الحرّيّة في خضمّ الآلام: التأمّل أمام المصلوب

الحرّيّة في خضمّ الآلام: التأمّل أمام المصلوب

يسوعيون 

بقلم الأب بول كوتينهو اليسوعيّ

نبدأ مسيرة الرياضات الروحيّة الإغناطيّة في تأمّلنا للخطيئة. فأنا المتروّض” من يقوم بالرياضة”، أحاول من خلال التفكير والتأمّل، أن أكتشف علاقتي مع الله. وفي هذا الإطار عينه أكتشف ذاتي، أكتشف من هو الله، ومن خلال هذا الاكتشاف أعرف من أنا

من أنا؟ أنا شخصٌ على صورة الله ومثاله، خُلقت على الطيبة والجمال. من أنا؟ أنا من يُصغي إلى صوت الله، وهو يقول لي بشكلٍ واضحٍ ومُعلن: ” أنت حبيبي، أنا سعيد بوجودك، ونعمتي تغمرك، وفرحي يكمن فيك”. هذا ما أنا عليه، مهمٌّ، وعزيزٌ، وجميلٌ في عيني الآب. وهنا أكتشف ذاتي، وهوّيتي من خلال علاقتي معه

الاتّحاد مع هذا السر وفهمه بعد أن اكتشفت هوّيتي، يدعوني القدّيس إغناطيوس دي لويولا إلى التأمّل في حياة يسوع والدخول في علاقة شخصيّة معه من خلال سلسلة من التأمّلات. من هو عمانوئيل “الله معنا”؟ عمانوئيل هو يسوع، وهو الله الّذي تجسّد “تأنّس” لكي يتألّه البشر. وهنا يدعونا إغناطيوس لكي يُصبح التأمّل والمشاهدة جزءً لا يتجزّأ من صلاتنا، فمن خلال تأمّلنا لسرّ التجسّد الإلهيّ، نسمح لهذا الإله “الابن المتجسّد” أن يسكننا ويحوّل ذواتنا فنُصبح على مثاله. وعندما نأتي إلى الأسبوع الثالث للرياضات؛ أتأمّل في آلام المسيح، فأكون متّحدًا مع سرّ الفداء وأغوص في أعماقه. فيُصبح روح عمانوئيل وقلبه خاصتي بينما اكتشفت أكثر فأكثر سرّ آلام المسيح “عمانوئيل” وموته

وهنا أختبر الحرّيّة في خضمّ هذه الآلام المبرحة: الجسديّة، والنفسيّة، والروحيّة، والعاطفيّة. وأخرج من هذا التأمّل أمام المصلوب كمَن وُشم بوشمٍ إلهيّ، وأستطيع حينها أن أقول بلسان يسوع المصلوب: ” يمكنكم أن تأخذوا كل ما أملك، لأنّني ما زلت قادرًا على الرقص والغناء، فلن تقوّا على إخفاء صوت ضحكتي. تستطيعون أن تضربونني، كما وتستطيعون أن تتجنّوا عليّ بكلّ الاتّهامات الباطلة، وتسلبونّني كلّ حقوقي، لكنكم لن تستطيعوا سلب حرّيتي

معنيان لصلب يسوع وآلامه

إنّ كلّ من يُصلّي مع مسيرة الرياضات الروحيّة الإغناطيّة يكتشف أمرين اثنين من خلال تأمّله أمام الصليب

الأمر الأوّل، إنّ الصليب هو حتميّة علاقتي مع الآب، فعمق علاقتنا مع الآب ما هو إلاّ تخلّي عن الذات، والموت عن أمورٍ كثيرة، والتنازل عنها. فإن أصغيت إلى يسوع وتعاليمه، سأكون على مثاله. لكنني في معظم الأحيان أرفض أن أكون على مثاله، فهذا التشبّه يوجب عليّ المرور بالآلام، أن أكون ماثلاً على خشبة الصليب في الجلجثة، لكي أختبر من بعدها فرح القيامة

الأمر الثاني، وهو في الحقيقة بشرى سارة. فالبشرى تكمن في أنّ يسوع المسيح جاء ليهبنا الحرّيّة، ولا نعني بها التحرر من الألم، والمعاناة، والمرض، والموت؛ بل حرّيّة نختبرها في الألم، وفي المعاناة، وفي المرض، وفي الموت. فلم يعدنا يسوع بالخلاص منها، بل وعدنا أن يهبنا السلام الّذي لا يستطيع العالم وهبنا إياه، وعدنا أن يهبنا الحرّيّة الداخليّة، والفرح، والسعادة ولا يستطيع أحدٌ أن ينتزعها منّا، حتى في أشد أوقات الضيق والمعاناة، وأمام الموت. هذا ما يقدّمه لنا يسوع من بشرى من خلال الصليب. هذا ما دعى الكثير من القدّيسيّن المتصوّفين أمثال تيريزيا الأفيليّة، ويوحنا الصليب، إلى أن يتغنّوا ويسبّحوا الرّب عندما صلّوا مع الصليب وآلام المسيح، ونرى أنّ تأمّل الصليب هو أحبّ صلواتهم. أحبّوا آلام المصلوب وابتهجوا بها لأنّها منحتهم الحرّيّة والسلام الداخليّين

عندما تقرأ قصة الآلام بحسب إنجيل يوحنا، والّتي تبدأ مع غسيل الأرجل في الفصل 13، حاول أن تدخل إلى قلب يسوع وتتحد به، عندها ستتغيّر كما تغيّر المتصوّفة المسيحيّون، وسيمنحك يسوع القوّة، قوّة القيامة، وستكتشف المعنى من وراء الألم والمعاناة. ستجد المعنى الّذي سيخوّلك المضي قدُمًا رغم التحدّيات والأوقات العصيبة. فالصليب قوّة، وهو دعوة الله لنا لكي نكون على مثاله

مُستلّ من كتاب: كم عظيمٌ هو إلهك؟ الحرّيّة لتعيش الألوهة
نقلها إلى العربيّة طوني حمصي اليسوعيّ

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO