الصيـــام

الصيـــام

دخل المسيحيون الصيام منذ أسبوع أو أسبوعين ووجهتهم الفصح اذ الفصح هو الرؤية وغاية الصوم ان تبصر مجد الله مرتسماً على وجه القائم من بين الأموات. التقشف هو الوسيلة البشرية لإدراك النور والنور والجهاد يتآزران لتدخل اليك قوة الله. ما من وجود روحي خارج الالتقاء بين النعمة الإلهية وجهادات الانسان. وعند الجهاد تتم دالتك على الله وتؤتى الحميمية المذهلة بينك وبينه.

لأن الرؤية كانت الغاية ولأن رؤية الفصح هي الرؤية رتبنا هذه الفترة الزمنية قبل ذكرى القيامة ما لم يمنع رياضات صومية مماثلة قبل أعياد اخرى اذ ما من عيد عظيم عندنا الا انعكاس للعيد الكبير. وما من صوم طوعي تقرره انت ما شئت الا التماس لوجه أبيك الذي في السماوات وما من شك عندي ان إمساك يومي الاربعاء والجمعة ما هو الا استعداد ليوم الأحد المقبل واليوم الأحد هو الذي لا يزال وحده ولم يكن معه آخر وينفي تاليًا ما يذكر معه من العدد كما جاء في القاموس. أقمنا القداس الإلهي فيه فلنقول انه يوم المجد.

مدعوم هذا الكلام بما ورد في سفر الخروج عن موسى في جبل سيناء حيث “كان الرب يكلم موسى وجها لوجه كما يكلم المرء صديقه”. غير ان مجد الرب لم يتراء لموسى “لأنه لا يرى وجهي انسان ويعيش”. وكان موسى في الجبل بلا طعام أربعين نهاراً وأربعين ليلة.

شيء من شبه رؤية حدث مع ايليا في جبل سيناء ايضا. قبل إدراكه الجبل هاربًا من الملكة ايزابل بقي أربعين يوماً وأربعين ليلة بلا طعام وتراءى له الله رمزياً بشكل “صوت نسيم لطيف”. غير ان النبيين أحضرهما الله الى جبل التجلي فشاهدا نور الله على المسيح. كان هذا أول اتصال لهما بالرب. قبل ذلك كان لهما التماس له.

المدة نفسها التي قضاها موسى وايليا في الصوم قضاها المسيح بعد اعتماده. هذا الرقم كان يعتبر رقماً مقدساً كأرقام أخرى في العهد القديم. رقم الأربعين كان يعني للأقدمين الرجوع الى الذات ويتضمن تاليًا معنى التوبة. غير ان مدة الصوم لم تكن عندنا محددة منذ البدء اذ كانت كل كنيسة تلتزم الفترة التي تحددها هي الى ان استتب رقم الأربعين في المجمع المسكوني الأول السنة 325 ومجمع اللاذقية المنعقد السنة 365.

أكدت هذا لأقول ان الفترة التي نحافظ عليها جاءتنا من التراث الروحي المتأصل في القدم.

***

ما كان شكل الصوم قديما؟ شهادة أولى كلام القديس ابيفانيوس القبرصي في القرن الرابع القائل إن الصيام يقوم على وجبة واحدة خالية من اللحم. ويزين لي ان الأسقف القبرصي كان شاهدا لتراث سابق استمر حتى آخر القرن السابع حيث ينهى مجمع ترولو عن أكل اللحم ومشتقاته (القانون 56) وهو يريد بذلك البيض والجبن. واستمر هذا التقليد حتى يومنا هذا في الكنيسة الأرثوذكسية.

هنا لا بد ان نذكر ان ثمة كنائس غير ارثوذكسية تتحرر جزئياً أو كلياً من هذه الممنوعات باعتبار ان هذا ترتيب كنسي يتغير بتغيّر الأزمنة. الأرثوذكسيون انكبوا منذ زمان على التطلع الى تعديل ما في هذا النظام وقد ينظر في هذا المجمع الأرثوذكسي الذي أخرت انعقاده ظروف مختلفة في السنوات الأخيرة.

هنا ايضاً لا بد ان نذكر ان الصيام عندنا دعوة إلهية منصوص عنها في العهدين القديم والجديد لكن الامر الإلهي لا يتضمن شكلا معينا من الطعام. هناك مرونة ذات طابع رعائي. ومن الواضح طبعا ان المشروبات الروحية غير مسموح بها في الصيام.

***

لا يتركز الصيام فقط على الامتناع عن الزفر ولكنه يقوم على التقشف أي الابتعاد عن الطيبات وطلب اللذات بالأطعمة الصيامية. الفكرة ان تقترب من الفقراء وطعام الفقراء والا تنفق كثيرا لتدنو من المحتاجين. هؤلاء كانوا همّا أساسيا في المسيحية الأولى فقد كتب أحد المدافعين عن الإيمان الى الامبراطور الروماني في القرن الثاني قائلا: لماذا تضطهدنا ونحن قوم اذا وجدنا عائلة فقيرة بيننا نمتنع عن الطعام لإعطاء هذه العائلة ثمنه. المشاركة كانت، في البدء، تاريخيا. وتبقى الى اليوم الصدقة ملازمة للصوم بل أحد أركانه. فالمحسن متصل بالله ولا يكشف نفسه لأحد. كذلك الصائم يمسك ليصوم لله الذي يرى في الخفية والذي يرى في الخفية يجازيه علانية.

هذا المفهوم للصوم يجعله طريقا الى التواضع أي الى رؤية الانسان نفسه على انه لا شيء يلتمس من الله كل شيء ويتربى على ان يصير فقيرا لله. من جعلته النعمة هكذا يصبح مهيأ للاستغناء عن اشياء كثيرة. في الأخير الصوم ترويض النفس على كلام يسوع: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء”. الذي يربي نفسه على التشبه بواقع الفقراء ويتألم كما يتألمون من الحاجة يصبح قلبه مكاناً لله.

واذا فعل هذا مرة في السنة وفي كل مواسم الامساك عندنا يكتسب روحية الفقر الدائم الى الله.

***

تبقى قضية أساسية عقائدية. ماذا يصوم فينا؟ هل النفس أم الجسد؟ الجسد لا يخطئ ولا يصوم. هو مكان للنفس الراغبة في التطهر. هو مظهر للذات الكاملة، العاقلة، المحبة لكنه ليس آلة. هو بعض من الانسان الواحد القائم بالنفس والجسد معا المعبرين بالمشاركة عن الأنا التي تنزل عليها النعمة لتنقيها من الانغلاق والكبرياء. الأنا معرضة للغطرسة والتسلط والاستيلاء ومنفتحة للذات الإلهية بعطائها العلوي.

واذا صح الجسد فليس هذا بسبب من أنواع الأطعمة اولا ولكن بسبب خضوعه للكيان البشري الموحد بالحب والبذل. الجسد مشدود الى الروح المعطاء الذي يكون قد ذاق الامحاء أمام وجه الله. ووجه الله مطل دائماً على الذين يحبونه ليعطيهم حياة جديدة.

وهذه تعلن عن نفسها في الفصح الآتي على رجاء ان تعود الينا قبل ان يأخذنا الله الى رحمته.

http://www.annahar.com/article.php?t=makalat&p=4&d=24671&dt=2012-03-03%2000:00:00

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO