الأحد الثاني من الصوم: التجلي الإلهي الذي يغير البشرية

الأحد الثاني من الصوم: التجلي الإلهي الذي يغير البشرية

القدس – الأب د. بيتر مدروس

يأمر الله إبراهيم أن يذبح له تعالى ابنه اسحق. لأوّل وهلة تبدو العبارة قاسية وكأنّ القصد منها إيلام خليل الرحمن: “خذ ابنك وحيدك (كأنّي بالله عزّ وعلا لا يحسب ابنا اسماعيل العبد ابن الأمة هاجر!) الّذي تحبّه، اسحق” أي الّذي تفضّله على ولد الخادمة الفرعونيّة الغليظ العنيف (عن تكوين 16: 12). فجأة تختفي امتيازات الابن الوريث، السيّد ابن السيّد والأميرة (وهذا معنى لفظة “سارة”). يظهر أنه “سيتمتّع” بحقّ غريب رهيب هو أن يُمسي الذّبيح! ألا يختلف الله اختلافاً جوهرياً عن المعبود الكنعاني “مولوخ” الّذي ما كان يشبع إلاّ من دماء أطفال البشر؟.

يبدو الأمر الإلهيّ قاسياً غير معقول! ولكنّ إبراهيم يستسلم وينفّذ من غير توانِ. إنّه “أبو المؤمنين” ويعلم علم اليقين أنّ “الإيمان ليس قبولاً من غير دليل بل ثقة من غير تحفّظ ّ” بكائن لا حدود لعلمه ومحبّته وحكمته وكمالاته. “والرّجاء (والإيمان) لا يخيّبان صاحبهما لأنّ محبّة الله أفيضت في قلب” خليل الله (عن رومية 5: 5). وفي اللحظة الأخيرة يتدخّل الله وينجو اسحق! ولكن، في العهد الجديد، نرى أنّ هذا الإله نفسه – الذي يرفض الذبائح البشريّة – يقبل ذبيحة ابنه أي كلمته المتجسّد (عن يوحنا 1: 14) “ولا يضنّ به من أجلنا أجمعين” (رومية 8: 31 ب).

في كنيسة القيامة، في المدينة المقدّسة، في أسبوع الآلام وبالذّات في نهاية “فرض الظّلمات”، يتلو أسقف القدس وسائر فلسطين هذه الصلاة المؤثّرة: “التفت يا ربّ إلى عشيرتك هذه التي في سبيلها لم يتردّد ابنك الوحيد ربّنا يسوع المسيح أن يُسلَم إلى أيدي الأشرار ويعاني عذاب الصّليب!”.

في شرقنا العزيز، هنالك مفارقات ونزاعات حول الحدث المُشار إليه. يُطالب العبرانيّون بـ”أرض مورية” وإيّاها يطلب العالم الإسلاميّ في “قبّة الصّخرة”. أمّا السّامريّون فقد قاموا بعمليّة “نقل” أو “ترانسفير” إذ حوّلوا لفظة مورية מוריה إلى مورِه بحذف الياء מורה، و”مورِه” هو اسم آخر لجبل جرزيم. والتّقليد الإسلاميّ يعتقد أنّ المشهد تمّ في مكّة، في شبه الجزيرة العربيّة. ومع أنّ النّص القرآنيّ لا يذكر اسم ابن إبراهيم، غير أنّ التّواتر الإسلاميّ يرى أنّه كان إسماعيل لا إسحق.

نسأل الله الّذي رفض موت الحيّ (إسحاق أو إسماعيل!) أن ينجّينا خصوصاً في الشّرق من “النقروقراطيّة” أي “سلطان الأموات” حيث يقتتل الأحياء إكراماً للموتى! وليخلّصنا الله من “الليثوقراطيّة” أي “سلطان الحجارة” حيث يقضي بشر قلوبهم من حجر على إخوتهم متحاربين “متلحّمين” من أجل صخور  أو بنايات أو أطلال أو آثار!.

التجلّي السيّديّ المجيد على جبل طابور!

يصف تجليّ الرّبّ بأسلوب مصوّر شعبيّ لطيف ،بإلهام من الله ووحي منه تعالى، القدّيس مرقس، الابن الرّوحاني للقديس بطرس (1 بطرس 3 : 15) و”ترجمانه” (كما قال القديس ايريناوس). وينق يردّده من غير ملل. وفي رسالة القديس بطرس الثانية (1 : 16-18) يُعلن البابا الأوّل (وهذا ما يردّده بعده خلفاؤه على كرسي رومة بلا كلل): “أطلعناكم على قدرة ربّنا يسوع المسيح وعلى مجيئه، لا اتّباعاً منّا لخرافات سفسطائيّة، بل لأننا شاهدنا (عاينّا)  جلاله… وسمعنا الصوت آتياً من السّماء إذ كنّا معه على الجبل المقدّس”. ويتّفق القدّيس بطرس مع أخيه بولس في أنّ إيماننا “عبادة عقليّة” (عن رومية 12: 1). مع الأسف أحياناً نهمل “العقل” في كرازتنا وتعليمنا المسيحيّ فيصطدم المؤمنون بصعوبات كثيرة ويستفسرون من غير أن ينالوا ردوداً. ولا يجوز أن نطالبهم بإيمان أعمى بل علينا أن نتحلّى بالاتّزان متسامين فوق الاعتباط من جهة والعقلانيّة المشكّكة من جهة أخرى، في مدرسة القديس اوغسطينوس الذي كتب: “الإيمان يبحث عن العقل والعقل عن الإيمان”.

هذه بعض الخواطر الروحانيّة: عند التجلّي السيّدي كما في النزاع في بستان الزيتون، وفي بعث بنت يائيروس، اختار يسوع الرسل الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا، أصحاب الطباع الحادّة والشخصيّات القويّة! إنّهم الوحيدون الّذين أعطاهم يسوع ألقاباً: “بوانرجس” أي ابنَي الرّعد” (يعقوب ويوحنا ابنَي زبدى) و”كيفا” أي صخراً (سمعان بن يونا). هذه الألقاب والأسماء الجديدة كانت تهدف إلى تغيير حياتهم جذريّاً بالتزام منهم مطلق!.

هذه بعض الأفكار من آباء الكنيسة: يفسّر ذهبيّ الفم اختيار الرسل الثلاثة بمحبّتهم للمسيح وقربهم منه. ويشدّد أوريجانول إلينا مار مرقس تأثّر أمير الرسل بطرس الّذي انطبع هذا الحدث في ذاكرته وكانس، في التجلّي السيّدي، على ظهور الطبيعة الإلهيّة في يسوع وهي لا تتخلّى عن إنسانيّتها. ويلحظ مار أوغسطينوس أنّ يسوع سطع كالشّمس لأنّه النور الذي يُضيء كلّ إنسان آت إلى العالم. ويكتب القديس لاون الكبير البابا  أنّ الطبيعة الإلهية تتمجّد في تواضع الابن الحبيب الوحيد!.

نتوسل إلى السيد المسيح بصلواتنا سائلين أن يغير تجليه السيدس قلوبنا الحجرية في زمن التوبة هذا. ولنصبحن – نحن “أبناء الرعد” وقديماً “أبناء الغضب” والعنف – من “أبناء الرضى الأحباء” “الودعاء المتواضعين” على مثال المعلم ذي “النير اللطيف والحمل الفيف” (عن متى 11: 29).


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO