هل هي مصالحة مع الله، أم هي مصالحة مع الذات أم هي لربما؟

هل هي مصالحة مع الله، أم هي مصالحة مع الذات أم هي لربما؟

موقع أبونا

عمّان – وائل سليمان

يبحث الإنسان خلال فترة سفرةِ حياتهِ على الأرض عن مصالحةٍ مع  خالقهِ، في البداية من خلال البحث عنه بكل الطرق والوسائل المتاحة وغير المتاحة، ويبدأ بالصلاة والصوم وقراءة الكتب المقدسة محاولاً بشتى الطرق التقرب إلى الله، حتى إن بعض البشر يتخلونَّ عن كل شيء، المال والجاه ومغريات الحياة، ولربما أكثر الأشياء حتى يتقربون إلى الله، محاولين بل جاهدين أن يتصالحوا مع من تجاهلوا.

ونرى أنَّ منهم من شعر أن أسوار الدير هي الكفيلة في إعادة المصالحة، و منهم من ظنَّ أن الصلاة لفترة أطول هي دخول النفس والجسد إلى عمق أعماق الإله، ومنهم من أعتقد أن التأمل بصمت سوف يجعل الروح الجسدية تترابط مع روح الإله، وفي آخر المطاف نرى  أنَّ الإنسان الساعي إلى مصالحة مع خالقة، يعزز علاقة خاصة ومميزة مع الله، يخترق حتى جدران السماء المفتوحة المغلقة.

وتنخطف الروح متجهة إلى طريق يؤدي بها إلى نهاية سعيدة بلا نهاية. ولكن السؤال هل مصالحتنا مع الله كافية لنكون متحدين معه؟ هل دخولي إلى عالم الآلهة سوف يفتح لي طريق الدخول إلى عالم الإنسان؟ هل إتحادي الروحي سينزع اتحادي الجسدي؟ هل اكتفيت بمصالحة مع آلهه المصالحة؟ أم أنا بحاجة إلى مصالحة مع ذاتي؟

ويبدأ الإنسان الدخول إلى عالمه، لعلَّ وعسى أستطيع أن أتقبل نفسي! هل أستطيع أن أحصل على موعد خاص مع روحي وجسدي وأختلي بكياني لأكتشف هويتي؟ لكن الدخول إلى نفسي أشبه بدخول مناجم في عمق الأرض، لا تعرف ماذا ستكتشف إلا عندما تصل إلى العمق، والوصول إلى العمق يجعلني أبحث عن مصالحة مع من لا يريد المصالحة!.

هل أنت مشغول ولا تريد حتى أن تفرج عن نفسك؟ هل لك رأي آخر بماهية المصالحة؟ هل يجب علينا إن نبحث عن وسيط لتوقيع اتفاقية مصالحة مع ذاتنا؟ يخوض الإنسان حرباً شرسة مع ذاته لعقد أتفاق المصالحة في الوقت التي تبحث النفس عن معرفة ذاتها أو الهروب من ذاتها من أجل التمرد والخصام، وعندما تلتقي نفسي بنفسي تُجبر على مصالحة نفسي. والنتيجة هي مصالحة مع ذات فقدت أحساساً بأنها جزء من الكل وتبقى النفس معزولة كتراب الصحراء، الهواء يأخذها إلى حيث يشاء ولا تعرف إلا ذاتها.

الإنسان يصارع لمصالحة مع الله ومصالحة مع الذات، وتُربط عادة المصالحة لإعطاء قيمة للمصالحة لكن لم تُكفل تلك المصالحة ولم يُكتب في حضورها اتفاقية تضمن استمراريتها، فتغدو المصالحة فاقدةً لمعناها، ويبقى الإنسان خالياً من علاقة تؤكد ماضيه وتثبت حاضرهُ وترسم مستقبله.

وليس لأن المصالحة مع الله لا تبني كياننا! وليس لأن مصالحتنا مع ذاتنا لا تؤكد وجودنا! بل المصالحة هي جزء مهم من التركيبة الإلهية الإنسانية، لكن هل يكفي مصالحة مع الله الذي صالحنا إلى الأبد عندما عُلق بين الأرض والسماء؟ هل يكفي علاقة صداقة مع من قدس الصداقة؟ هل علاقتي مع الله جسر أم حاجز مع ذاتي ومع من هم حولي؟ هل اتحادي بالله طريق الوصول إلى الآخر أم نهاية علاقتي بالآخر.

وهل مصالحتي مع ذاتي هي مرجعية علاقتي مع من أوجدني؟ ألم تكن يوماً علاقتي مع ذاتي سبباً في انفصال العلاقة مع الله وعدم الاكتراث لمن هم حولي؟ ألم أغلق على نفس أردت لها الانفتاح؟ والسؤال، هل مصالحتي مع الله هي الطريق، أم مصالحتي مع ذاتي توصلني الى الطريق أم لربما مصالحتي مع الآخر هي الحل؟.

الإنسان يتمنى المصالحة مع الله هرباً من عالم تسوده فوضى في القيم والمبادىء والثوابت، فالحل أمام انسان متواضع في تفكيره هو الهروب مع الإله الذي صنع الانسان لتكون له حياة سعيدة.

لم يفهم الانسان السؤال الموجه من الله في لحظة معينة من تاريخ الانسانية، “قائين قائين أين أخوك هابيل؟” والجواب “أحارس أنا لأخي!” أراد الله إيصال رسالة واضحة أن المصالحة مع الله لا تكفي الله، المصالحة مع الذات لا تكفي الذات، يا إنسان أين هو أخوك الإنسان؟.

ألست أنت من قتل! ألست أنت من عاقب! ألست أنت من ارتكب الجرائم، الحروب، الدمار! ألست أنت من ألغيتَ القوانين الإلهية والانسانية لتسير الإنسانية على قوانين وضعتها أنت؟ ألستَ انتَ من أجهض؟ ألست أنت من أفسد؟ ألست أنت من ألغى وجود الله الذي أراد الإنسان مصالحته؟

هل تعيش في عالم غريب لأن الله لا يسكن بجوارك، ولا يقود سيارته في الشارع، ولا يجالسك في العمل، ولا تراه؟ هل تهرب من عالم أنت هو مركزه؟ ألم تقرأ في عمق التاريخ كلمات تردد على مسامعك دائماً “أنا هو السجين، أنا هو المتروك، أنا هو المريض، أنا هو جارك، أنا هو العجوز، أنا هو الطفل الذي يلعب بالحارة، وأنا هو من يجالسك المكتب بالعمل، وأنا هو الذي تلتقي به كل يوم في كل مكان، نعم انا هو وليس غيري!.

ألم تكتشف نفسك في الآخر بعد؟ ألم تشعر بسعادة لا توصف عند إعطاء الأمل لمن فقد الأمل؟ ألم تتمنى البقاء على الأرض عندما ابتسمتَ لمن فقد الإبتسامة؟ ألم تشعر بأنك الإله عندما أعطيتَ الحياة لمن كان على وشك أن يفقدها؟ وألم تتصالح مع ذاتك في اللحظة التي صالحتَ من كان غريب عنك؟.

المصالحة مع الآخر هي طريقي للوصول الى المصالحة الكاملة مع الله و مصالحة كاملة مع الذات.

عندما سأقف أمام الله في يوم من الأيام، عندما يسألني عن هويتي، من أنت؟ سأقول له أنا الروح التي نفخت والجسد الذي بنيت، والقلب الذي زرعت، والخيال الذي أنت  به حلمت، أنا النفس الذي وهبت، وأنا الكيان الذي أسست. وعندما تسألني عن أخي سأقول لك ها هو بقربي أخاً وصديقاً وحبيباً.

وعندما سيسألني الله عن هويته من هو؟ سأقول له: أنت هو السجين، أنت هو المريض، أنت هو العجوز المتألم، أنت هو الطفل، أنت هو المعلم، أنت هو التاجر، أنت هو أبي وأمي وأخي وأختي، أنت هو كل أنسان يمر ّبالقرب مني خلال النهار.

في مصالحتي مع الآخر أعدتُ بناء علاقتي التاريخية بالله، واكتشفتُ ذاتي المفقودة منذ زمن بعيد، وبنيت بذلك بيتاً على الارض لأسكنه يوماً في السماء.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO