أطفالنا والافخارستيا والتثبيت

أطفالنا والافخارستيا والتثبيت

أبونا

بسام دعيبس

الافخارستيا

خذوا فكلوا هذا هو جسدي، خذوا فاشربوا هذه الكأس هي كاس دمي للعهد الجديد الذي يراق من اجلكم ومن اجل الكثيرين

هذه كلمات السيد المسيح الى تلاميذه في الليلة التي اسلم فيها، وفي العشاء الفصحي الاخير، حيث اراد ان تستمر ذبيحة الصليب على مر الاجيال الى يوم مجيئه، هذه هي وليمته الفصحية، ذبيحة جسده ودمه الافخارستية، حيث تحول الخبز بين يديه الى جسده، والخمرة الى دمه، وحيث اوصى تلاميذه بسر تقوي، وبعلامة وحدة ورباط محبه، بان ياكلوا جسده ويشربوا دمه، ولم يدركوا في حينه انها كانت مناولتهم الاولى، وانهم بهذه الطريقة السرية اي المناولة اتحدوا بيسوع اتحادا حقيقيا وليس اتحادا رمزيا، فجسد المسيح في القربان الاقدس ليس جسدا ميتا، ودمه ليس دم انسان فارق الحياة، وان السيد المسيح بهذه الطريقة يكون قد اعطاهم ذاته الالهية بحب الهي لا حدود له، كما اعطانا من بعدهم نفس العطاء السخي والفصح الجديد، حينما قال لهم اصنعوا هذا لذكري، الامر الذي يدعونا الى ان نميز دوما جسد ودم المسيح، وان نتحد بالرب بحب وتقوى كما يقول القديس بولس في رسالته الاولى الى قورنتس

ومن هنا نستطيع ان نقول ان الافخارستيا هي منبع الحياة المسيحية وقمتها، وانها كنز الكنيسة الروحي باجمعه، كما انها تمثل شركة الحياة مع الله، ووحدة شعب الله، وبالتالي تمثل قوام الكنيسة التي ارادها الله، كما انها قمة العمل الذي يقدس به الله العالم بالمسيح، وهي ذروة العبادات التي يرفعها الناس الى المسيح ومن خلاله الى الاب والروح القدس، انها تعني اتحادنا بالسماء، وبها نستبق الحياة الابدية، حيث يكون الله كلا في الكل كما يقول القديس بولس ايضا في الرسالة الاولى الى قورنتس

ان لهذا السر العظيم تسميات عديدة منها الافخارستيا التي تعني صلاة الشكر والحمد لله الاب، والاشادة باعماله في الخلق والفداء والتقديس، وتذكار ذبيحة المسيح وجسده وحضور المسيح بقوه كلمته وروحه، كما انه يطلق على الافخارستيا مائدة الرب لانها تذكرنا بالعشاء الاخير الذي تناوله الرب مع تلاميذه عشية الامه وهي استباق لمائدة عرس الحمل في اورشليم السماوية، كما يطلق عليها كسر الخبز ايضا حيث كان يعمد يسوع الى عادة كسر الخبز وتوزيعه كما هو الحال في الموائد اليهودية، وقد عرفه التلاميذ بعد القيامة من خلال كسر الخبز، كما انها تذكرنا بجماعات المؤمنين وبتذكار الام الرب وقيامته، ويطلق عليها ذبيحة القداس، وذبيحة التسبيح، والذبيحة الروحية والذبيحة الطاهرة المقدسة لانها تكمل وتفوق ذبائح العهد القديم، كما يطلق عليها الليترجيا الالهية المقدسة اي الاسرار المقدسة، والسر المقدس وسر الاسرار، كما يطلق عليها الشركة لاننا نتحد فيها مع المسيح، وايضا الاقداس، وشركة القديسين، وهي تعني القداس وسر الخلاص

امام اعلان يسوع في مجمع كفر ناحوم عن نفسه بانه خبز الحياة النازل من السماء، ومن منطلق حب الرب لخاصته غاية الحب، وتوريثه لتلاميذ هذا الحب، وضع الرب سر الافخارستيا في العشاء الاخير تذكارا لموته وقيامته، موصيا رسله بان يقيموا هذا السر ويصنعوه لذكره الى يوم مجيئه، جاعلا اياهم كهنة العهد الجديد، ومنذ ذلك الوقت، ظلت الكنيسة وفية لوصية الرب، فقد قيل في كنيسة اورشليم، انهم كانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة الاخوية وكسر الخبز والصلوات، واستمر ويستمر هذا السر المقدس من جيل الى جيل في كل انحاء الكنيسة، وستظل الافخارستيا محور حياة الكنيسة وركنها الاساسي

والان نحن مدعون الى المشاركة في ذبيحة القداس مشاركة حقيقية فاعلة وبطريقة ايمانية وروحية لا تقتصر على الركوع والوقوف والجلوس بخشوع وانما بالشركة والمشاركة مع الكاهن في صلاة التقديس، وبايمان جوهري موجهين ذواتنا واعمالنا الى الله من خلال القربان، لان الكاهن يمثلنا ويمثل الشعب المؤمن، ونحن وبالاشتراك معه نقيم جسرا قويا وعلاقة شخصية واتحادا سماويا مع الرب، وعلينا ان ندرك ان مشاركتنا في الذبيحة الالهية تجعلنا ندرك معنى المشيئة الالهية والتجسد الذي يقود الى الصليب والى القيامة المجيدة، وان السيد المسيح سيساعدنا في هذه المشاركة ويعطينا ذاته ونعمته في هذا القداس من خلال جسده ودمه ليوصلنا اليه ونكون بذلك اهلا لتناول جسده ودمه واهلا للقيامة

من اراد ان يقبل المسيح في المناولة الافخارستيا عليه ان يكون مستعدا استعدادا لائقا بتوبة وحب وايمان، وبنفس طاهرة نقية متسربلا بلباس النعمة، فاذا تنبه احد الى انه ارتكب خطأ ممبنا، فعليه الا يتناول الافخارستيا قبل ان ينال الحل من ذنوبه في سر الاعتراف والتوبة، كي لا تكون المناولة له دينونة بل حياة، وان الكنيسة تشجع المؤمنين بشده على تقبل المناولة المقدسة عندما يشتركون بالاحتفال بالافخارستيا، وتلزمهم بذلك اقله مرة في السنة، هذا مع العلم بان الاشتراك في جسد المسيح ودمه ينمي اتحاد المؤمن مع الرب، ويغفر له ذنوبه العرضية، ويحفظه من الخطايا المميته، ويزيد عرى المحبه بينه وبين المسيح متانة، وبالتالي فان تقبل هذا السر يقوي وحدة الكنيسة جسد المسيح السري. وامام هذا السر المقدس العظيم كيف يتقدم الاطفال الى مائدة الرب للمرة الاولى

ان ذلك يتطلب تهيئة الاطفال تهيئة صحيحة بتعليمهم بان يسوع موجود في سر القربان، وانه خبز الحياة والمن السماوي، وان عليهم ان يقبلوه في قلوبهم واجسادهم قبولا نقيا لائقا، مدركين ان المناولة هي سر التجسد الالهي، وسر الحب والحياة والتوبة والغفران، وانها تعني ايضا التهذيب والسعادة والسلام، وانها تبعدهم عن الخطيئة وتقربهم من المسيح، وهي حصن سعادتهم وسلامهم، وانها سرالكنيسة وحياتها وذبيحتها وقوامها ووحدتها وركن الدين والايمان، انها تعني عيش الحياة المسيحية بصدق وبشكل صحيح

ان تهيئة الاطفال لمثل هذا السرالمقدس تتطلب من الاطفال طلب الصفح من ذويهم لما سببوه لهم من اساءات ومضايقات، وان يعدوهم امام الله ان يكونوا لهم محبين وطائعين، وان يطلبوا من اهاليهم مساعدتهم في تتميم واجباتهم الدينية نحو الله ونحوهم، كما تتطلب من الاهل ان يكونوا القدوة والمثال الاعلى لابنائهم وبناتهم في الحياة المسيحية الحقة من خلال الابتعاد عن الشر والخطيئة والشيطان، وحضور القداس الالهي، وممارسة سر الاعتراف وتناول جسد الرب ودمه وغيرها من الفضائل المسيحية ذات الصلة بالايمان والرجاء والمحبة

سر التثبيت

التثبيت هو السر الذي يهب الروح القدس، ليرسخنا ترسيخا اعمق في البنوة الالهية، ويدمجنا بوجه اثبت في جسد المسيح، ويمتن ارتباطنا بالكنيسة، ويشركنا اكثر في رسالتها، ويساعدنا في اداء شهادة الايمان المسيحي قولا وفعلا، وانه كالمعمودية يطبع النفس البشرية بطابع روحي اي بختم لا يبلى، ولا يجوز من ثم قبول هذا السر الا مرة واحدة في الحياة، وفي الشرق يمنح هذا السر فورا بعد المعمودية ويليه الاشتراك بالافخارستيا، وهو تقليد ينوه بوحدة الاسرار الثلاثة المدخلة الى الحياة المسيحية. في الكنيسة اللاتينية يمنح هذا السر عندما يبلغ الولد سن الرشد ويحصر الاحتفال به عادة في الاسقف للاشارة الى ان هذا السر يمكن الرباط الكنسي، علما انه اذا وجد مسيحي في خطر الموت يستطيع كل كاهن ان يمنحه سر التثبيت

طالب التثبيت الذي بلغ سن الرشد يجب ان يعلن الايمان، ويكون في حال البرارة، وينوي قبول السر، ويكون مستعدا للاضطلاع بدوره تلميذا وشاهدا للمسيح ضمن الجماعة الكنسية وفي الشؤون الزمنية، وان الطقس الاساسي في التثبيت هو مسحة جبهة المعتمد بالزيت المقدس مع وضع يد خادم السر مصحوبا بالكلمات: خذ ختم موهبة الروح القدس، وعندما يحتفل بسر التثبيت مفصولا عن المعمودية فارتباطه بالمعمودية يتبين في امورعدة ولا سيما في تجديد وعود المعمودية. الاحتفال بسر التثبيت خلال الافخارستيا يساعد في التنويه بوحدة الاسرار المدخلة الى الحياة المسيحية. من كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 1315- 1321

ان سر التثبيت يعني افاضة الروح القدس كما فاض على الرسل يوم العنصرة، فهو ينمي نعمة المعمودية، ويرسخها ويرسخنا ترسيخا اعمق في البنوة الالهية، ويزيدنا ثباتا في اتحادنا بالمسيح، ويزيد مواهب الروح القدس فينا، ويجعل ارتباطنا بالكنيسة اكمل، ويمنحنا قوة خاصة من الروح القدس لننشر الايمان ونذود عنه بالكلام والعمل

امام عظمة وقدسية هذا السر تقع علينا مسؤولية كبرى في تهيئة ابنائنا وبناتنا المعمدين، ودعمهم روحيا بالتعاون مع كنائسنا لنيل هذا السر في الوقت المناسب، لان سري المعمودية والافخارستيا يبقيان ولا شك صحيحين وفاعلين ولكن المدخل الى الحياة المسيحية يبقى ناقصا، وان على المتقدمين الى هذا السران يكونوا ايضا في حالة البرارة ويستحسن اللجؤ الى الصلاة الحارة والتوبة لتنقية الضمير والاستعانة بالعرابين استعداد لموهبة الروح القدس

واخيرا نستطيع القول ان اسرار الكنيسة السبعه هي اسرار العهد الجديد التي وضعها السيد المسيح، وهي المعمودية والتثبيت والافخارستيا والتوبة ومسحة المرضى والكهنوت والزواج، انها اسرار التنشئة المسيحية المتصلة بكل المراحل والظروف الهامة في حياة المسيحي، فلنقبل كمؤمنين على هذه الاسرار في اوقاتها لندخل من خلالها وبمساعدة واضعها السيد الرب الى الحياة المسيحية بثقة وايمان وثبات لنحظى بثروات وبركات الحياة الالهية ونتقدم نحو كمال المحبة

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO