صيام المسيحيين بخشوع على مثال صوم يسوع

صيام المسيحيين بخشوع على مثال صوم يسوع

الأب د. بيتر مدروس

لا يدّعي القسم الأوّل من هذه المقالات تحت عنوان “شريط الأسبوع” أن يورد أعظم الحوادث شأناً في الأيّام القليلة الماضية بل العرض انتقائيّ في سبيل رسالة روحانيّة أو فكرة أخلاقيّة أو اجتماعيّة أو وطنيّة. لذا ، لا يغرب عن بال المرء سفك الدّماء المستمرّ في سوريا الشقيقة ولا الانتهاكات اليوميّة التي تستهدف شعبنا في القدس وسائر فلسطين ومقدّساته وأملاكه بعد مواطنيه العزّل.


من شريط الأسبوع الماضي : “ترانسفير” إلى البرازيل!


أتت جهات غربية مستحدثة لدى نفر من مسيحيّي الجليل البسطاء ، في شمال فلسطين ، من قوم الجهل بأمور الدين ولا سيّما الكتاب المقدّس وتاريخ الكنيسة ، والغافلين عن طبيعة تلك الحركات خصوصاَ الأمريكيّة ونشأتها الحديثة المحدثة وأهدافها المشبوهة , وأقنعهم بعض دعاتها أنّ السيّد المسيح سيظهر قريباَ … في البرازيل! باع السذّج كل ممتلكاتهم (كما فعل خلق كثير في السبعينات من القرن الماضي من أتباع فئة أمريكية أخرى روّجت حينها لنهاية العالم!) وسلّموا هويّاتهم وجوازاتهم في المطار “مهاجرين” نهائياَ للقاء المسيح! كان عددهم نحو خمسين نفساَ . اقتلعوهم من جذورهم المسيحية الفلسطينية الهشّة – إذ كان انتماؤهم ضعيفا وجهلهم عظيماَ. حصلوا لهم على تأشيرات هجرة وأماكن إقامة هناك ولكن سرعان ما شعروا بالعوز والفاقة والبطالة. وتوفّي أحدهم وما سُمح للجثمان بالدفن في هذه الديار المقدّسة!

الكنيسة تعلّمنا أن يوم عودة السيد المسيح غير معروف وأن علينا أن نسهر ونحرص دوماَ! الكنيسة تحثّنا على الصّمود في فلسطين ، من دان إلى بئر السّبع ، وطن المسيح موطننا ، وسائر الشرق الأوسط مع الظروف الصعبة حتّى الدّامية! الكنيسة تحاول ، مع إمكانياتها المحدودة ، إقامة مشاريع إسكان لتثبيت المؤمنين وتقاوم تهجيرهم ولا تتوسّط لمساعدتهم على السّفر إلى الخارج ولا الهجرة!


من “بلاوي” البرازيل!


ولا يقولنّ قائل أن موبقات ما يُسمّى “كرنفال ريو ده جانرو” من منكرات المسيحيّة بل هو مخالفة صريحة سافرة للانجيل الطاهر الذي يأمر بالحشمة والعفّة وضبط النفس ولا يفهم اتحاد الرجُل والمرأة إلاّ في إطار الزواج المقدّس كما يرفض تعايش الشّاذين المدعوّين “مثليين”. وما زالت الكنيسة الكاثوليكية وسائر الكنائس تتستنكر كل إباحية وتعيد إلى الأذهان أن الكرنفال يعني مرفع اللحم وبداية زمن الصوم والزهد والتقشف ( لا “التكشّف”!)


كتابات “مسيحيّة” عبريّة الاتّجاه في لغة عربيّة!


يقرأ المرء أحياناً في الصّحافة مقالات غامضة العناوين تكتب عن “ميول” ثقافات أو حضارات وتكاد لا تكون هنالك علاقة للمضمون بالعنوان. وتنتقد تلك المقالات كهنة العبرانيين قبل السيّد المسيح بقرون من الزّمان مع أنّنا في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد. ومن المُحزن أن فئات نشأت في الغرب تُنكر الكهنوت المسيحيّ مع أنّه قائم (عن رومية 15 : 16) وتتشبّث بالاعتراف بالكهنوت العبريّ مع أنه زال. فالمسيح نفسه “كاهن أعظم على رتبة ملكيصادق” لا رتبة هارون. وربّما أنّ نفراً من شرقنا الحبيب يعشقون الماضي في نوع من “النقروقراطيا” أي “حُكم الموتى على الأحياء” وسيطرة الماضي على الحاضر فنمسي متخلّفين بدوام النظر إلى الخلف. لا ! نحن أهل العهد الجديد الأبديّ (عن متّى 26 : 26) ، وكان كلّ الكهنوت اليهوديّ قد أزيل سنة 70 ميلاديّة بدمار الهيكل بحيث أنّ لا معنى اليوم لأيّة خواطر في شأنه– إلاّ إذا رغب قوم في عودة ذلك الكهنوت اللاويّ العبريّ في أيّامنا على أنقاض مقدّسات ديانات أخرى – لا سمح الله! ويحلو في هذا المقام الاستشهاد بالطقس السرياني المارونيّ عن قوم موسى : “لا ملكوت ولا نبوّة ولا كهنوت!”


ولا مقابلة البتّة بين بعض “شيوخ” العبرانيّين في عهد حزقيال (8 : 9 و 12) مع زماننا الحاضر ، إذ كان عدد منهم بدائيّاً مُشركاً يعبدون – والعياذ بالله – “تصاوير أشكال الحيوانات والبهائم النّجسة… (أسوة بمصر الفرعونيّة) وجميع أصنام اليهود”. وإذا كان الّذي أشار إلى شيوخ العبرانيين يلحد أي يلمح إلى الاكليروس المسيحيّ بشكل مبطّن ، فاعتراضه على الايقونات والصّور المقدّسة اعتراض عبريّ يهوديّ صرف ينطلق من العقلية اليهودية المعادية للمسيحية.وقد شوهدت قديماَ تلك العداوة الربابينية التلمودية عند قوم “الايقونوكلاست” أي مزيلي الايقونات، ومنهم الامبراطور يوليانوس الجاحد الذي حاول إعادة بناء هيكل سليمان.


في الكنيسة المقدّسة جسد المسيح (عن أفسس 5)، لا يقع أيّ منّا في تجرية “عبادة” صُوَر بخلاف ما حدث لشعب عبريّ بدائيّ كان معرّضاً لمحاكاة الوثنيين. كلّنا يعلم أنّ الصورة أو الأيقونة ترمز إلى صاحبها وليست موضع عبادة ولا سجود. ويعلّم الإكليروس المسيحيّ أنّ الله حاضر في كل مكان ويرى الكلّ، بحيث أنّ لا مقابلة مع “شيوخ” زمن حزقيال النبيّ.


الصّوم الأربعينيّ المقدّس


في هذه الأيّام تبدأ الكنيسة المقدّسة أربعين يوماً من الصّيام في جوّ من الصّلاة والصّدقة والصّلاح والتّوبة والمصالحة مع الله والناس. توجّه السيّد المسيح إلى الصّحراء وصام طويلاً. ونحن “نقتدي بالمسيح” (عن قورنثوس الأولى 11 : 2) فنصوم مثله بالضّبط أربعين يوماً في “البرّيّة” الرّوحانية أي في الزّهد والتقشّف والقناعة بعيداً عن البذخ والترف والتبذير والحفلات الراقصة ونقلّل من المكسرات والحلويات ولذيذ الأطعمة وننبذ المسكرات بشكل أكثر صرامة ، ونلبس المحتشم والبسيط من الثياب (يلبس رهبان كثيرون المسوح والثياب الخشنة مثل أهل نينوى التائبين والقديس يوحنا المعمدان بن زكريا). وننتقل روحانياَ ومعنويّاً إلى صحراء الإماتة والتضحية والعيش الكفاف لكي نشعر مع الفقير والجائع ولنعوّض عن خطايا الشّراهة والإفراط في المأكل والمشرب ولكي “نقمع أجسادنا ونستعبدها” بدل أن تستعبدنا فنُستبعد من الرضى الإلهيّ ومن إعلان كلمة الله (عن قورنثوس الأولى 9 : 27)

 

صوم في العلن والخفاء، صوم في الفرح والرّجاء


عندما أوصى السيّد المسيح الصّائمين والصّائمات أن يغسلوا وجوههم وأن يدهنوا رؤوسهم قصد رفض الرياء ونبذ صوم يهدف فقط إلى أن “يرى الناس” الصائمين! ولكن الرسل صاموا علناً (أعمال الرسل 13 : 2-3 ، ثم 14 : 23) خصوصاً قبُيل المهمّات الصّعبة. وبولس الرسول يذكر أصوامه مع أتعابه التي ما كانت تُحصَر (عن قورنثوس الثانية 11: 27). وبعد أن نصوم ونكون في حداد على المسيح “العروس” خصوصاً في الأيّام التي تحيي ذِكر ارتفاعه عنّا وتضحيته بحياته (عن مرقس 2 : 18 – 20) ، تعمر قلوبنا الآمال الوطيدة بقيامة المسيح المجيدة. وجيّد جدّاً أن حدّد الرسل وخلفاؤهم الأساقفة – في التقليد الشّريف – زمن الصوم الأربعينيّ في صيام جماعيّ يطرد كلّ فوضى واعتباطيّة. وفعلاً ، عندما لا يجد المؤمن تعليمات واضحة تتأرجح الفوضى بين بشر يصومون دهراً وآخرين لا يصومون شهراَ ولا نهارا! ويعلّمنا كتاب “تعليم الرسل الاثني عشر” (من القرنين الميلاديين الأول والثاني، رقم 8 ) أنّ المسيحيين الأوّلين كانوا يصومون ايضاً كل أسبوع يومَي الاربعاء (يوم خيانة يهوذا للسيد المسيح) والجمعة (يوم الفداء السيّديّ).


خاتمة


زمن الصّوم وقت “توبة”، والمعنى الأساسيّ للّفظة هو الرجوع إلى الله الذي ابتعدنا عنه بالخطيئة! إنّه زمن “ميتانويا” أو “ميتانيا” التي تعني في اليونانية انقلاباَ في التفكير فننتصر على ماديتنا ودنيويتنا “ونمردتنا” ومكايدنا وكبريائنا. ونضع أوّلا نصب عيوننا وهدفا لحياتنا -كما أوصانا السيّد له المجد- “ملكوت الله وبِرّه” والباقي يُزاد لنا. من عادة كثيرين أن يضعوا المادّة والمال والمصلحة والصّحّة والنّجاح أوّلا وبعدها، إذا بقي مكان، الايمان والصلاة وقراءة الكتب المقدّسة وممارسة الفضيلة والإحسان. لنقلبنّ موازيننا ومعاييرنا ونحن نسير بالروح الذي يقودنا مع يسوع إلى البرّيّة لنشبع من “كل كلمة تخرج من فم الله” ونستقي ونرتوي من “ينابيع الخلاص مبتهجين”!.


صوماً مباركاً وكلّ عام وأنتم بخير!


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO