسيحيينا عبر التاريخ الحديث، كما طبعته أمثلة قداسة في تاريخه الأبعد، مثل اسماء احتفظت بها الذاكرة الجمعية لمناطقنا، وتكرمها وتقتدي بفضائلها، بدون أن يكون لنا منها سيرة مستفيضة تذكر، ولا إرث فكري محدد او ايقونات، بل كانت أحيانا جدران المزارات وحدها تصدي لمآثرها الروحية، منها على سبيل المثال لا الحصر: سلطانت مادوخت، مار سهدونا، مار أتقن، مار سبريشوع ومار أداي وسواهم.

أما نجوم ايماننا في العصر الحديث، فبقيت تركن جانبا، ليمر عليها الوقت، وقد يلفها النسيان. ولكن ذكر لي الاب مهند، عوامل مبشرة، وهي أن وجود كهنة دارسين في روما، هو عامل تحريك، في ما يخص الاهتمام بإبراز سيرة كاهننا الشهيد الشاب الاب غدير، واطروحات عن شهدائنا في كنيسة سيدة النجاة، وما قد يتبع ذلك من مبادرات من هذا النوع.

ومن المعروف أن تاريخ مسيحيتنا النهرينية، مرصع بأسماء لا تحصى من شهود الايمان: من أدي شير، الأنبا جبرائيل دبنو الشهيدات الدومنيكيات في مطلع القرن العشرين، القس حنا قاشا، القس يوحنا شير، الى شيخ الشهداء مار فرج رحو، والشهداء رفاق الاب رغيد وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكره، وآباء معلمين كبار عرفتهم مدارسنا الاكليريكية البطريركية والدومنيكية وغيرها، وليس الوحيد فيهم الاب يوسف أومي مدير معهد مار يوحنا الحبيب. وفي هذا المجال اشار الاب مهند الى سياق دومنيكي، نأمل ان تحذو كنائسنا المحلية حذوه، في الطرق المتوفرة، إن لم يكن ذلك حاصلا فعلا. فإن الرهبانية الدومنيكية، توثق (تؤرشف) فيما توثق رسائل ومواعظ (كرازات) الآباء، حالما يتوفون، لكيما تكون الوثائق جاهزة عنهم حالما يستجد جديد بشأن تقديم سيرهم كنماذج للمؤمنين.

إنها حبة الحنطة التي يزرعها الرب من خلال عمال حقله، وتأتي ثمارها بحسب تدبير العناية الربانية، سواء عن طريق كهنة كنائسنا او الرهبانيات المتنوعة التي على مختلف منعطفات حياتها، توصف بأنها كالرئتين تخدمان الكنيسة فكرا وروحا.

هذه كانت باقة صغيرة حصيلة التداولات الاخوية في زيارة الاب مهند ومعها بعض الصور للذكرى من ضمنها اللقاء سوية مع المشار اليه في المقال الاب البرازيلي كلاوبر دي ليما.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO