وداع يسوع لأمه يوم بدء حياته العلنية

وداع يسوع لأمه يوم بدء حياته العلنية

موقع أبونا

د. عدلي قندح

– اختارها بتصرف من كتاب “العذراء مريم من الناصرة إلى بشوات”، للأب جورج رحمة الأنطوني وأنطوان عبيد، الطبعة الأولى 2005، منشورات اليوبيل المئوي الأول للمعهد الانطوني (1906-2006

بيتٌ متواضعٌ في الناصرة. غرفة طعام. يسوع جالسٌ إلى مائدةٍ متواضعة. يتناولُ الطعامَ ومريم تخدمه. يدعوها أن تجلس وتأكل معه. تهز رأسها بحزن. الغم يعتصر قلبها لفراق ابنها، وحيدها الذي أحبته وعبدته منذ قالت للملاك: “فليكن لي كقولك”. تحمل إليه حساء خضار وسمكاً مشوياً وقطعة جبن بلدي. تقرب منه أرغفة الخبز. “كُلْ يا حبيبي، كُلْ، فمشوارك إلى حيث يُعمِدُ يوحنا طويلٌ، طويل

تتنهد. تتذكر يسوع صبياً صغيراً، يقبل أن يتعلم من أبيه بالتبني يوسف ومن حاخام القرية. تعرف أنه كالهٍ هو على علمٍ بكل شيء، ولكنه كانسان أراد أن يشبهنا في كل شيء. ولذلك تَعلَمَ ودرسَ وأجتهدَ، وكان مثالاً يُحتذى

تحمِلُ العذراءَ الابريقَ وتملأ الطاس. ويسوعُ يأكلُ بصمتٍ وهوَ ينظرُ الى أمه بحبٍ مشوبٍ بالألم. لقد عاشَ معها ثلاثين سنة: سبعُ سنواتٍ في مصر، و23 سنة في الناصرة. تعلقه بأمه لا يوصف. الحنانُ والأمانُ والسلامُ والعطفُ والعنايةُ ونكرانُ الذات…والحشمةُ والأدبُ والرفقُ والقناعةُ… والصلاةُ والتأملُ والمشاهدةُ… كلها خَبِرَها في حضنِ أُمهِ وفي رفقتها

مسحَ يسوعُ شفتيه وقام بغسل يديه. لم يستسغْ الطعام لأنهُ كانَ حزيناً جداً لفراق أمه. وقد شاهد حزنها يتجلى في ذهابها وإيابها وإضاءتها القنديل مع أن الظلام لم يكن قد حل بعد. لقد لاحظ أن تحركها يهدف إلى الاقتراب منه ولمس شعره بأناملها. هذه التي شرَفت جنسنا البشري يحلو للثالوث الأقدس أن يتأمل جمالاته فيها؛ ويسوع هو الاقنوم الثاني من هذا الثالوث. أجل هذه المرأة المختارة من الله لتعيد للبشرية براءتها الأصلية يحلو لأبن الإنسان أن يملأ ناظريه من بهائها. يتابعها تخرج من الغرفة الى الحديقة لتضع في خُرجِ السفرِ تفاحاً حفظته ليسوع من أيام الصيف. وأضافت إلى التفاح خبزاً وجبناً وزيتوناً وتيناً مُطبعاً وزبيباً. زوادة يسوع حبيبها

يعلمُ يسوع ما تفكر فيه. يرفع نظره إليها. تلتقي العينان. تنهمر الدموع. دموعها ودموعه. يتناول يدها اليسرى ويمرر راحتها على وجنته. يشعر بارتجاف هذه اليد، فيديرها ويقبل ظاهرها بحبٍ عميقٍ واحترامٍ عظيم

ترفع مريم يدها اليمنى إلى فمها لتخنق بها نحيبها. ثم تمسح دموعها وتخرج مجدداً إلى الحديقة. تتوجه إلى حيث كان يسوع الصبي يلعب مع أترابه. كان يلعب مثل كل الأولاد في سِنه: بأدبٍ ولطفٍ ولياقةٍ وتوازنٍ ومرح… “وكان يتسامى في الحكمةِ والقامةِ والحظوةِ عند الله والناس” (لو 2، 52

تتذكرُ مريم لعبة التجار التي كان يسوع يلعبها مع صبيين من عمره. البضائع متنوعة: أوراق شجر، وحصى، وشرائط، وأخشاب. يبتاعها يسوع من رفيقيه ويأخذها تباعا هدية لأمه، فتبتسم له وتربت على كتفيه

يخرج يسوع إلى الحديقة. لا يجد أمه. يدخل مَشغَلَ أبيه يوسف. يشاهد مريم مستندة إلى المنضدة تنتحب. كطفل فقد أمه، كأم فقدت ابنها. بصمت تبكي. يقترب منها يسوع بهدوء. لا تحس به حتى يضع يده على رأسها، ويناديها بصوت المحب العاتب: أمي

ترفع مريم رأسها وتنظر إلى يسوع من وراء حجاب دموعها. تستند بيديها المضمومتين إلى ذراعه اليمنى. يُنشفُ يسوع وجهها بطرف كمه ويضمها إلى قلبه. ويطبع قبلة على جبينها. مهيب يسوع بقامته الرجولية، وحزين وجه مريم. تعرف أنها ستلتقي ابنها مرات عديدة، وأنها ستتبعه مع التلميذات لترشدهن وتعلمهن أسرار الملكوت، ولكن يخيل إليها الآن أنها لن تلتقي ابنها، الذي يفارقها الآن لنشر بشارة الملكوت، إلا على أقدام الصليب، تحني رأسها وتقول في قلبها: “أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك

عادا إلى المنزل. تناول يسوع كأساً وسكب فيها خمراً وحملها إلى المائدة، وشد أمه إليه وأجلسها قربه. وبحركة سرية استباقية أخذ قطعة خبز وغمسها في الخمر ورفعها إلى فم أمه، وهو شرب ما تبقى من خمر ثم غمر العذراء أمه وشدها إلى قلبهن وبقيا في هذا الوضع مدة طويلة. مريم تلاطف يد يسوع اليمنى وركبته، ويسوع يلاطف ذراع مريم ورأسها

وإذ جاءت لحظة الذهاب، وقفا وتعانقا طويلاً طويلاً. وكلما حاول يسوع أن يتوجه إلى الخُرج ليحمله، كانت العذراء تشده إليها. لا تشبع منه هذه الأم المتألمة في داخلها… كأنها تتمنى إبعاد الكأس. كأس الفراق. كأس الموت. يا للأم المسكينة. كم تألمت!! بصمت تألمت. برضى قبلت آلامها، مشاركة ابنها، ابن الله، في فداءنا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO