المسيح الحيّ الذي لا يُعاد ولا يُستعاد

المسيح الحيّ الذي لا يُعاد ولا يُستعاد

ابونا

القدس – الأب د. بيتر مدروس

مع أنّ المسيحيين الحقيقيين يحتفلون بعيد قيامة السيّد المسيح كلّ يوم أحد على مدار السنوات والعقود والقرون، غير أنّ الكنيسة تصرّ أيضاً على احتفال سنويّ بهذا الحدث العظيم، بعد الفصح العبريّ وتحديداً في الأحد الأوّل بعد بدر الربيع. 

وفعلاً، يشهد رسول الأمم الإناء المختار بولس أنّ “عيداً” كان يجمع باستمرار إحياء ذبيحة المسيح وقيامته إذ كتب حرفياً إلى القورنثيين (1 قور 5: 7-8): “قد ذُبِحَ المسيح فصحنا، فلنعيّد لا بخمير الخبث والفساد بل بفطير الخلوص والحقّ”. ومع أنّ إحدى الترجمات الأمريكيّة لاحدى الفرق المُبدعة تنقل الآية كالتالي “فلنحفظ العيد” غير أنّها لا تحفظه لا من قريب ولا من بعيد. وتُشير عبارة القديس بولس الغنيّة إلى تضحية السيّد المسيح إذ هو “الحَمَل”- وقيامته بما أن “الفصح” عبور إلى القيامة السعيدة الخالدة.

ذبيحة السيّد المسيح الفادية المخلّصة

لم يقدّم يسوع “فدية” بالمعنى المادي فالفدية شيء أو مبلغ يدفعه أحدهم ، بل بذل حياته بحيث أُريق دمه الكريم (ولا معنى لعبارة “أراق دم حياته” بما أنّ لا دم للموت!) . وعبارة “اشترى ثانية” نقل غير موفّق للفعل اليوناني “ايكساغورازو” الذي يُقابل العبريّة “فاداه” اي “افتدى” التي لا تفيد هنا ، في حالة المسيح ، بمبلغ من المال بل بحياته. الفداء تمّ بذبيحة السيّد المسيح اي بتضحية حياته على خشبتَي الصليب. ولا يقولنّ قائل – بهدف إنكار عبريّ إضافيّ لقيامة السيّد المسيح- أنّه استردّ “هديّة” جسده ودمه! ما قدّم يسوع جسده ودمه “هديّة” بل ذبيحة وضحيّة ، وتمّ كلّ شيء بموته على الصليب. واستطاع أن يستردّ حياته – كما أعلن صراحة (يوحنّا 10 : 18)، بعد أن أنجز الفداء لئلاّ يُحيي البشر ويبقى هو في الموت ! لا ، ليس المسيح كالذي يغرق بعد أن أنقذ غيره من الغرق!

 

محاولات يهوديّة تروم “استعادة المسيح”!

 

نشكر الربّ أن نفراً من العبرانيين، وخصوصاً من الولايات المتّحدة الأمريكية، تجاوزوا اساءات التلمود وكتابات حاخاميّة أخرى في شأن السيّد المسيح ورأوا فيه –بصواب- فخراً وعنوان سرور وانشراح صدر! وصدّقوا جزئيّاً، إذ شهدوا في المسيح يسوع قمّة ما توصّلت إليه الديانة اليهوديّة من سموّ، وهي التي انتقلت تدريجيّاً من عنف “لاميك” المنتقم بالموت من الذين جرحوه إلى شريعة المعاملة بالمثل تحديداً للشر والعنف. ورأوا في السيّد المسيح أجمل تجسيد لمفهوم الحنان الرباني الأبويّ وكمال أحسن تقويم! وبصواب افتقد أولئك العبرانيّون شخصيّة المسيح التي تتعلّق بها الأفئدة في إطار تاريخيّ واضح لا سبيل إلى نكرانه ولا تجاهله، وفي قِيَم من الرقة والعذوبة مع البشر، رغم الشدّة والقساوة في شأن الشر والخطيئة! وحسد أولئك العبرانيّون معشر المسيحيين على هذا المرجع التاريخيّ الأثيل الأصيل الذي هو شخصيّة “الناصري الخالد” وليد العذراء كاملة القداسة! وأُعجبوا بتعاليمه وقد أدركوا أنّها هي “المتمّمة للشريعة والأنبياء”: إذ أصرّ يسوع لا على حرف الشريعة وعناصرها الجسديّة الخارجيّة بل على روحها المتلخّصة في طهارة القلب ونصاعة الإيمان. وما أن حرّر السيّد المسيح أتباعه المحبّين من التفاصيل المادّيّة الخارجيّة حتّى ارتفع فوق الزمان والمكان بما أنّ “الحرف يقتل والروح يحيي”.

 

وتصعّب العبرانيون المشار إليهم من شموليّة رسالة السيّد المسيح هم الذين كانوا دوما يحلمون وما يزالون بمسيح وطنيّ لهم “يضع الشعوب تحت أقدامهم”. وساءهم أنه سمح للوثنيين المساخيط الذين يشنّع بهم التلمود أن يدعوا الله “أباً” – بأبوّة روحانيّة كان قوم العهد القديم وما يزالون يرومون أن يحتكروها لأنفسهم! وما وافقهم، وهم شعب معروف بالطمع والتعلّق بحطام الدنيا، أن يولد المسيح المُنتَظر في مغارة ويستشهد فقيراً على خشبتي العار. أمّا عشاؤه الأخير فكان مفاجأة لكلّ الذين أحبّوا أن يروا في يسوع الناصري مجرد حاخام يهوديّ متطوّر متحرّر، إذ باغَتَ رسله بكلام غير معهود على الخبز الفطير والكأس معلناً أنّهما يخفيان وجوده المستمرّ ويُشيران إلى تضحيته الاستشهاديّة الفادية. وعبثاً حاول المتفلسفون أن يجدوا لعشاء السيّد المسيح الأخير نظيرا! وعبثاً حاولوا تفسير استشهاده بالدوافع التاريخيّة والبشريّة، كما تجاهلوا معجزاته التي تشهد لها الكتب المقدّسة.

 

توما الرسول : نهاية العناد!

 

وأمام كلّ “الاجتهادات” الآتية عن حسن نيّة أو عن خلافها ، تأتي تحدّيات توما الرسول العنيد درساً لنا بليغا! ها هو يتحدّى المسيح بملء فيه :”إن لم أُبصر في يديه أثر المسامير” (أو : “أثر المسمارَين” ، بما أن لا صيغة مثنّى في اليونانية الهلنستيّة الشائعة ، لغة العهد الجديد). ويُعيد المرء بإصرار ، أمام كلّ “توما” في الماضي والحاضر والمستقبل : لا مجال للشّكّ ! يسوع صُلب على تقاطع خشبتين لا على خشبة واحدة عاموديّة (كما توهّمت إحدى الحركات الأمريكيّة المستحدثة الغريبة عن المسيحية منذ سنة 1934) : في يدي المصلوب الاثنتين مسماران لا مسمار واحد! ليصدّق “توما” وليؤمن! ولا يقولنّ أحد أن المسيح قام “بجسد آخر” ، فالمسيح الصادق قدّم لتوما (وأمثاله) يديه ورجليه وجنبه ، وهي اليدان والرجلان التي سُمّرت والجنب الذي طُعن ، لا سواها! ولا يختلف في هذا عاقلان ولا صاحبا عقل سليم أو فكر قويم!

 

ويسمع المرء أحياناً فذلكات تتلخّص في أنّ “قيامة يسوع كانت خبرة روحانيّة للرسل والتلاميذ”! يجب أن ينتبه المرء هنا ، على أمل ألاّ يعني هذا الكلام – غير الوارد في الكتب المقدّسة – أنّ الرسل فقط “شعروا وأحسّوا بقيامة المسيح في قلوبهم” وكأنّ المتكلم يقصد أنّ اختبارهم كان داخلياً باطنياً محضاً من غير مقابل في الخارج ، في الواقع! لا أيّها الإخوة! توما كان أقسى منكم رقبة! توما أنكر وتحدّى والسيّد المسيح قبل التحدّي وأزال الإنكار! يدا يسوع ورجلاه وجنبه موجودة خارج عقول تلاميذه وقلوبهم وليست جراحه ولا طعنة الجندي ثمرة مخيّلتهم الجامحة!

 

المرونة لا العناد، الإيمان لا الإلحاد

 

يتبجّح نفر غير قليل بأنهم “ملحدون” أو “لا أدريّون” ويتفلسفون! ها إن مثالهم توما الرسول يُلقي سلاح الشكّ أمام يقين القيامة السيّدية وظلمات التحدي أمام الأنوار المشيحانيّة! لنسألنّ الله أن يُبقي فينا أو يزيد “الإيمان، إذ من غيره لا نستطيع أن نُرضي الله”.

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO