إنساننا يتألم، فهل إلهنا يتألم؟

إنساننا يتألم، فهل إلهنا يتألم؟

أبونا

عمّان – وائل سليمان

الإنسان يبدأ منذ اليوم الأول مغامرة إلهية، سفرة طويلة لحياة قصيرة جداً، معتقداً بأنه لن يتألم أو حتى أذا تألم فأن مُوجه التاريخ، صانع الإحداث، خالق الإنسان، سيحميه من مفاجآت المغامرة و من جُرح السفرة، و لكن تأتي المفاجأة  غير المتوقعة و لكنها الأكيدة، بحرٌ هائجٌ و مائج، مدٌ و جزرٌ ، حتى لو أن حيوانات البحر تتألم مِن الحرَاك المُستمر، لكنها تأقلمت معه و باتت تتأرجح هي أيضاً بين الحين و الآخر مبتسمة لآلام موجعة جسدياً و نفسياً و لكنها مجبرةٌ على التأقلم أو الانسحاب.

التأقلم يجعل من حركتنا أسهل، و من فكرنا أوسع، و من قلبنا أنقى، أما الانسحاب فيعني بداية نهاية المغامرة و إلغاء حُلم الرحيل.

الإنسان كغيره من مخلوقات الأرض، يعتقد بأن كما في قوانين الطبيعة، أن الألم هو نقص في الكمال و لا يعلم أن في أنظمة الحب، الألم هو خاتم الكمال.

الإنسان يتألم، و لكن السؤال لماذا يتألم الإنسان؟ و من هو سبب ألمه؟ و متى سينتهي ألم الإنسان؟ و هل ألم الإنسان سببه الله؟ أم أن ألم الإنسان مرتبط بألم الله؟

لقد قال الأب فرنسوا فاريون اليسوعي: ” أن كل ما أحبّه في هذه الدنيا من الأشجار، الورود، العصافير، البسمة، حياة الفكر و حياة الروح، هو في رأي و بدون شك أقرب إلى قلب الله منه إلى قلبي، و أن كل ما لا يمكنني أن أحبه، مثل إساءتي إلى أخوتي و إساءة أخوتي إليَّ، الظلم، الفقر، العطش، الجوع، المرض… هل يحقُ لي أن أقول بأن الله يشاهد ذلك مرتاح البال لأن كمال الطبيعة غير المتبدّلة يحظر عليه الاضطراب؟

و هل هذا يعني أنّ ألم الإنسان مرتبط خلال سفرةِ حياته بما هو صاحب القرار فيه مثل الإساءة و الظلم، الفقر و الضعف، العطش و الجوع، المرض و الفشل، الضياع و التشرد، الغنى و الكآبة، المد و الجزر؟

كل إنسان لا ينال منه الألم هو إنسان لا رأفة فيه و لا حنان، و هذا يعني بأن الإنسان غير قادر و هو مسحوق تحت الألم على التفكير بأن الألم هو لاكتمال إنسانيته و لجعله ما يجب عليه أن يكون، و أذا كان قول ديكارت يوماً بأنه ” أنا أفكر فأنا موجود”، فأتى قول آخر لكيارا لوبيك التي قالت ” أنا أحب فأنا موجود”، و لا حب بدون الألم، فعندما تلد الأم طفلها و هي مليئة بالمحبة و العاطفة و الحنان و الانتظار، فأنها تتألم لكن ألمها يُولد حياة، الألم يبني الإنسان، الألم يصنع الحدث، الألم يطهر البشر، و الألم يثبت الحب.

وفي رحلة المفاجآت، و في خضم البحر الهائج و في قلب معركة الثبات، يسأل الإنسان، هل الله يتألم؟ أم أن الله لا يتألم؟ و أذا كان الله يتألم، فممن يتألم؟ و ما هو سبب ألآلامه؟ يقول أوريجانس، ألآب نفسه غير منزه عن الألم.

و كما يقول الأب فرنسوا بأن الحرية التي أعطاها الله للإنسان هي أحد أسباب ألم الإنسان!.

الأب الذي أراد إعطاء الحرية لأبنائه دون التدخل حتى في أوقات ألآمهم، يتألم لأنه يقف عاجزاً عن فعل أيَّ شيء، لأنه غامر في أعطاء الحرية لإنسان لا يريد أن يتألم.

و نرجع لنسأل أنفسنا، كيف نؤمن بأن الله محبة، أن كنا نظن أن ألمنا لا يصيبه في صميم كيانه الأزلي؟ و هل تألم في لحظات من التاريخ انتهت في لحظات، بقدر ما تألم الإنسان في مسيرة حياة لم و لن تنتهي؟.

يقول المفكر جاك ماريتان ” لو علم الناس أن الله يتألم معنا و أكثر منا بكثير من جراء الشرور التي تعيث في الأرض، لتبدلت أمور و أمور و لتحررت نفوس الكثيرين”.

و أذا كان الأب البشري، الضعيف، الخاطئ، الغير سوي أحياناً، الذي يعتمد في ردات فعله على الأفعال و الأحداث، يتألم هذا الأب البشري كلما تألم ابنه، يتألم إذا مرض أحد أفراد عائلته، يتألم إذا لامس الشر أبناءه، يتألم حتى من الجوع و العطش، من الفقر و المرض. فماذا يقول الأب السماوي؟

الأب الذي لا أب له، الأب الذي هو البداية و النهاية، الأب الذي أوجد هذا الابن الرافض حتى لأبسط أنواع الألم، الابن الذي هو منذ البداية هو ابن، له أب و هو ليس كأي أب هو أب له بداية بدون بداية.

فالأب السماوي يتألم من ألم الإنسان الأرضي، و لكن لا يكتفي الإنسان بأن يجعل الله يتألم من الآمة ، بل يقف كل يوم أمام بيلاطس ليقول له، أصلبه ، أصلبه ، فيرفع الأب أنظاره عالياً ليقول للإنسان لما تصلبني ولم أقترف ذنباً؟ لما تعذبني على محبتي لكَ، ولم تنكرني على معرفتي لكَ، لما تترك أباً أحبك حباً عظيماً و شاسعاً؟ والإنسان يعاود من خلال حياته العشوائية، المتخبط بصراعات حياة ستنتهي في لحظات، المتعجرف و المتكبر، الفاقد للتوازن في كثير من الإحداث، يرجع و يقول بصوت مرتفع، أصلبه ، أصلبه. أصلبه في قرارات الحروب، أصلبه في نبت الشرور، أصلبه في حقد يدوم و يدوم.

لكن هل يستطيع الإنسان أن يفهم اليوم أن المشاركة المقدسة بين السماء و الأرض، بين الخالق والمخلوق، بين الأب والابن، بين المعلم والتلميذ، بين الحالة والخيال، بين الثبات والمتغيرات … هي مربوطة بألم صادر عن صدى صوت إلهٍ معلق يومياً على صليب وإنسان مثبت كملك على أرض و هبت له من صاحب التاريخ؟

فليستيقظ الإنسان من النوم العميق، من ظلام النهار، من تشتت الأفكار، من التخبط في المواقف، و من نكران الأب، و ليعلم بأن الله الغير منزه عن الألم، لم يتألم فقط في تلك الليلة و أنما يتألم مع كل إنسان يتألم على هذه الأرض الشاسعة، يتألم و ينتظر اليوم الذي سيضم الأب الابن و يقول له، تعال و أسكن معي حيث لا وجع و لا ألم بل مجد و راحة أبدية.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO