سفر الأمثال – الفطنة والبر

سفر الأمثال – الفطنة والبر

يسوعيون

لنصلّ: مزمور  119

شَهادَتُكَ عَجيبة لِذلك رَعَتها نَفْسي
شَرْحُ كَلامِكَ مُنير يُعْطي البُسَطاءَ فِطنَةً
فتَحتُ فَمي وتَنَشَّقتُ لأَنَّي إِلى وَصاياكَ تَشوقتُ
إِلتَفِتْ إِلَيَّ وارحَمْني بِحَسَبِ عَدلِكَ لِلَّذينَ يُحِبُّونَ اْسمَكَ
ثَبِّتْ خَطَواتي في قَولكَ فلا يَتَسَلَّطَ علي َّمِنَ الإِثْمَ شيَءٌ

سندرس اليوم بعض الأمثال، ونقترح عليكم أوّلها وهو يُعتبر مقدّمة للسفر (1 : 2 – 7

” لِمَعرفة الحِكمَةِ والتَّأديب لِلتَّفَطّنِ لِأَقْوالِ الفِطنة لاستِفادة مِن تأديبِ التَّعَقُّل – البِرِّ والَحَقِّ والاستِقامة لإِعطاء السُّذَّج دَهَاءً والفَتى عِلْمًا وتَدَبُّرًا لِلتَّفَطّنِ لِلمَثَلِ والتَّعْريض لِكَلِمَاتِ الحُكَماءِ وأَلْغازِهم. يَسمعُ الحَكيمُ فيَزْدادُ تَعْليمًا والفَطينُ يَكتَسِبُ سِياسةً. مَخافَةُ الرَّبِّ رَأسُ العِلْم والحِكمَةُ والتَّأديبُ يَستَهينُ بِهِما الأَغْبِياء “. بعد نسب الكتاب إلى سليمان ” الآية الأولى “، يفتتح سفر الأمثال بآية تحوي مصطلحاتٍ عدّة تُستخدَم للدلالة إلى الحكمة. ومن الممتع الدلالة على تنوّع هذه المصطلحات في النص العبريّ الأصليّ، وما اختاره بعناية لها المترجمون إلى اليونانيّة في الترجمة السبعينيّة

لِمَعرفة (daat/gnonai) الحِكمَةِ (hokhma/sofiav) والتَّأديب (mussar/paideiav) لِلتَّفَطّنِ (havin/noesai) لِأَقْوالِ الفِطنة (bina/froneseos) ” وهذا بكلّ بساطة هدف الكتاب، وتكمل الآيات، لاستِفادة مِن تأديبِ التَّعَقُّل – البِرِّ (tsedeq) والَحَقِّ(mishpat) والاستِقامة

يولّد مصطلحا “البرّ والحق” مع بداية هذا السفر صدىً يتناغم مع كتب التوراة “الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم” حيث يُميّز الصدق والبرّ رسالة شعب اسرائيل فوق كلّ الصفات الّتي اتّسمت بها. وهذا ما تنصّ عليه بوضوح رواية دعوة ابراهيم الأولى: “وقد اَختَرتُه لِيُوصِيَ بَنيه وبَيته مِن بَعدِه بِأَن يَحفَظوا طَريقَ الرَّبِّ لِيَعمَلوا بِالبِرِّ والعَدْل، حتَّى يُنجِزَ الرَّبُّ لإِبْراهيمَ ما وَعَدَه بِه”. (تك 18: 19). وفي قلب التوراة في (سفر اللاويين 19)، يُدعى شعب اسرائيل لإقامة العدل والحقّ في معاملاتهم التجاريّة. ” لا تَجوروا في الحُكْمِ ولا في المِساحَةِ والوَزْنِ والكَيْل. بل تَكونُ لَكم مَوازينُ عادِلة وعِياراتٌ عادِلة وإِيفَةٌ عادِلة وهِينٌ عادِل: أَنا الرَّبُّ إِلهُكمُ الَّذي أَخرَجَكم مِن أَرضِ مِصْر “. (أح 19: 35-36). وبطريقة مماثلة في سفر تثنية الاشتراع في الأحكام الّتي تتناول توظيف القضاة، فهم مدعوون لخدمة الحكم العادل “mishpat tsedeq”، ” أَقِمْ لَكَ قُضاةً وكَتَبَةً في جَميعِ مُدُنِكَ الَّتي يُعْطيكَ الرَّب إِيَّاها لأَسْباطِكَ، فيَحكُمونَ فيما بَينَ الشَّعبِ حُكْمًا عادِلاً “. (تثنية 16: 18

فاصطفاء الشعب المختار والتوراة من جهة، وأسفار الحكمة من جهة أُخرى وُضعا ليصونا ويحفظا دور العدل والبرّ، فممارستهما تضمن للمرء أن يحيا على صورة إلهه الّذي هو أيضًا عادلٌ وبارٌ. في الحقيقة، الحكمة في مجملها سمة من سمات الله ومن المفترض على البشريّة أن تعيش وفقها لتكون على صورة الله ومثاله

تفاجئنا الآيات التاليّة : “لإِعطاء السُّذَّج دَهَاءً (‘orma) والفَتى عِلْمًا وتَدَبُّرًا”. فكلمة دهاء تستحضر مباشرةً صورة الحيّة في سفر التكوين ” وكانتِ الحيَّةُ أَحيَلَ جَميعِ حَيَواناتِ الحُقولِ الَّتي صنَعَها الرَّبُّ الإِله “. ( تكوين 3: 1). حيث وصفت بالدهاء أو المكر والحيلة (‘arum). علاوة على ذلك، لا بدّ لكلمة معرفة (daat) أن توجّه تفكيرنا نحو شجرة المعرفة الّتي حرّمها الله، وإليها ستغوي الحيّة حوّاء. في هذا السياق، قد نرى في الواقع أنّ “الساذج والفتى” ما هما إلاّ حوّاء وآدم، وقد خُلِقا للتوّ وهما بسيطَين طاهرين كالأطفال. تُشير “’Ormah” و “daat”” المعرفة والدهاء ” إلى الخطيئة بحسب سفر التكوين، لأنّهما يمثّلان قصة المعصية والسرقة من الثمار المحرّمة. وبتأمّل مشابه لأسفار الحكمة، نستطيع إيجاد العواقب الآثمة والمأساويّة في سفر حزقيال في وصفه لملك صور وأميرها: ” هكذا قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: لأَنَّ قلبَكَ قد تَشامَخَ فقُلتَ: إِنِّي إِله … ها أَنتَ أَحكَمُ مِن دانيل وما دونَكَ سِر مَسْتور. بِحِكمَتِكَ (hokhma) وفِطنَتِكَ(tevuna) اقتَنَيتَ يُسْرًا وجَمَعتَ ذَهَبًا وفِضَّةً في خَزائِنِكَ. بِكَثرَةِ حِكمَتِكَ (hokhma) في مُتاجَرَتِكَ كثَرتَ يُسرَكَ فتَشامَخَ قَلبُكَ مِن يُسرِكَ … أَنتَ خاتَمُ الكَمال مُمتَلِئٌ حِكمَةً وكامِلٌ جَمالاً. كامِلٌ أَنتَ في طرقِكَ مِن يَومَ خُلِقتَ إِلى أَن وُجِدَ فيكَ إِثْم.” (حزقيال 28: 1- 19

ولكن، نتعلّم في بداية المثل أنّ الرّب يُريد لنا هذه النعم والمواهب “ تَوَكَّلْ على الرَّبَ بِكُلِّ قَلبِكَ ولا تَعتَمِدْ على فِطنَتِكَ. اِعرِفْه في كُلِّ طرقِكَ فهو يُقَوِّمُ سُبُلَكَ، لا تَكُنْ حَكيمًا في عَينَي نَفسِكَ إِتَّقِ الرَّبَّ وجانِبِ الشَّرّ.” (أمثال 2: 5-7). ويتوجّب علينا نيلها بطريقةٍ مختلفة. يتابع النص كالتالي: ” لِلتَّفَطّنِ لِلمَثَلِ والتَّعْريض لِكَلِمَاتِ الحُكَماءِ (hakham) وأَلْغازِهم. يَسمعُ الحَكيمُ فيَزْدادُ تَعْليمًا والفَطينُ يَكتَسِبُ سِياسةً. مَخافَةُ الرَّبِّ رَأسُ العِلْم والحِكمَةُ والتَّأديبُ يَستَهينُ بِهِما الأَغْبِياء

في ضوء المقاربة السالفة بين المثل وبين نصّ تكوين 3، يُطرح السؤال التالي: إلى من يُصغِ الحكيم العاقل؟ يكمن جوابٌ مدوٍّ في الآية السابعة، وهي في الحقيقة مفتاح لكلّ الأدب الحكميّ: ” مَخافَةُ (yir’a) الرَّبِّ رَأسُ العِلْم (daat) والحِكمَةُ (hokhma) والتَّأديبُ (mussar) يَستَهينُ بِهِما الأَغْبِياء”. نلاحظ هنا تكرار المصطلحات الثلاثة الأساسيّة للحكمة، الّتي سبق أن مررنا بها في الآية الثانيّة: (daat, hokhma, mussar). يشكّل هذا تضميناً أدبيّاً يأطّر النصّ بوضوح. وتصبغ الآية السابعة الكتاب بأكمله بنفحة روحيّةٍ عميقة. ويتكرّر التركيز على مخافة الله yir’at Adonai في نهاية المجموعة الأولى 9 : 10، وفي 15 : 33، في منتصف الكتاب، وفي محطات مختلفة في هذا السفر ( 1 : 29، 2 : 5، 8 : 13، 9 : 10،…) وفي نهاية هذا السفر، تمدح المرأة الفاضلة الرّب كمن يتّصف بمخافة الله ” الحُسنُ غرورٌ والجَمالُ باطِل والمَرأَةُ المُتَّقِيةُ yir’at Adonai لِلرَّب هي الَّتي تُمدَح.” (أمثال31 : 30

إذن، تنطلق الحكمة من مخافة الله، ويملك هذا االموضوع رابطًا ساحرًا مع تكوين 3، فبعد أن أكل آدم الثمرة يختبئ بين الأشجار. وعندما يناديه الله يجيبه: ” إِنِّي سَمِعتُ وَقْعَ خُطاكَ في الجَنَّة فخِفْتُ (’ira) لأَنِّي عُرْيانٌ فاَختبأتُ (‘ayrom) “. (تك 3 : 10). فحال آدم هو الخوف من الله. نلاحظ هنا ترتيباً معاكساً. ففي حين يتوجّب على الحكمة أن تُبنى على مخافة الله، فإن سرقة الحكمة، في حالة آدم، قادته إلى الفزع من الله، وقاده الفزع إلى الهروب من الله كلّي الصلاح، الّذي توهب من خلاله كلّ الحكمة. فعندما سرق آدم الثمرة، وجد نفسه “عريانًا” بدل أن يكون “فطنًا وحكيمًا”. في اللغة العبريّة، تُشير اللفظة عينها لكِلا الحالتين ،(‘ayrom/‘ormah). وفي حين كان آدم في السابق مكسوًّا بمعرفة وثيقة بالله ومتنعمًا بالمجد الإلهيّ ” كما هو الحال في مشهد التجلّي”، عليه الآن أن يصارع لإخفاء عريه

يتوجّب علينا التفكير مليًّا بالفارق بين نص الأمثال (1: 2 – 7) ونصّ التكوين 3، في دراستنا لكتب الحكمة، لأنّ الفارق دقيق بين طريقتي اكتساب الحكمة ونيلها. فهي تتحوّل من البساطة إلى المعرفة. في هذا السياق، يمكننا أن نتذكّر سليمان وهو يستجدي الله من أجل نيل هذه النعمة ” فهَبْ عَبدَكَ قَلبًا فَهيمًا لِيَحكُمَ شَعبَكَ وُيمَيز بينَ الخَيرِ والشَّرّ” (1 ملوك 9 : 3). فنرى أن سليمان تضرّع وتوسّل إلى الرّب أن يُعطيه نعمة الحكمة والتمييز ولم يسرقها كما فعل آدم

للتفكير

– هل ما سمعناه على مرّ السنين من تقليدٍ دينيّ كان يتماشى مع طفولتنا فقط دفعنا اليوم إلى أخذ مسافة ليست بالإيجابيّة تجاه علاقتنا مع الله فأصبح مصطلح مخافة الله مدعاة لا معنى له في حياتي الروحيّة؟ أعيد اليوم تعريف هذا المصطلح بالنسبة لي، هل يدفعني لإعادة بناء علاقتي مع بشكلٍ مغاير؟

– الفطنة والذكاء من الأمور الإيجابيّة فيسوع دعانا لنكون حكماء كالأفاعي، هل استخدم هذه الحكمة بشكلٍ إيجابيّ يبني كياني ويساعد الآخرين؟ أم بشكلٍ سلبيّ يهدم الكثير من العلاقات ومنها علاقاتي مع طبيعتي الخيّرة؟

قراءات مقترحة

1. أمثال 13: 1 – 14

2. أمثال 16: 1 – 17

3. أمثال 18: 7 – 24

4. أمثال 23: 1 – 9

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO