رسالة الصوم 2012: المسيحيّون في الشرق الأوسط يتجنّدون تماشيًا مع متغيّرات الربيع العربي

رسالة الصوم 2012: المسيحيّون في الشرق الأوسط يتجنّدون تماشيًا مع متغيّرات الربيع العربي

يشوب موقف الكنيسة في الشرق كثير من الاغتراب تجاه واقع شعوبها وما تعيشه من تغييرات جذريّة وحقيقيّة. إنّها مدعوّة اليوم، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، إلى أن تلحق رُكب الجهاد والتجنُّد لمواجهة الطغيان والظلم، وتقف في صفّ الشعوب المنادية بالحرّيّة والمتعطّشة إلى نَيل كرامتها. فصمتُ كنيسة الشرق هو عدم أمانة لرسالتها، وتنصّلها من التجنّد نكران لدورها وعلّة وجودها في العالم. ما هو التجنّد الّذي ينبغي للجماعة المسيحيّة أن تتجنّده؟

يشبه ما عاناه المسيحيّون الأوّلون من اضطهادات وتعذيب ما يعانيه عدد من شعوبنا اليوم. ويشبه سلوك أباطرة الأمس سلوك بعض قادة هذا العصر. ففي الأمس كما اليوم، هناك مَن يحاول طمس الآخر والنيل من كرامته الإنسانيّة، وقمع كلّ مُريدٍ للحرّيّة.

في تلك الأجواء،  كتب بولس الرسول إلى أهل أفسس  (6: 11- 20) ما يلي:

تَسلَّحوا بِسِلاحِ الله لِتَستَطيعوا مُقاوَمةَ مَكايدِ إِبليس، فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات. فخُذوا سِلاحَ الله لِتَستَطيعوا أَن تُقاوِموا في يَومِ الشَّرّ وتَظَلُّوا قائِمين وقَدِ تَغلَّبتُم على كُلِّ شيَء. فانهَضوا إِذًا وشُدُّوا أَوساطَكم بِالحَقّ والبَسوا دِرْعَ البِرّ وشُدُّوا أَقْدامَكم بالنَّشاطِ لإِعلانِ بِشارةِ السَّلام، واحمِلوا تُرْسَ الإِيمانِ في كُلِّ حال، فبِه تَستَطيعونَ أَن تُخمِدوا جَميعَ سِهامِ الشِّرِّيرِ المُشتَعِلَة. واتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله. أَقيموا كُلَّ حينٍ أَنواعَ الصَّلاةِ والدُّعاءِ في الرُّوح، ولِذلِكَ تَنبَّهوا وأَحيُوا اللَّيلَ مُواظِبينَ على الدُّعاءِ لِجَميع القِدِّيسين …”.

إنّ كلام بولس الرسول ليس منفصلاً عن الواقع، لأنّه اختبر الاضطهادات من جانبيه، فكان المـــُضطهِد قبل اهتدائه والمــُضطهَد بعده. وعلاوة على ذلك، فرسالته لا تفسح مجالاً للمحاباة على حساب الحق الّذي أؤتمن أن يشهد له.

إنّ هذه التعاليم الأصيلة طرّزت تاريخ الكنيسة بأبهى أنواع التجنّد والجهاد الروحيّ من أجل الحقّ. وهي دعوة لكلّ مسيحيّ يؤمن بيسوع المسيح والكنيسة عروسه أن يثبت بالإيمان والرجاء في ظلّ ما نعيشه، خصوصاً مع قدومنا على أبواب زمن الصوم الكبير. كيف نتجنّد؟ لنرَ بعض النقاط الّتي أتى بها بولس الرسول:

سلاح الله: وحده الله عوننا في الضيقات. تأتي إلى مسامعنا أصوات مَن ينادون: “يا الله ما لنا غيرك”. لقد عرف هؤلاء المؤمنون إلى مَن يتوجّهون في تصدّيهم للظلم والاضطهاد، فلم يستنجدوا بقوّاتٍ أرضيّة سياسيّة، بل ارتفعت أصواتهم إلى السماء لتمتزج مع صرخات صاحب المزمور: ” إِلى اللهِ وَحدَه تَطمَئِنُّ نَفْسي ومِن عِندِه خَلاصي. هو وَحدَه صخرَتي وخَلاصي هو حِصْني فلا أتزَعزَع” (مزمور 62: 2 – 3).

– المقاومة: يتذرّع الكلّ بالمقاومة في أيامنا لتبرير أعماله. فإلى أيّ مقاومة وممانعة سننحاز؟ سننحاز إلى مقاومة الشرّ، وهذا يتطلّب منّا التمييز لنعرف مَن هو الشرّير، ثم العمل. فلا مقاومة إلاّ بــــ “العمل”. فتعليم الكنيسة الاجتماعيّ يقول إنّ الاستكانة والمواقف الحياديّة الفاترة تجاه الشرور ما هي إلاّ مناصرة ضمنيّة لها. السلبيّة والحياديّة تسمح للشرّير بأن يغالي في التسلّط والبطش.

– الدفاع عن الحق: هذه رسالتنا نحن المسيحيّين، وبها نُكمل بها رسالة المسيح: ” وأَنا ما وُلِدتُ وأَتَيتُ إلى العالَم إِلاَّ لأَشهَدَ لِلحَقّ. فكُلُّ مَن كانَ مِنَ الحَقّ يُصْغي إِلى صَوتي” (يوحنّا 18 : 37). هكذا ردّ يسوع على بيلاطس وهو ماثلٌ أمامه لمحاكمته بالصلب، وآثر أن يبذل نفسه من أجل محبّيه ومن أجل الحق. فأن نكون مسيحيّين يعني أن نقف إلى جانب الحقّ ونؤيّد صاحبه مهما كان دينه أو عرقه أو انتماءه. وإن حادت الكنيسة عن الحقّ في يومٍ من الأيام، علينا أن ننبهها بمحبّة ونذكّرها برسالتها.

– عيش البرّ: إنّ الكنيسة لا تعترف بالشعارات ولا يقتصر إيمانها على الأقوال دون الأفعال. وفي ظلّ الظروف الراهنة الّتي جعلت مناطق عدّة منكوبة، وأصوات الاستغاثة الإنسانيّة الّتي تكمّها أصوات القنابل والقذائف، علينا أن نُقرن إيماننا بأفعال الرحمة تجاه القريب المحتاج. وهذا ما يؤكّده القدّيس يعقوب في رسالته: “وكَذلِكَ الإِيمان، فإِن لم يَقتَرِنْ بِالأَعمال كانَ مَيْتًا في حَدِّ ذاتِه. ورُبَّ قائلٍ يَقول: أَنتَ لَكَ الإِيمان وأَنا لِيَ الأَعْمال. فأَرِني إِيمانَكَ مِن غَيرِ أَعمال، أُرِكَ أَنا إِيماني بِأَعمالي (يعقوب 2 : 17-18). على أصواتنا المنددة بما يُصيب قريبنا أن يقترن أيضًا بالمعونة المادّيّة، خصوصاً في فترة صيامنا المبارك.

– البشارة بالسلام: لقد صبغت الوداعة والسلام شخص يسوع المسيح، لذلك لم يقاوم مضطهديه بالعنف. وإذ تبنّانا الله أفاض السلام في قلوبنا لنشع به على الآخرين، ونحثّهم على ضبط النفس وعدم مواجهة العنف بعنفٍ مضاد. نحن لا نتكلّم هنا على الأسلحة وحسب، لأنّ هناك عنفًا أشدّ تأثيرًا منها، وهو عنف الموقف. فلا نجعلنّ مواقفنا وسيلة تسوّغ استخدام العنف ضد الآخرين. ولنؤمن بكرامة الكائن البشريّ وما أودعنا الله من حقوق.

– الإيمان: سلاحنا الأقوى في ضيقنا هو أن نؤمن بأنّ الله الّذي أحبّنا لن يتركنا وحيدين، وأنّ ما نتحمّله من ضيق سيؤول حتماً إلى مستقبل أفضل. كيف لنا أن نؤمن بإله يترك خاصّته تحتضر دون تدخّل. لعلّنا لن نُدرك عمل الله في أيّامنا إلاّ بعد انبثاق ربيعٍ جديدٍ. ربيعٌ نزهر فيه على جميع الأصعدة، فنحقّق ذواتنا وننمو بما أراده الله لنا: أن نكون أحرارًا نفيض محبّةً وسعادة. إنّ حالنا اليوم كحال الشعب العبرانيّ في مسيرة خلاصه. لقد عانى الهلع وعدم الأمان. وعندما نال الخلاص راجع خبرة معاناته فأنشد: “لو لم يَكُنِ الرَّبُّ مَعَنا عِندَما قامَ البَشر علَينا، لاَبتَلَعونا ونَحنُ أَحْياء عِندَ اْضطِرامِ غَضَبِهم علَينا. ” (مزمور 124: 2–4).

– التوق إلى الخلاص: أسئلة كثيرة تتبادر إلى أذهاننا في هذه المحنة، ولعلّ أهمّها: “لماذا نحن؟ ولماذا الآن؟” لا يتوجّب على هذا السؤال المشروع أن يقودنا إلى نوع من السوداويّة وانعدام الرجاء، بل إلى تشبّث أشدّ واندماج أوسع في هذا المخاض، لأنّه لا خلاص من طغاةٍ، واضطهادٍ، وضيقٍ، وألمٍ من غير المرور بالمخاض. ولنتذكّر دومًا ما مرّ به المسيحيّون الأوّلون، وبقاء الكنيسة حتّى الآن علامة على عمل المسيح الّذي أسسها على الصخر ووعدنا من خلال بطرس: “على الصَّخرِ سَأَبني كَنيسَتي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (متى 16 : 18).

في نهاية هذه الرسالة، يتوجّه بولس الرسول لأهل أفسس وللمؤمنين كافّة حتّى يومنا هذا ويحثّهم على الصلاة. الصلاة هي أقوى الأسلحة في معركتنا ضدّ الظلم والظلمة. فكبار القدّيسين والأنبياء عاشوا في أحلك الظروف أعمق علاقة مع الله، وفي تلك الظروف عاينوه ولمسوا حضوره في حياتهم.

لن يتحقّق لنا النصر بعملٍ تخلّى عن الصلاة. نحن مدعوّون اليوم إلى أن نقرن العمل بالصلاة فنعيش كمال إيماننا المسيحيّ. أن نتّحد بكلّ من يُصلّي ويتضرّع إلى الله كلّ يوم قبل أن يشرع في التظاهر أو في التأييد، قبل أن يجتاز شارعًا تحت وابل الرصاص، قبل أن يهمّ لإسعاف أخيه. لنتّحد بكلّ مَن يواجهون المجهول متّكلين على الله ومسلّمين إيّاه ما قد وُهِب لهم. لنتّحد بمَن يعود إلى بيته في المساء بعد أن قدّم العزاء أو ناله لفقدان أحد أعزّائه، لنتّحد بمَن يشكر ربّه لأنّه وهبه الحياة ليومٍ آخر، فالأحداث جعلته يكتشف أنّ اليوم الّذي يعيشه هبة ثمينة لم يكن يقدّرها، لنتّحد بمَن يرجو من ربّ العالمين أن يمتّع ناظريه بيوم الحرّيّة والسلام …

الرّهبانيّة اليسوعيّة في الشرق الأوّسط – شباط “فبراير” 2012

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO