المطران بشار وردة: تأملات في قصة آلام ربنا يسوع المسيح

ومَن تقولون أني أنا هو؟

تأملاتٌ في قصة آلام ربّنا يسوع المسيح

العظة الأولى

قراءة للمزمور 16: اللهم احفظني فإني بكَ إعتصمتُ …

المُقدمة

لم يكن ربّنا يسوع يستطيع تفادي كأس الألم، بل كان عليه أن يشربها، وكثيراً ما نسأل ونحن نتامل او نُشاهد آلام ربّنا يسوع: لماذا كان الألم؟ وهل كان ضرورياً؟ وما أسبابه؟ ولما خانهُ يهوذا؟ هذه كلّها أسئلة لن تنفعَ يسوع بشئٍ، مثلما لا ينفعُ المتألم أن تُحلل أسباب ألمهُ وعذابه. السؤال الأهم هو: ما موقفنا من آلام يسوع؟ وما هو جوابنا الشخصي أمام هذا الألم؟ ما هي مسؤوليتنا إزاء عذابات يسوع؟ هل نحن مع يسوع أم ضدّه؟ فلا مجال للحيادية أو التوافقية، أو الوقوف موقف المُتفرّج! إمّا أنت مع يسوع فلا تستحي به أو بكلامه (8: 38)، أو أنّكَ ستقفَ مع قتلتهِ أو تهرب بعيداً عنه وتُحسَب خائناً.

في محاولة للإجابة على هذا السؤال سنستمِع إلى خبرة كنيسة القديس مرقس في روما، والذي كان أول مَن كتبَ عن حياة ربّنا يسوع، وسمّى كتابهُ: “إنجيل يسوع المسيح إبنُ الله”، ونطلبُ عونَ الله أبينا وروحهِ القدّوس، لنُجيبَ على هذا السؤال الحياتي الهام: “ما هي مسؤوليتي في آلام ربّنا يسوع؟ ومَن هو في نظرنا؟ فطبيعة جوابنا تُحدد مصيرَ مسيّحيّتنا.

سنقرأ قصّة آلام كما قدّمها لنا الإنجيلي مرقس في الفصلين 14- 15 من إنجيليه، ونجتهد لنبقَ مع يسوع ولو لوقتٍ قصير: هو الذي طلبَ من تلاميذه عشيّة موتهِ: “نفسي حزينة حتى الموت، إنتظروا هُنا وآسهروا”.

إنجيل مرقس: قصّة الآلام

جاءت أحداث الإنجيل كلّها بمثابةِ مقدمة طويلة لقصّة الآلام، وفيها تباينت مواقف الناس من ربّنا يسوع المسيح، فمنهم مَن أراد الخلاص على يده، ومنهم من أن أراد الخلاص منه. بعضهم كانَ يبحث عن وسيلة ليُمسكوه ويقتلوه: رؤساء الكهنة والكتبة (14: 1)، وغيرهم كانوا ينتظرون فرصة لتسليمهِ إلى الموت (14: 11)، ووقفَ غيرهم كثيرونَ متفرجين أو غير مُبالينَ، أو إنهزاميين ومتنكرين، فيما وقفت قلّة من النسوةِ تُساند هذا المتألم البريء مؤمنةً ببراءَته وألوهيّته. وهذا كلّه يُشيرُ إلى مواقفَ البشر المُختلِفةِ من يسوع. واليوم أيضاً يبقى السؤال مطروحاً: ما هو اليوم موقفُكَ أنت من آلام يسوع؟

زمان ومكان القصّة (14: 1- 2)

يبدأ مرقس رواية الآلام بتحديد زمان القصّة ومكانها. فالمكان هو أورشليم، والزمانُ هو موسم أعياد الفصح، وتحديداً قبل موعد العيد بيومين: حيث كان الخُبزُ فطيراً أي بدون خميرة، تذكاراً لحدث الخروج من مصر، ويستمر أكلهُ لسبعةِ أيامٍ ( خر 12: 1- 20). ويُعد عيدُ الفصح أول الأعياد اليهودية وأعظمها، فيسعى الشعبُ للمُشاركة في هذا العيد وطقوسه، لذا، لا تُعقدُ فيه عادة لقاءات أو إجتماعات لرؤساء الكهنة، وليس لهم فيها محاكمات دينيةٌ أو إجتماعية، لكونهم مُنشغلين بطقوس الأعياد ومُتطلّباتها.

كانت أجواء أورشليم مضطربة في مثل هذه المواسم. فالجميع يتذكّرون حدث الخروج، فعلُ الله الحاسم، وكانوا ينتظرون مجيء المخلّص ليُحررهم من عبودية الرومان. وعرِفَ رؤساء الكهنة أن لربّنا يسوع جمهوراً واسعاً. وكان في أورشليمَ أكثر 200 ألف حاج في أورشليم في مثل هذه الأيام للأحتفال بالعيد. فتُذبَخ الخراف بعد ظهر يوم 14 نيسان ويُهيّأ العشاء الفصحي اليوم نفسهِ بين غروبِ الشمس ونصف الليل.

الكُره والحسد زرعَ حقداً في نفوس رؤساء الكهنة والكتبة والفريسسيين، وخططوا لمؤامرة ليُمسكوا بربّنا يسوع (مرقس 3: 6)، ولكّنهم أرادوا تجنّب الفوضى فلا تتحوّل تمرّدٍ ومن ثمة إلى إنتفاضة شعبية لن يُسيطروا عليها.

هناك أمورٌ تسترعي إنتباهنا في هذه المُقدمة للرواية وهي:

1.    كرهٌ رؤساء الكهنة والكتبة لربنا ليسوع،

2.    قرار بتصفيته،

3.    خوهم من الناس.

قررَ رؤساء الكهنة الإستعانةَ بالعساكر لتنفيذ هذا الهجوم المُباغِت على يسوع، وتطلّب آلامرُ البحث عن وسيلة أو حيلة للإيقاع به، وهنا جاء عرض يهوذا الأسخريوطي كهدية غير متوقعّة مُطلقاً. هذه وغيرها من الظروف جعلت موتَ يسوع في العيد، وبتعاون وتأييد الشعب الذي كان رؤساء الكهنة والكتبة يخافونه، لأنهم نجحوا في الإيقاعِ بيسوع بحلية ومكرٍ (15: 6).

دهن يسوع بالطيب (مر 14: 3- 9)

عاشَ ربّنا يسوع هذه الأيام في “أجواء الخيانة”. كان يشعر بأن حسد رؤساء الكهنة والكتبة وحقدهم صارَ يتفاقم عليهِ وقد قرروا تصفيتهُ وأسهمَ يهوذا في تسهيل ذلك. وفي وسط ظلمةِ الخيانة ظهرَ شعاعٌ من نورٍ ليُشيرَ إلى ما في الإنسانية من القيم الإيجابية، قيم الحب والشكر والإمتنان.

ففيما كان ربّنا يسوع في “بيت عنيا” (بيت الفقير، بيت العناء والضيق)، جالساً في بيت سمعان الأبرص، الذي قد يكون شخصاً معروفاً لدى أبناء الكنيسة الأولى، والذي شُفي من برصه. ونلاحظ أنّ ربّنا يسوع يتضامن مع مَن كان مرضهُ يجعلهُ مهمّشاً، ويُشاركهُ الطعام، بل الوليمة الفصحية، وإذا بإمرأة نجهلُ إسمها في إنجيل مرقس، لأن مرقس لم يهتم بإسمها بل بعملها، تدخل ومعها قارورةَ طيبٍ وهي لا تفتحها بل تكرسها لربنا يسّوع؛ كلّ الزيت هو ليسوع ولا تحتفظ بشيءٍ منه لنفسها، والكسر إشارة إلى إستحالة العودة إلى الحالة الأولى، وهي تُعبّر عن تكريسها التام له، وتُعطينا صورةً رمزية عن محبّة الله لنا، إذ قدّم لنا ابنه في سخاءٍ تام من دونِ أن يحتفِظ لنفسهِ بشيءٍ.

نحن أمام قانون ربنا يسوع؛ قانون الله: العطاء بلا حدود ولا حساب. لأن الله عندما يُشرّع قانوناً يكون هو أول المُلتزمينَ به. إلهنا لا يضع أمامنا وصايا، بل يُعلّمنا كيف علينا أن نعيش الحياة. لذلك نحن مدعوون لا للعيش منعزلينَ عن بعضنا أو عن إلهنا، بل يطلب الله منّا أن نتبعهُ. من هنا تكون حياتنا كلّها مؤسسة على علاقة عهدٍ لا على علاقة عقدٍ، وسببُ هذه العلاقة وغايتها هو: الوصول إلى الله، وهذا يكون باقتفاء أثره.

تكسر المرأة القارورة وتمسحَ رأس ربّنا يسوع بدهن الطيب غالي الثمن؛ ثلاثمئة دينارٍ وهي أُجرة عمل سنة كاملة. هي لا تكتفي بسكب قطراتٍ على يسوع، بل تُسرِفُ في العطاء، لتُشير إلى العطاء السخي الذي يُقدّمه ربّنا يسوع في موته. ولكنَّ فعلتها تُثيرُ مشاعرَ مُتباينة لدى الجميع، فمنهم مَن لا يفهم طبيعة فعلتها، مثلما لم يفهم حتى الآن معنى آلام يسوع وموته، فيلومونها، مُظهرين أنهم لا يُقيمون عطيّة ربّنا يسوع قيمتها الحقيقية، مثلما فعلَ رؤساء الكهنة والكتبة، ويستخدمونَ في ذلك حُجةً: الفقراء، مثلما يستخدم رؤساء الكهنة والكتبة حجة: حفظ الشريعة.

أما منتقدو المرأة فيُريدون العودة إلى قانون الحساب: لماذا الإسراف؟ الحياة عندهم تخضع لقانون آلامتلاك والإستهلاك والحساب، وليس فيها مجال للعطاء المجّاني، فلم يفهموا أن الله يُعاملنا من دونِ حسابٍ، وهم يُريدون معاملة الناس وفقَ قوانينهم الخاصّة.

إلا أن ربّنا يسوع يُعطي فعلتها تفسيراً آخر: “سكبت الطيبَ على جسدي لتُهيّئهُ للدفنِ” (8). يُعد دفنُ الموتى أح أعظم أعمال المحبة التي يُمكن للإنسان أن يُقدمهُ للمحتاج، لاسيما وأن الميت لن يكون بإمكانهِ تقديم الشُكر، فهو عمل إحسانٍ من دونِ مُقابل. ربّنا يُؤكد أن رسالته التي بدأت في الجليل وتواصلت حتى أورشليم ستُكمَلَ ولن يتراجع عنها (8: 31، 9: 31، 10: 33- 34)، في إشارة واضحة إلى أنه هو يختارُ مصيرَه وليس مُجبراً على شربِ كأسِ الألم، بل يعرف حقَّ المعرفة ما الذي سيُواجهه. وهذا ما لم يفهمهُ رُسلهُ وتلاميذه، أما هذه المرأة فقد فهمت الحقيقة مع أن أحداً لم يُعلّمها أو يُخبرها. إنها في حضرة مّلك، وهذا ما لم يعرفهُ الآخرون. نالتَ مثل الأطفال ما لم ينلهُ الحكماء والفهماء، وملكوت َالله سيكون لهم (10: 13- 16). ويُؤكد مرقس على أنها ستُذكَر حيثُما يُعلنَ إنجيلُ ربّنا، “إنها المرأة التي إعترفت حقيقة ربّنا يسوع”، ومجال إعلان الإنجيل هو العالم كلّه، مثلما سيُذكّر يهوذا الإسخريوطي بأنه الخائن. يُؤكد ربّنا على أن كلمة الإنجيل: البشارة ستُعلن وستنتصر.

ثم أن دهنَ الرأس علامة لتنصيبه ملكاً: “فأخذَ صموئيل قارورة الزيتِ وصبّها على رأس شاوُلَ وقبّلّهُ وقالَ: “الربُّ مَسحَكَ رئيساً على شعبهِ إسرائيلَ” (1 صموئيل 10: 1). إعترفت المرأة أن يسوع ملكٌ على شعبهِ، وذلِك بإيمان خالصَ لا غشَّ فيه. فاختيارت الناردين وهي تعرف أنه من المُحال الغش أو التلاعب في هذه المادة، لذا تأتي صافية خالصة تعبيراً عن إيمانٍ صادقٍ أصيلٍ. لقد جابهَ ربّنا المنتقدين بأفكارهم: منطق الحساب الذي فيكم هو الذي يخلق الفقراء، فلو أعطيتم مثلما أعطت المرأة لما كان بينكم فقراء.

إمرأة صلاةٍ، إمرأة إيمان

كان زمنُ الفصح زمنَ الصلاة وأعمالِ الإحسان تجاه الفقراء والمعوزينَ، وهذا ما حدا بعض الحاضرين إلى التفكير في الفقراء وإحياجاتهم، وهذه مسؤولية دائمةٌ وليست خاصةً بأزمنةٍ مُعينةٍ: “فالأرضُ لا تخلو من محتاجٍ، ولذلكَ آمركم اليومَ أن تفتحوا أيدكم لإخوتكم المساكينَ المُحتاجينَ الذين في أرضكم” (تث 15: 11). وما صنعته المرأة مطلوبٌ من كل إنسان، ويُذكّر الحاضرين أيضاً بالعطاء الكلّي والسخي في فلسي الأرملة (مر 12: 41- 44). لذا، فانَّ عملهما الصالح، وعطائهما السخي سيُذكَر إلى الأبد. لنلاحظ أن اسمها لن يُذكر أمّا عملها فسيُذكر دوماً؛ وإستعداد المرأتين للعطاء الكلي يجعلنا نتساءَل عن طبيعة عطائنا الذي يأتي دوماً مشروطاً بما ننتفع به شخصياً. نحن نُعطي لنُذكَر ويُمجد إسمنا، أما ربّنا يسوع فيُوجهنا إلى العطاء المجاني، المهم هو أن تُعطي ولكنَّ الأهم هو أن تُعطي بمجّانية.

لقد نجحت المرأة فيما فشلَ تلاميذُ يسوع، وتوبيخهم للمرأة علامة على فشلهم في التعرّف إلى هوية يسوع الحقيقية، وفي تقديم الإستجابة اللائقة ليسوع. قدّم يسوع حياتهُ بعطاءٍ سخي. أعطى يسوع حياته بمجّانية مُطلقة ومن دونِ حسابٍ ومن دون أن يحفظ لنفسه بشيءٍ. وها هي المرأة تقبلَ عطيّة يسوع بمحبّة سخيّة أيضاً: “من حاجتها ألقت كُلَّ ما تملك لمعيشتها” (12: 44)، “عَملَت ما تقدرُ عليه” (8). لقد أعطت كل ما تملُك للذي هو مُستعد ليُعطي حياته شهادة لمحبّة الله للإنسان.

خيانة يهوذا (14: 10- 11)

بدأ يهوذا المسيرة مع ربّنا يسوع وكلّه حماس للرسالة، فتبِعَ يسوع ثلاث سنواتٍ، وأظهرَ ولاءً له، ولابد أنه كان ينتظر الكثير من يسوع، وهذه الإنتظارات صارتَ هي الأصوات التي حرّكت مشاعره، وحفّزت فيه الكثير من الدوافع، ورسمت في داخله صورة للماشيحا المُنتظر، الملك الذي سيطرد الرومان، ويردّ للشعب حريّته السياسية، صورة كانت هي نفسها سبب خيانته ليسوع: خيبةُ آلامل. فلم يتمكّن من التعرّف إلى الصورة المشوهة التي صياغتها عن الماشيحا، ولم يتنازلَ عن أناه المنتفخ، إذ لا يُمكن أن يكون هو على خطأ، فتنازلَ عن يسوع، لأنه ليس الماشيحا الصحيح. فأرادَ الخلاص من هذه الصورة، وربما ظنَّ أنه بذلِك يعمل عملاً مفيداً للأمةِ.

وفّرت رغبة يهوذا في تسليمِ يسوع فرصة لرؤساء الكهنة وشيوخ الشعبِ لإلقاء القبض على يسوع والتخلّص منه، على الرغم من أن مرقس لا يُبيّن لنا الأسباب التي دفعت يهوذا للتصرّف على هذا النحو. فربّنا اختارَ تلاميذه وجعلَ منهم عائلتهُ وكرّسهم لعملِ مشيئة الله: “هؤلاء هُم أُمي وإخوتي! لأن كل مَن يعمل بمشيئة الله هو أخي وأُختي وأمي” (مر 3: 35). من المؤكد أن موت يسوع كان بسبب حقد أعدائه وقساوة قلوبهم، وساعدهم في الخلاص من يسوع بعضٌ الأصدقاء المُقربين إليه، في إشارةٍ إلى المصير الذي سيُواجهه الرُسل لاحقاً، فالمسيحية لا تموت بسبب عداوة العالم فحسب، بل بخيانة أبنائها: “سيُسلّم الأخُ أخاه إلى الموت، والأبُ إبنهُ، ويتمرّد الأبناء على الآباء ويقتلونهم، ويُبغضكم جميعُ الناس من أجل إسمي. ومن يثبُت إلى النهاية يخلُص” (مر 13: 12- 13). عندما كُشِفَ الأرشيف السري لجمهورية ألمانيا الشرقية وجد الناس أن سجناء كثيرين انوا ضحيّة وشايةَ أصدقائهم، وأن كثيرمن الكهنة أُلقيَ القبض عليهم من خلال وشاية مَن طلبَ منهم الإرشاد والنصحية، ففي مثل هذه الأوقات الشريرة يعرِف المؤمنونَالذين يشهدونَ لحقيقة الله أنهم غير مُرحبٌ بهم.

وضع مرقس هذه القصة بعد قصة المرأة فجعلنا نقارن بينَ موقف المرأة المُحب وموقف يهوذا الخائن؟ نُقارن بين الحب الغير محدود الذي تحملهُ المرأة، وهشاشةِ العلاقة التي تربط يهوذا بيسوع. لقد قرر أن ينضمَّ إلى أعداءِ يسوع الذين كانوا يبحثونَ عن حيلةٍ للقبضِ عليهِ، فيما صارَ يبحث هوعن فرصةٍ للإنتقامِ من بيسوع. لقد بذّرت المرأة أموالاً طائلة لتحصل على يسوع، فيما بذّر يهوذا يسوع ليحصل على مالٍ ضئيلٍ. على أية حال، يبدو أن أمرَ تسليم يسوع من قبل أحد تلاميذه ليس من مخيلة الإنجيلي بل تقليدٌ أصيل، وهو مُؤشرٌ لبدء الآلام يسوع.

المواقف إذن مُتباينة جداً:

1.    رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب يرفضون رسالة ربّنا يسوع رفضاً يرتكِز على الحقد والخوف والحسد من تنامي شعبيّته؛

2.    خيبةُ الأمل عند البعض من يسوع نظراً لتوقعاتهم وأمانيهم،

3.    البقاء مع ربّنا يسوع مع أفقٍ ضيّق لا يعي عظمة الحُب الذي يُقدمه ربنا لنا، لذا هم قريبونَ من يسوع ولكن لدوافع وأسباب خاطئة (1 كور 13: 3)؛

4.    حُبٌ شخصيٌ وعفوية في العطاء السخي الذي لا يُبقي للذات شيئاً.

فعلينا اليوم أن نختارَ موقفنا من الآلام يسوع! فلعلّنا نجد أنفسنا في أحد هذه المواقف!

العظة الثانية

عشاء الفصحِ (مر 14: 1- 26)

نحن إذن في مدينة أورشليم، والحدث هو “عشاء الفصح”، والزمان هو نهار 14 نيسان، وبذلك يؤكد مرقس أن صلبَ يسوع وموته حدثا في احتفالِ اليهود بأعيادِ الفصحِ، وأن العشاء الأخير الذي تناوله ربّنا يسوع مع تلاميذه كان عشاء الوداعَ مع تلاميذه، فيكون هذا العشاء عشاءُ الفصح الجديد.

سألَ التلاميذ ربّنا يسوع خلال النهار: أين تُريد أن نذهبَ لنُهيئَ لكَ عشاء الفصح”، إذ كان من المعتاد أن يتناول معلمو الشريعة وكبار الحاخامات عشاء الفصح مع تلاميذهم، ولكنَّ ربّنا يسوع عادَ ليُؤكد أيضاً على حقيقة عائلتهِ الحقيقية: “مَن هي أمي ومَن هم أخوتي؟ ونظرَ إلى الجالسينَ حولهُ وقالَ: هؤلاء هُم أُمي وإخوتي! لأن مَن يعملَ بمشيئة الله هوَ أخي وأُختي وأُمي” (مر 3: 33- 35). ومثلما فعلَ عند دخولهِ أورشليم فعيّنَ لهم الجحشَ الذي سيركبهُ (11: 1- 2)، دلهم يسوع على المكان الذي سيحتفلُ فيه بالفصحِ ليُؤكد على حقيقةٍ أخرى هي أنه هو الذي قد أعدَّ وهيأ كل شيءٍ، وهو يعرفُ الطريقَ الذي يسلكهُ، ويلتزمِ به بملءِ إرادته: هو سيدُّ الأحداثِ: “فأرسلَ إثنينِ من تلاميذه وقالَ لهما: “إذهبا إلى المدينةِ، فيُرقيكما رَجلٌ يحملُ جرّة ماءٍ [وهذا امرٌ غريب فالنساء عادة هي التي حمل الجرّات] فأتبعاه. وعندما يدخلُ بيتاً قولا لربِ البيتِ: “يقول المعلم: أينَ غُرفتي التي آكل فيها عشاء الفصحِ مع تلاميذي؟ فيُريكما في أعلى البيتِ غُرفةً واسعةً مفروشةً مُجهزة، فهيئاهُ لنا هناك”. فذهبَ التلميذان ودخلا المدينة، فوجدا كما قالَ لهُما وهّيّأَ عشاءَ الفصحِ” (13- 14). سأل تلاميذه إذن: أين يُهيئونَ عشاءَ الفصح، فجاء الجواب: كلُّ شيءٍ قد أعددته مُسبقاً، عليكم تنفيذ ما تمَّ إعدادهُ.

طريقة أكل الفصح كانت مُعدّة على نحو خاص تذكيراً لحدث الخروج من مصر، فعامل العجلة والإعداد مطلوب، لذا كان الحاضرون يجلسون جلوس ديوان حول مائدة تتوسطّهم، يكون في رأسها كبير المجلس، ويجلس عن يمينه أكبر الأبناء، أو أكبر التلاميذ في حلقة المعلم. ويقتصر الطعام على تناول أعشابٍ مرّة وخبزٍ وخمر.

التنبؤ بالخيانة (14: 17- 21)

كان ربّنا يسوع، في الاسبوع الآخير من حياته الأرضية، معتاداً ان يغادر أورشليم مساء كل يوم ثم يعود أليها اليوم التالي ويبقى في الهيكل للصلاة والتعليم: “ودخلَ يسوع أورشليمَ والهيكلَ، ونظرَ كُلَّ شيءٍ فيه، وكان الوقتُ فاتَ، فخرجَ إلى بيتِ عَنيا مع التلاميذ الأثني عشرَ” (11: 11) … “وعند المساء خرجوا من المدينة” (11: 19). لكنّه أرادَ في هذا اليوم أن يبقَى في المدينة ليلاً  ليتناولَ عشاءَ الفصح مع تلاميذه. وفي مساء الخميس جلسَ مع التلاميذ الأثني عشر لتناولِ عشاء الفصح، في العُلية التي أُعدّت لهذا الغرض. ومعلومٌ أن النهار الكتابي يبدأ من مساءَ اليوم إلى صباح اليوم التالي، لذا يبدأ يوم الفصح ِبعشاءِ الفصحِ لتكتملَ ذبيحة فصحِ يسوع: صلبهُ وموته في يومِ الفصحِ.

كان العشاء الفصحي الأول في مصر (خر 12) يجرى بسرعة ويتناولون واقفين منتظرين التحرير، ثم صاروا يأكلونه متكئينَ، علامة أنهم مرتاحونَ في راحةِ الله. في هذه الأثناء يُعلنَ ربّنا وبحزنٍ شديد: “الحق أقولُ لكم: واحدٌ منكم سيُسلمنُي، وهو يأكلُ معي” (18) مُذكراً بصلاة المُزمّر: “حتى صديقي الذي وَثقتُ به وأكلَ خبزي آنقلبَ عليَّ” (41: 10). لقد تميّزت مواقف التلاميذ بالخيانة والإنكار والإنهزام، ولكنَّ خيانة يهوذا هي الأشد خطورةً. لقد سارَ يهوذا خلفَ يسوع طوالَ السنوات الماضية، وتناول معه العشاء الفصحي، ولكنَّ ذلك لم يضمن له البقاء أميناً له. فشرع كل من التلاميذ يسأله: “هل أنا هو؟” (19)، وهو السؤال الذي علينا أن نتسأله يومياً: “هل أكون أنا الذي يُسلم ربّنا يسوع ويخونه؟”.

لم يذكر ربّنا اسم يهوذا، بل قال: “واحدٌ منكم سيُسلمني، وهو يأكل معي” (18) ليُعطي الفرصة ليهوذا ليعدلَ عن قراره. لقد اختاره ليكونَ بين حلقة الإثني عشر لأنه توسّمَ فيه غيرة وشجاعة، وأوكلَ إليه مهمةَ امين صندوق الفرقة، وهو يُجلسهُ الآن إلى المائدة معه ويمنحه الفرصة للتوبة. ولكنَّ يهوذا مضى في قراره، وقطع كل صلة بيسوع. ولم يُفصِح ربّنا عن إسم الخائن، لأن خيانة يهوذا لم تنتهِ بل ستتواصل، فكلُّ واحدٍ منّا سيسأل نفسهُ عن خيانته ِالخاصّه: “هل أنا هو؟”، وتعمّد مرقس في أن يذكر هذا السؤال لكي لا نتهرّب نحن من مسؤوليتنا تجاه مسيحّتنا، تجاه مسيحنا. ولم يذكر إسمهُ بل أشارَ إليه من خلال فعلهِ، فنسأل مُجدداً عن صدِقِ افعالنا ومواقفنا التي نتمنّى أن تكون خياناتٍ تُزيدُ من آلام ربّنا يسوع.

أنكرَ بطرس أجواء الخيانةِ وصرّح ان نكرانهُ سيعني نهايةُ العلاقة مع يسوع، وأكدّ ربّنا له أن نُكران الألم وتجنّبهِ لن يُوصِلنا إلى إلى الحياةِ، على العكس أولئِكَ الذين ينكرون أنفسهم سينالونَ الحياة (8: 34- 38)، وعلى الرغم من ذلِك كلّه، فربّنا قادرٌ على أن يُحي العلاقة التي أنكرناها بمواقفنا الجنابة. بالطبع، كلّنا سيقول: هناك مئات الشهواد والخبرات التي تجعلكم تؤمنونَ يا تلاميذ يسوع أن كلَّ ما يقولهُ ربّنا لكم، هو صحيحٌ ولا مجال لنكرانهِ! ولكنَّ كلنا يرفضَ موتَ شخصٍ نُحبّهُ، حتّى لو كان مريضاً، فكيفَ إذا به شابٌ في الثلاثين.

واحدة من أهم حقائق قصّة آلام ربّنا يسوع هو أن العالم يهابُ يسوع ويخافهُ، ولكنّهم ليسوا قادرينَ على إهلاكِه إن لم نُسلّمهُ نحن ونخونهُ. فالخطيئة هي من الداخل، وهي التي تُدمُر الكنيسة لأنها خيانة للبشارة، وكأننا نقول ليسوع المسيح: إننا نستحيي ببشارتِك، لذا سنسعى لنعيشها مثلما يحلو لنا، ولا تهمنا الشهادة لمسيحيتنا. وهذه هي الخيانة الكُبرى.

عشاء العهد (14: 22- 25)

أنهى ربّنا يسوع لقائه مع يهوذا وتوجّه إلى تلاميذه ليُباركَ خبزَ المائدة وخمرها، ويتناول معهم طعام الشِركة، فيرتبطوا معه، ويربطهم معاً: “فشَربوا مِنها كُلّهُم” (23) وهكذا يُعطي العشاءَ الفصحي بُعداً مُكمّلاً. أخذ الخُبزَ وباركَ أي تلى صلاة البركة:

مُباركٌ أنت أيها الربُّ الإله ملكُ الكون، الذي يُخرِجُ الخبزَ من الأرض …

مُباركٌ أنت، أيها الربُّ الإله ملكُ الكونِ، الذي يخلقُ ثمر الخمرةِ …

فالله هو الذي يُباركَ دوماً، وهو مُعطي الحياة وهو مُديمها، لذلك، عندما كان المُشاركُ في الفصحِ يقبل الخبزَ والخمر كان يشكر الله على عطيّة الحياة. وربّنا يسوع يُباركُ الله الذي أعطاه حياته: جسده، ويُقدّم هذا الجدس: حياته لتُكسر من أجل خلاص كثيرين في فعلِ محبّة سخيّ، مثلما كسرِت المرأة قارورة الطيبِ.

الله هو الذي يُبارك لأنه أعطى كأس الخلاص، ويُقدمها حُباً. ويُنهي ربّنا يسوع العشاء بتوجيه الأنظار نحو مجيء ملكوت الله: “الحق أقولُ لكم: لا أشربُ بَعدَ الآن من عصيرِ الكرمةِ، حتى يجيءَ يومٌ فيه أشربهُ جديداً في ملكوتِ الله” (14: 25). كانوا يرشونَ المُشاركينَ في الذبيحةَ بالدمِ فيمنحوهم بركات العهد: “فأخذ موسى الدمَ ورشّهُ على الشعبِ وقالَ: “هذا هو دمُ العهدِ الذي عاهدكم الربُّ به على جميعَ هذه الأقوال” (خر 24: 8)، هوذا ربّنا يقبلَ حياته عطيّة من الله، ويُعيدها إليه، ثم تُفضُ خلاصاً علينا نحن البشر، وهذه هي إرادة الله: العهد: دياثيقي: الله يختارُ له شعباً، والشعب يَعدُ بالطاعةِ له، والدم علامة تربط الشريكينَ بعهدٍ أبدي.

ونستخلص من تفاصيل هذه القصّة أن ربّنا يسوع المسيح هو صاحب المائدة، وهو الذبيحة نفسها، وهو يدعو الإنسان ليُشاركه الوليمة، فيخلقَ العهد والشراكة معاً، مع علمه أن هذا الشريك سيخونه وينقلِبَ عليه. ولكن، وعلى الرغم من الخيانة والإضطهاد والإستشهاد، يدعو ربّنا يسوع الإنسان ليتبعه بأمانةٍ وبإيمانٍ يتجاوز الخطيئةَ؛ نُكرانَ بُطرسَ وإنهزامَ التلاميذ. فعلى الرغم من أجواء الخيانة يبقَى رجاءُ ربّنا يسوع راسخاً في الله: “لا اشربُ بعد الآن من عصير الكرمة، حتى يجيءَ يوم فيه أشربهُ جديداً في مَلكوتِ الله”. لا يدع ربّنا الخطيئة المُتمثلة في خيانة يهوذا ونكران بطرس تهيمن على أجواء العشاء الذي أراده لتعميقِ الشِركة بينه وبين َتلاميذه. ونأسفَ اليوم أن نجد أنفسنا نحن تلاميذه منقسمينَ على بعضنا البعض. هو الذي أرادنا في وحدة وشِركة تامّة معه. فلنصلِّ ليساعدنا لنبحثَ عما يجمعنا ويُقوينا ويُثبّتنا فيها، ولا ندع للمُجرّبِ فرصةَ تقسيمنا وإضعافنا.

أعطانا جسده ودمه، لقّد دلّنا على الطريق، فإحياء ذكراه لا يعني فقط أن نحتفل بالقُداس، بل أن نعيشَ حياتنا قُداساً متواصلاً. أن يكون لنا عطاء المسيح يسوع، أن يكون فينا محبّة يسوع المسيح، أن يكون لنا فكرُ يسوع المسيح: “هو في صورة الله، ما أعتبرَ مُساواتهُ لله غنيمةً، بل أخلى ذاتهُ، وإتخذَ صٌورة العبدِ، صارَ شبيهاً بالبشرِ، وظهرَ في صورةِ الإنسان، تواضعَ، وأطاعَ حتى الموت، الموت على الصليبَ. فرفعهُ الله أعطاه إسماً فوق َكل إسمٍ لتنحني لأسمِ يسوع كُلُ ركبةٍ في السماء وفي الأرضِ وتحت الأرضِ ويشهدَ كلُّ إنسانٍ أن المسيح هو الربُّ تمجيداً لله الآب” (فل 2: 6- 11).

مع أن ربّنا يسوع مُحاطٌ بأجواء الخيانة والجُبنِ والضعفِ والتي تمنعُ التلاميذ من مواصلة المسيرة خلفَه، بل أضحت سبباً آخر في تسليمهِ إلى الموتِ، إلا أن مرقس الإنجيلي مؤمنٌ أن الربَّ القائم هو الذي سيجمع حولهُ رُسلهُ من جديد ويخلقُ بغفرانهِ جماعةً جديدة. فالقصّة ستتواصل إلى ما بعد الصليب، وموت يسوع هو ذبيحةُ عهدٍ لتأسيس جماعةٍ: كنيسة، وعندما يككتمل ملكوت الله سيحتفلون معاً بخمرٍ جديدةٍ.

وختمُوا العشاء بتلاوة المزامير 115- حتى نهاية المزمور 118.

يسوع الكاهن الأوحد

كرسَ الله سبط لاوي لخدمة الهيكل وترؤسَ الإحتفالات الطقسية وتقديم الذبائح وقيادة الصلاةِ وإعلانَ كلمةِ الله. ومع أنهم كانوا يقومون بكلِّ هذه المهام الكهنوتية إلا أن خدمتهم هذه لم تكن تمُسُّ شخصهم، لأنهم كانوا يُقدمونَ ذبائح لا حياتهم، فكان هناكَ شكلٌ من الفصل ما بين حياتهم وبين حياتهم، وقد فصلوا أنفسهم عن الخطأة الذين تُقدم لأجلهم الذبيحة، ليلتزموا طقوس الطهارة الواجبة لأداء مهامهم الكهنوتية.

دخل الربّ يسوع الهيكل والمجمعَ لا ككاهن بل كمؤمنٍ يسمع كلام الله ويُصغي إليهِ، وخالطَ الخطأة وقدّم نفسه ذبيحةً لله، فهو مُكرسٌ كلياً لله، هو كلّهُ لله مثل الذبائح التي كانت تُقدّم في الهيكل: “وأنا أُقدس ذاتي من أجل تلاميذي ليكونوا هم أيضاً مُقدَّسين في الحق” (يو 17: 19)، “لأن إبن الإنسان جاء يُقدم حياتهُ فداءً لأجل كثيرين” (مر 10: 45). فلم يُفكر ربّنا يسوع يوما ًأن ينالكَ لقبَ “كاهن”، بل على العكس، طاردهُ رؤساء الكهنة والكتبة ليُحاكموه ويقتلوه، وبفعلتهم هذه أسهموا في تحقيق ما كان يُريد هو: “أن يكونَ ذبيحةً مرضيةً لله”، وهكذا صارَ ربّنا هو الذبيحةَ وهو خادمها أيضاً. فأضحى الكاهن الأوحد.

ذبيحة ربّنا يسوع كانت محبتهُ وطاعتهُ لله الآب التي كلّفتهُ حياتهُ، فهو لم يفصل نفسهُ عن الذبيحة: “هذا هو جسدي … هذا هو دمي”، فلم يحتفل بطقسٍ خارجي، بل بتقدمة حياتهِ، التي ارادَ بها أن يُعبّرَ عن محبة الله للإنسان، لاسيما الإنسان الخاطئ البعيد عنه، وجمعَ تفرّق الناس من خلال محبته ِالخدمة، فغسل أرجل تلاميذه ليتعلم الإنسان خدمة أخيه الإنسان، وصالحَ الجميع مع الله.

يسوع يُصلي في جتسمانية (14: 32- 42)

لم يكن التلاميذ وحدهم مَن أنكروا ربّنا يسوع وإستحيوا به وببشارتهِ. فكلنا قد نضعف أمام التجربة وتهزّنا الشدائد، ويغلُبَنا الشّرُ، فترانا نستحيي من بشارة ربّنا يسوع المسيح، ونتراجع فلا نُقدم صورةً بهية عن مسيحيّتنا. هذا ما دعا بولس ليُعلنَ في رسالته إلى كنيسة روما، ما يُعَدُّ وصيّته الأخيرة: “وأنا لا استحيي بإنجيل المسيح، فهو قُدرة الله لخلاصِ كُلِّ مَن آمن … لأن فيه أعلنَ الله كيف يُبرر الإنسان: من إيمانِ إلى إيمان” (روم 1: 16- 17). العالم اليوم لا يرى فينا الإيمان النقي الذي قدّمته المرأة اليوم، ولا يلمس فينا آلامانة التي ابداها ربّنا اذ سار في دربَ الآلام.

خرجَ ربّنا يسوع مع تلاميذه إلى بستان الزيتون، ونبّههم عن ضرورة التهيّؤ لساعة التجربة، لأنهم سيتراجعون، سيتركونه، سيعثرونَ، سيشكّونَ وسيضعفونَ، لأن الراعي سيُضرَب فتتبدد الخراف، ولكنّه كالمعتاد يُنبههم وكلّه رجاء: بعد قيامتي سأسبقككم إلى الجليل.

هُنا أعلن بطرس: لو تركوكَ كلّهم، فأنا لن أتركك! وصدقَ بطرس في ذلك، لأنه لن يتركَ ربّنا فحسب، بل يفعل ما هو أكثر شناعة: سيُنكره. ويحتجّ بطرس أكثر من ذي قبلُ: لا أنكركَ وأنا مُستعدٌ لأن أموتَ معكَ، وهكذا صرّحَ بقية التلاميذ ويروي لنا آباؤنا الروحيون عن أمرٍ حدث في السماء حيث أمرَ القديس بطرس احد الملائكة بالبحث على الأرض عن أكثر الناس خطيئةً، فذهب الملاك ليبحث على عجلٍ، ولكنه التقى أمنا مريم التي سألته عن سبب عجلتهِ، فأخبرها بالمهمة التي كلّفه بها القديس بطرس.

فذهبت أمنا مريم وخاطبت القديس بطُرس: “أنت كنت أكثر الناس خطيئة يا بطرس عندما أنكرتَ مُعلّمك، فكيف تطلب مثل هذا الطلب”. فأحنى بطرس رأسه وبكى لطلبه.

نحن نعرفَ أن كل ما قالهُ ربّنا قد تحقق. فلا فائدة يا بُطرس من تصريحاتك، ولا من إحتجاجاتكَ. تركتم ربّنا وانكرتموه، مثلما نحن نتركه ونستحيي بمسيّحيّتنا مراراً وننكر اسمنا الشريف: مسيحيين عبرَ مواقف ليست لها أي علاقة بالمسيحية. بالطبع نحن نفهم الصعوبة التي وجدها التلاميذ في قبول حقيقة أن الذي يُحبونه سيموت، وسيُغادرهم. لربما إن كان مريضاً يُمكن قبول مثل هذا الاحتمال المؤلم. أمّا أن يكونَ صحيحاً مُعافى، مُقتدراً في القول والعمل، فهذا شُبه مُستحيل للتصديق. نبيٌ بشّر وشفى وادخل البهجة غلى قلةب أُناس كثيرين، وغفرَ خطايا أُناس مُهمَشين، وجمع حوله ألوف الناس، هذه كلّها كان يجب ان تقوده إلى المجد لا إلى الصليب. لذلك لم يقبل التلاميذ أن يموتَ معلّمهم، فتنكّروا لهذا الواقع.

وجاءت كلمات يسوع لتُطمئنهم على أن الصليبَ لن يكون علامة انتصار أعداء يسوع، بل عطيّة الله الرحيم الذي أرسل ربّنا ليُعيد شعبَ الله إلى قلبهِ. فجاء ليرحمَ ويُخلّص لا ليدينَ ويُهلِك. فموت يسوع ليس نهاية بل تأكيد على أن كلَّ ما قالهُ هو حقٌ، وسينتصر وسيخلق انتصاره جماعة جديدة: كنيستهُ التي عليها أن تُبشّر في العالم كلّه محبّته السخية وعطاءَه الكلي للبشر.

وهذا ما لم يفهمه التلاميذ، ولا نفهمه نحن مراراً كثيرة، لأننا اعتدنا على أن نتعامل مع الناس والله وفقَ قانوننا الخاص: أُعطيكَ فأستفيد، ولا مجال للعطاء بمحبّة ومجّانية.

وصلوا إلى مكان إسمه جتسيمانية. هناكَ طلبَ ربّنا من بعض تلاميذه أن يبقوا في الصلاة معه، وتركهم ليُصلي في ساعة رهبة وكآبة. وكان على التلاميذ الثلاثة: بُطرس ويعقوبَ ويوحنا أن يسهروا معه. والطلب نفسه يقوله لنا ايضاً: إسهروا. قبل أيام من هذه الحادثة تقدّم يعقوب ويوحنا إبنا زبدى وكلّهم إستعداد لشربِ كأس الألم: مُعلنينَ: نعم نقدر أن نشربَ الكأس التي ستشربها (10: 35- 40)، ولكننا نراهما اليوم عاجزين عن السهر ساعة واحدة مع ربّنا يسوع. والسبب هو أنهم إعتمدوا على قوّتهم وتصوّروا أنهم قادرونَ على مقاومة المُجّرب، هنا، يُرشدنا ربّنا إلى القوّة التي بها نتغلّب على التجربة: الصلاة، العلاقة مع الله.

ويسوع نفسه مُتضايقٌ من قدزم آلام والعذاب والموت. هو إنسان يحسُ بالألم، ويشعر برهبة الموت، ويتضايق من الظلم، فهو بريءٌ. ولكنه لا ينسى أن كل شيءٍ يجب أن يكون أمام أنظارِ أبيه: “أبّا! الكل ممكن لديك. أصرف عني هذه الكأس. لكن لا ما أنا أريد بل ما أنت تريد!” (36). صلاتهُ لقاء حقيقيٌ بالله وهو يُعبّر عن إستعدادهِ ليُكمّل إرادته: وإرادة الله الآب هي: أن لا تتراجع يا إبني الحبيب عن كل كلمةٍ قُلتها، وعن كل لمسة حنان ورحمةٍ قدّمتها لشعبي: أنا راعيهم، وثابتٌ فيما بشّرتهم أنت فيه.

مُشكلتنا هي أننا نتذكّر الصلاة وقتَ الشّدة، ولا نذكر ربّنا أو نستذكره في حياتنا إلا عند الأزمات، وفي الرخاء ننسى او نتناسى التقّرب إليه، وسماعَ كلمته، زمعرفته، الشهادة له. في نعاس الرسل ونومهم درسٌ يُعلّمنا أننا لسنا قادرين على النُصرة وحدنا، علينا أن نكونَ معه، فالمُجرّب الذي لم يتركَ ربّنا يسوع الذي كان مُقتدراً قولاً وعملاً، فجاء وجرّبه، فكم بالحري سيُجرّبنا نحن؟ وإن فشِل الرُسل في فهم ربّنا والبقاء معه، وسقطوا في كسلهم، ولكنّهم عادوا وتقووا فبشّروا العالم كلّه بإنجيل ربّنا، فهذه تعزيةٌ لنا.  فالله ينتظر عودتنا. فلا ينبغي أن نتراخى او أن نتباطأ، اليوم يطلب منّا ربّنا أن نسهرَ معه، واليوم يُريد منّا موقفاً يُبيّن أننا معه.

قُبلة الخيانة (14: 43- 51)

“قوموا ننصرِف، إقتربَ الذي يُسلمني! (42) مرّة أخُرى أظهر ربنا يسوع على أنه سيّد الموقف وهو يسيرَ في هذا الطريقَ بملءٍ إرادتهِ، وهو الذي سيمضي ليواجه الخائن، ولا ينتظر أن يُؤخذَ. إنه منتصف الليل: في مثل هذا الوقت ينتظر الفصح اليهودي ظهور الماشيحا،  وهنا ظهر التلميذُ الخائن. وصلَ يهوذا وقبّلَ يسوع معلمه،  ويُريد بذلك أن يُعينَ للرجال الذين معه: مَن هو المطلوب من بين كل هؤلاء الرجال. فتكون قُبلة يهوذا أول فعلٍ عنيفٍ ضد ربّنا يسوع والذي ينتهي بصلبهِ.

من المؤكد أن يهوذا كان عارفاً بمكانِ تواجد يسوع، وكان الرجال الذين أتوا للقبض عليه بحاجة إلى علامةِ لمعرفة الرجل في الليل. لذا أعطاهم علامة: هو الذي أُقبلّهُ. “هو الذي أُقبلّهُ، فامسكوه وخذوه في حراسةٍ شديدة. جاؤوا إلى يسوع كعصابة مأجورة، ولم يكن الإعتقال رسمياً، بل محاولة تصفية يسوع من قبلِ رؤساء الكهنة ومعلمو الشريعة وشيوخُ الشعب. وهو ما أزعج ربّنا الذي طالما سمعهم يقولون له في الهيكل: يا رابي؛ يا مُعلّم، وهاهم يتصرّفون الآن وكأنهم عصابة: سيوفٌ وعُصيٌ. هي ليلة الخيانة حقاً، خيانة الصديق الذي إرتبطَ بجُبناء لم يكونوا قادرينَ على مجابهة يسوع في وضحِ النهار خوفاً من الشعب.

تتباين مواقفنا من يسوع: حُبٌّ بحرارة وعطاءٌ تام، مثل المرأة صاحبة القاروة، التي تُشير إلى الحياة الطيّبة ذات العطر النقي، وبين وخيانة ونُكران تام مثل يهوذا الذي يُحوّل الحياة إلى موتٍ، ويُطفئُ النور ليجعل الجميعَ في ظلمة.

قبضوا على يسوع، ولكن هذا الإعتداء لا يُترك من دون عقاب: إذا بسيفٍ يقطع أذن عبد رئيس الكهنة، هو قصاصٌ موجّه لرئيس العبد: رئيس الكهنة. فإذا جعلوا من ربّنا “لصاً”، يُعلنَ صريحاً أن عبد عظيم الأحبار (مُمثله) لصٌ ويُعاقَب بضربة سيف وهي عقوبة كانت قد دخلت مع الفرس خمسمائة سنة قبل المسيح إذ كانون يقطعون أُذنَ اللصوصِ وقُطّاع الطُرقِ. وفي العُرف اليهودي لا يستطيع مَن، قُطعَت إذناه أن يُ

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO