سفر الأمثال – مقدّمة

سفر الأمثال – مقدّمة

يسوعيون

لنصلّ: مزمور 34

الأغنِياءُ اْفتَقَروا وجاعوا ومُلتَمِسو الرَّبِّ ما مِن خَيرٍ يُعوِزُهم
هَلُمُّوا أَيُّها البَنونَ وليَ اْستَمِعوا مَخافةَ الرَّبِّ أُعَلِّمُكم
مَن ذا الَّذي يَهْوى الحياة ويُحِبُّ الأَيَّامَ لِيَرى فيها الخَيرات؟
مِنَ الشَّرِّ صُنْ لِسانَكَ ومِن كَلامِ الغِشِّ شَفَتَيكَ
جانِبِ الشَّرَّ واْصنعِ الخَيرَ واْبتغَ السَّلامَ واْسع إِلَيه 

 

سنبدأ دراستنا لكتب الحكمة بسفر الأمثال لا بسفر أيوب، وكتاب الحكمة هو الأوّل في ترتيب الكتب الحكميّة بحسب القانون الكنسيّ. يتميّز سفر الأمثال بأنّه أفضل أدب حكميّ؛ فهو مجموعة من الأقوال الحكميّة. ويمتاز “المثل” بتراثٍ طويل قبله ورثه، وهو بشكلٍ عام أتى من مصدرٍ مجهول، لكننا نعزو إلى ناظمه رهافة التبصّر في الأمور وحدّتها. فناظم المثل يعي قدرة العالم حولنا على الإلهام. وهو / هي ليس فضوليّ وحسب، بل صبورٌ وواثقٌ بقدرة البشر على استخراج المعنى من هذا العالم إلى حدّ كبير

إضافةً إلى ذلك، يبدو هذا المتأمّل واثقاً من وجود نظامٍ ما يحكم هذا العالم. فالكون ليس فوضى وعبثاً! من ناحيةٍ أُخرى، ليس التبصّر كلّ شيء. فنحن نلمس إلى جانبه فنًا. فالمتأمّل ناظمٌ لكلمات أُختيرت بعناية: كلماتٌ رزينةٌ ومقتضبةٌ تعبّر عن الفكرة بأكملها. والاقتضاب وشموليّة المعنى هما ما يضمنان للمقولة أن تُصبح مَثلاً فيما بعد، وبذلك يمكننا أن نعرّف المثل على أنّه: ” جملة قصيرة لخبرة طويلة

ويكتسب المثل انتشاراً ورواجاً بين الناس للأسباب التاليّة

– إنّها خبرة مُشاهدة: ” مشاهدة الأمور كما هي عليها “، أو إنّها تحوي في مضمونها هدفاً تعليميّاً: ” كما يجب على الأمور أن تكون

– تحذّر من تبعات فعلٍ ما ” إيجابيّة أو سلبيّة ” متّبعة تدرّجًا من التعابير: حسنٌ، أفضل أو مقيتٌ، ملعونٌ

المصطلح العبريّ لكلمة مثل هو “mashal” ولكم أن تلحظوا التشابه مع الجذر العربيّ “مَشَل – مَثَل” ، وهو يملك معنيين اثنين: الأوّل هو ” أن يكون شبه أحد “، أمّا المعنى الثاني فهو: “ليحكم وفق قاعدة”، أي تشبيه أو كلمة قويّة تفرض نفسها على الواقع، وينبغي لنا أن نستحضر في أذهاننا الرابط بينها وبين أمثال يسوع

يُدعى سفر الأمثال بالعبريّة “Mishlei” أو مشاليم وهو جمع كلمة” “mashal مَشَل. ويقسم الأسلوب الأدبيّ المستخدم في هذا السفر إلى نوعين أساسيّين، هما

– طِباق “تكرار”، يُستخدم للتشديد، أو التعزيز، أو إظهار التباين، مثال

* التشديد على أوّل حقيقة بإضافة أُخرى: “مَن وَجَدَ زَوجَةً وَجَدَ خَيرًا ونَالَ رِضىً مِن لَدُنِ الرَّبّ.” (22: 18

* تعزيز حقيقة بواحدة أُخرى: ” فَمُ الجاهِلِ دَماُره وشَفَتاه فَخٌّ لِنَفسِه.” (18: 7

* تباين حقيقتين: “من جَمع في الصَّيفِ فهُوَ اْبن عاقِل ومَن نامَ في الحَصادِ فهُوَ اْبنُ العار.” (10: 5

– جِناس ” اللعب على الكلمات والأوزان ” وعادةً ما تضيع في الترجمة إلى غير العبريّة، مثال

* “حَيثُما دَخَلَ الاْعتِدادُ بِالنَّفْسِ دَخَلَ العار” (10: 2أ). والأصل العبريّ هو: (ba zadon weyavo kalon)

يستخدم الأدب الحكميّ الشعر إلى حدِّ بعيد، ويوظّف اللازمة أو الترتيب الأبجديّ – أمثال 30، مزمور34 – ليجعل هذا النتاج الأدبيّ أكثر جذبًا وأسهل حفظًا

ومن الواضح لنا أنّ تجميع هذه الأمثال في مجموعاتٍ موسّعة يغيّر من طبيعة المثل. فلم يعُد ينتمي إلى سياقه المستقلّ، الّذي يمكنه أن يغيّر من نظرتنا إلى النصّ، ويُصبح المثل جزءًا من تراث تربويّ أوسع ليعلَّم آخذًا بعين الاعتبار العالم ككل. يتألّف الأدب الحكميّ بمعظمه من مجموعات من الأمثال كالّتي يضمّها سفر الأمثال. قد يجد القارئ الغافل عن جميع هذه الأمور أنّ هذا النوع من الأسلوب الأدبيّ لا طعمة له ولا نكهة. ربّما كان أحد هذه الأمثال ظريفاً ومعبّراً، لكنّ قراءة الأمثال الواحدة تلوّ الأُخرى في مجموعات مسهبة سيُصيبنا بالنعاس لا محال. لكنّ سفر الأمثال بوجهٍ خاص، وهذا النوع الأدبيّ بوجهٍ عام، يوجب علينا  أكثر من جميع نظرائه امتلاك مقدار من الوعي قادر على الولوج إلى عمق الكلمة والتفصيل، بغيّة الإحاطة بمقصدها المجازيّ “كما في أمثال المسيح”. وما قد يبدو لأوّل وهلة تفصيلاً عاديّاً ومملاًّ، سيُستخدَم في التشبيه لأمرٍ أساسيّ وجوهريّ في حياتنا، وبذلك نستطيع أن نرى الأمور بشكلٍ مغاير وبطريقةٍ جديدة

والسؤال اللافت للنظر بعد هذا النقاش حول الأنواع الأدبيّة هو: أيمكن لهذه الكلمة أن تكون كلمة الله؟ لهذا السؤال صلة وثيقة بما يتناوله الأدب الحكميّ، لأنّه يقدّم لنا بشكلٍ واضح كلامًا للبشر أنفسهم، على الرغم من أنّ الكلمة تتوجه أحيانًا إلى الله. نستطيع أن نعاين هنا أكثر من أيّ نصٍ آخر طبيعة كلمة الله المزدوجة. فلكلمة الله دومًا طبيعتان واحدة إلهيّة والثانية بشريّة. فما هو الإلهيّ في الموضوع بشأن الأدب الحكميّ؟ علينا ألاّ ننسى أنّ الله هو مَن خلقنا حكماء، وزرع فينا القدرة على التمييز. فالحكمة الّتي نكتسبها في الأساس إلهيّة، وهي حكمة بحقٍّ عندما تأتي منه وحده

يحوي هذا السفر في مقدمته مقطعاً يُنسَب فيه هذا السفر إلى الملك سليمان. وبحسب قانون الكتب الأربعة المنسوبة إلى سليمان، يُعتبر سفر الأمثال أوّلها. ونلاحظ بقراءة سريعة لهذا السفر أنّه يتألّف من 31 فصلاً. فهو كما سبق وذكرنا مجموعة من الكتب. يتبع نصّ المقدّمة ستّة نصوص أُخرى تُحدد ما مجموعه سبع مجموعات على الأقل، هي

1- أمثال سليمان، ابن داؤود، ملك اسرائيل : ابتداءً من 1 : 1

2- مجموعة سليمان الكبرى: ابتداءً من 10 : 1

3- مجموعة الحكماء : ابتداءً من 22 :17

4- تابع لمجموعة الحكماء: ابتداءً من 24 : 23

5- مجموعة ثانية لسليمان، نسخها موظّفو الملك حزقيا ملك اليهوديّة: ابتداءً من 25: 1

6- أقوال آجور بن ياقة المسّاويّ “أحد الوسطاء الروحانيّين حينها”: ابتداءً من 30: 1

7- أقوال الملك لموئيل، أقوال أخذها عن أمّه: ابتداءً من 31 : 1

على الرغم من أنّ غالبيّة نصوص هذا السفر تُنسب إلى سليمان، يمكننا حصرها في ثلاث مجموعات كبيرة (1 ، 2 ، 5). لكن ثمّة تعاليم تُنسب إلى ملوك مجهولين، وعلى الأغلب من الوثنيّين (3 ، 6 ، 7). وأقوال الملك لموئيل قريبة جدًا من الحكمة الفرعونيّة المعروفة باسم “تعاليم أمنحوتب”. وهذا يدلّ على أمرين مهمّين: الأوّل ذو منظور ايجابيّ: أنّ الملك سليمان كان وسيلةً “قناةً” لنقل حكمة الشعوب الأُخرى، فانضمّت إلى الشعب العبرانيّ. أمّا الثاني فهو منظور سلبيّ للموضوع، ويدلل على أنّ هذه الشعوب دخلت إسرائيل “شعب الله المختار” من خلال الملوك وزيجاتهم من غير اليهوديات

للتفكير

– أفكّر بعض الشيء بالمقولات الّتي ورثناها ونسمعها ” مثل شعبيّ، حكمة نستخدمها في أحاديثنا، …” في كلّ حين، وأسأل نفسي هل أحاول عيشها فعلاً كمبدأ إلى جانب مبادئ كثيرة أومن بها؟

– هل هنالك صدىً مسيحيّ لِما أعيشه أو أتفوّه به مستندًا إلى هذه الأمثال الّتي اعتدت التشدّق بها واستحضارها في كلّ شاردة وواردة؟ هل للمسيح أن يعيش وفقها لو عاش في زمننا؟

قراءات مقترحة

1. أمثال 2: 1 – 20

2. أمثال 6: 6 – 19

3. أمثال 9: 1 – 18

4. أمثال 14: 1 – 22

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO