المسيحيّون … والقيم وعالم اليوم! المحبة تطفئ الحروب

المسيحيّون … والقيم وعالم اليوم! المحبة تطفئ الحروب

19 / 06 / 2012

حسن جبران البازي

ما يشهده عالمنا اليوم من حروب مختلفة الأشكال والبقع الجغرافية، وإنحطاط أخلاقي، وتفلت من سلم القيم الإنسانية البديهية في الشرق كما في الغرب، وانعدام المسؤولية لدى شرائح عديدة من المجتمعات في غير زمان ومكان، والتقهقر المتعاظم في المستوى الأخلاقي لدى شرائح عديدة ومتعددة من المجتمعات البشرية في عصرنا هذا، يطرح تساؤلات عدة، من أبرزها: لماذا يحصل كل ذلك؟ وما هو العمل للعودة الى الأصالة والروح الإنسانية الأصيلة؟ وما هو دور المسيحيين في إصلاح المجتمعات وإعادة بلورة طروحات ومسلكيات قديمة ومتجددة تتناسب والقيم الإنجيلية والإنسانية المطلوبة من كل كائن بشري لأي بيئة أو ملّة إنتمى؟

الموضوع لضخم بادئ ذي لكونه يتضمن الإحاطة بالمؤثرات العامة والخاصة التي تتدارك الشعوب والمجتمعات والتجمعات البشرية من جهة أولى، ولكون مجتمع اليوم أضحى تائهاً في متاهات العولمة ومفاعيلها الرباعية الإتجاهات، على صعيد البيئة العالمية والقرية الكونية، بمضامينها الشاملة والعامة من جهة ثانية. لذلك من الواجب تخطي بعض الزوايا والركون الى فكرة الدور المسيحي وكيفية بلورة رسالته الغنية والمقدسة.

تكلم السيد على دور المسيحيين إزاء العالم، فقال : “أنتم ملح الأرض، فأي شيء يملّحه؟” (متّى 5:13).

“أنتم نور العالم، لا تخفى مدينة على جبل ، ولا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة …” (متّى 5 : 14 – 15).

إنها رسالة المعمّد، منذ البدء، أن يكون الماء الراوي الظمئ، والقوت المشبع الجياع، والمحبة قاتلة البغضاء، إنه الخمرة المعتقة لمجتمع جديد.

هذا هو دورنا، هذه هي رسالتنا، هذا هو جوهر إيماننا وعقيدتنا. المحبة نبراسنا والخدمة قصدنا، والعمل الصالح إتجاهنا، فلندع عنا كل إهتمام دنيوي، ولنكن على مثال السيد استراحة المتعبين، أولم يقل لنا : “تعالوا إليّ جميعاً أيها المرهقون المثقلون، وأنا أريحكم” (متّى: 11 : 27). والوسادة التي يضع المسيح المعذّب في هذا الكون رأسه عليها. فلنعد الى الأصالة ولنحيي قيم الأمس قيم اليوم وكل يوم لأننا أبناء الرجاء فلنكن الرجاء لغيرنا ولنحيي القيم الإنسانية في الأرض، فلنكن رسل السلام في زمن قلّ فيه السلام وغادرته السكينة وجال في ميدانه وحش الكراهية البغيض وعجلة المفاسد اللعينة. لأجل محبيته لنا، وهبنا الله إبنه مخلصاً، فلنكن مخلّصين ومخلصين عالماً أفسدته تعاسة الزمان المرّ وحمأة الفساد القاتل. ولنكن بحق رسل القيم الحقيقية والجمالات السماوية الخلاقة في الأنام.

كم من بلدان تعاني اليوم فقدان الإستقرار والأمن على المستويات كافة!

كم من شعوب ترزح تحت نير الأحقاد والنميمة والفقر والمجاعة!

كم من أطفال يقتلون يومياً ظلماً وتعسفاً، فقط حباً بالقتل أو لغايات ليست محمودة في أقل تقدير! وكم وكم!

ويبقى قول السيد المسيح صارخاً في مدى الزمن: “أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم” (لوقا 6: 27-28).

بعد هذا الإستعراض الموجز لبعض ما يعانيه إنسان اليوم في غير زمان ومكان، يبقى السؤال الأبرز: هل نحن البشر نسمع كلام الله ونطبقه في أبسط، لا بل وأتفه تفاصيل حياتنا اليومية؟ سؤال صغير في المبنى قد يكون بليغاً في المعنى والمضمون. في عالم اليوم ، حيث الحياة في حركة دائمة لا تهدأ، وتغير مستمر ونمط المعيشة أضحى ممسوكاً، بأغلب الأحيان، بثقافات تكاد تكون أبعد عن الإنسانية والحياة الفضلى مئات لا بل ألوف الأشواط، يقف كلام الله نبراساً لنا وقوتاً يومياً يغنينا عن أطباق قد تكون شهية في المظهر، ولكن مضرّة في المكونات.

لقد علمنا الله بإنجيله الحيّ، سيدنا يسوع المسيح، أن نكون محبين وإنسانيين دفاعاً عن الحق ودحضاً للباطل، وأراد أن يجعلنا أكثر من ذلك، فإن المسيح بتنازله وتجسده آخذاً صورة عبدٍ مشابهاً إيانا بكل شيء ما عدا الخطيئة، عمل على رفعنا الى سموه وعليائه.

فهل نقابله الجميل بالجميل؟ ليس لأنه فعل خيراً معنا، نفعل خيراً معه وهو الديان العادل، بل من اجلنا ومن أجل صلاحنا وخيرنا.

هل نعي خطورة عنادنا ومجافاتنا لله ولمقاصده؟ ما هذه الحروب والمجاعات في العالم، أليست نتيجة لجفاف المحبة بين البشر؟

ألم يقل السيد إن “أول كل الوصايا هي : أن أحبب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك” (مرقس 12 : 30).

وأما الثانية هي ” أن أحبب قريبك كنفسك” (مرقس 12: 31). والمقصود بالقريب هنا، أي أخ لنا بالإنسانية الى أي ثقافة أو إقليم إنتمى.

ربي أسألك بلسمة الجراح ومغفرة خطايانا وجهالتنا وضلالاتنا نحن من دعينا منك ولك يا أرحم الراحمين.

زرنا في ليالينا، ساهرنا، سامرنا كما سامرت الخطأة في القديم أنت الغفور المحب جبلتك وصنع يديك، ألطف بنا وبوطننا وبالإنسانية جمعاء كي نبعد الضرر عنا : المحبة تطفئ الحروب.

نقلاً عن مجلة النور

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO