الصوم إصغاء إلى كلمة الله

الصوم إصغاء إلى كلمة الله

رسالة المطران كريكور أوغسطينوس كوسا لصوم2012

الإسكندرية – أبونا

“الصوم إصغاء إلى كلمة الله”

إلى إخوتي الكهنة الأحباء والراهبات الفاضلات،

وأبناء الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في أبرشية الإسكندرية،

وإلى المؤمنين أبناء الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية،

“عليكم النعمة والسلام من لدُنِ اللهِ أبينا والرّب يسوع المسيح” (رومة 7:1)

تحتفل الكنيسة هذا العام 2012 بـ”سنة الكتاب المقدّس” استعداداً للسنة القادمة 2013 التي أعلنها قداسة البابا بندكتس السادس عشر “سنة الإيمان”. ولهذا أردنا في هذا العام أن نتأمل خلال الصوم الأربعيني الكبير حول موضوع معنى الصوم وكيفية ممارسته من خلال الإصغاء إلى صوت الله.

يقول لنا أشعيا النبي: “أهكذا يكون الصوم الذي فضّلته اليومُ الذي فيه يُعذِّبُ الإنسان نفسه. أإذا حنى رأسه كالقصب وافترش المِسح والرماد تُسمّي ذلك صوماً ويوما مرضياً للرّب؟ أليس الصوم الذي فضّلتُه هو هذا: حلُّ قيود الشرّ وفكُّ رُبُطِ النير، وإطلاقُ المسحوقين أحراراً وتحطيم كل نير؟، أليس هو أن تكسِرَ للجائعِ خُبزكَ وأن تُدخِلَ البائسين المطرودين بيتك، وإذا رأيت العريان أن تكسُوَه، وأن لا تتوارى عن لحمِكَ؟، حينئذٍ يَبزُغُ كالفجرِ نورُكَ، وينَدبُ جُرحُكَ سريعاً، ويسيرُ بُرُّكَ أمامك ومجد الرّب يجمعُ شملَكَ”. (أشعيا 5:58-8)

أولاً: ما هو الصوم

في القديم كان الصوم ممزوج بعادات وتقاليد وثنية وشعاره الحزن، ومعطياته الامتناع عن الأكل دون انقطاع عن الآثام والخطايا والعادات السيئة والرذيلة…

أما في العهد الجديد كانت كلمة السيّد المسيح صريحة جداً، عندما قال: “وإذا صمتم فلا تعبسوا كالمرائين، فإنهم يُكلِّحونَ وجوههُم، ليظْهَرَ للناس أنهم صائمون.الحق أقول لكم إنهم أخذوا أجرهم. أما أنتَ فإذا صُمتَ، فأدهُن رأسك وأغسل وجهك، لِكَيّلا يظهر للناس أنك صائم، بل لأبيك الذي في الخُفية، وأبوكَ الذي يرى في الخُفية يجازيك”. (متى 16:6-18)

ولما دعا الجمع ثانيةً إليه قال لهم: “أصغوا إليَّ كُلُّكم وافهموا! ما من شيء خارج عن الإنسان إذا دخل ينجسَهُ. ولكن ما يخرج من الإنسان هو الذي يُنجس الإنسان” ولما دخل البيت مبتعداً عن الجمع، سأله تلاميذه عن المثل، فقال لهم: “… ألا تدركون أن ما يدخل الإنسان من الخارج لا يُنجسه، لأنه لا يدخل إلى القلب، بل إلى الجوف ثم يذهب في الخلاء؟” وفي قوله ذلك جعل الأطعمة كلها طاهرة. وقال لهم: “ما يخرج من الإنسان هو الذي يُنجس الإنسان، لأنه من باطن الناس، من قلوبهم، تنبعث المقاصد السوء والفحش والسرقة والقتل والزنى والطمع والخُبث والغش والفجورُ والحسدُ والنميمة والشتمُ والكبرياءُ والغباوة. جميع هذه المُنكراتِ تخرج من باطن الإنسان فتنجسُه”. (مرقس14:7-23)

فالصوم هو رجوع إلى بيت الآب: “أقوم وأمضي إلى أبي فأقول له: يا أبتِ إنّي خطئت إلى السماء (إلى الله) وإليكَ” (لوقا 18:15)، والوقوف أمام الله الحيّ”فقال إيليا لأحاب: “حيُّ الرّب… الذي أنا واقف أمامه”. (1 ملوك 1:17)

ثانياً: معنى الصوم

ينطلق عمل السيّد المسيح الخلاصيّ من ظهور الثالوث الأقدس على نهر الأردن عندما تعمّد، ويمر عبر اختبار الصحراء الذي مرّ هو فيه ومعنى هذا الاختبار أن يسوع يظهر بمظهر آدم الجديد الذي جُرِّب في البرّية. (راجع سفر تثنية الاشتراع 3:8 و16:6 و36:6) ويخرج يسوع من المعركة منتصراً ضد الشيطان، ولم يدعه بإبعاده وفصله عن الله. وهذا المشهد يربطنا بالمعمودية ويعلّمنا أن معنى الحياة المسيحية هي أن كل ابن لله مفروض عليه أن ينتصر على الشيطان وتجاربه. (راجع متى 1:4-11)

وهكذا يبلُغ الصوم مداه في الأسبوع العظيم المقدّس بالآلام والصَلب والموت والقيامة “قد ابتلع النصر الموت. فأين يا موت نصرُكَ؟ وأين يا موت شوكَتُكَ؟ إن شوكة الموت هي الخطيئة، وقوة الخطيئة هي الشريعة”. (1قورنتس 54:15-56) فالصوم هو اشتراك مع المسيح في حمل آلام البشر ودفعها إلى مجد القيامة.

اختبار الصحراء

في العهد القديم يأخذ اختبار الصحراء أعمق معانيه. فهو عند كل الأنبياء اختبار الموت المستحيل حياة بفعل الحب. فالصحراء أرض الموت والتيه والضياع والحر والبرد. هي أرض الجوع والعطش وعلى هذه الأرض يفقد الإنسان كل ضمانات بقائه من بيت ومتاع ومال. فليس أمامه سوى الغربة والوحدانية والموت.

إلاّ أن هذه الأرض تتحوّل بفعل حضور الله إلى أرض ميعاد فيها الله هو الضمانة الكبرى وهو يؤمّن كل شيء. فقال الرّب لموسى: “ها أنا قائمٌ أمامك هناك على الصخرة، فتضرب الصخرة، فإنه يخرج منها ماء فيشرب الشعب” (خروج 16:17) وقال موسى:”إن الشعب يأتي إليَّ ليستشير الله… وأُعرِّفهم فرائض الله وشرائعه.”(خروج 15:18-16) فتوقنا إلى الله هو توقنا إلى الحياة وبالنهاية فالله هو الحياة.

والصحراء بوجود الله تصير أرض موعد ولقاء المحبّين. إذ يخرج الإنسان من قشور مغريات الحياة ومن المراكز والمناصب إلى الوقوف أمام الله الحيّ.

هذا الاختبار مرَّ به يسوع وحوّله إلى اختبار داخلي. إذ يتحرر الإنسان من كل ما يلهيه ويبعده عن الله ويعود ليصغي إليه ويسمعه ويحدّثه عن مشروعه الخلاصي لإنسان اليوم كما حدّث موسى وإيليا المسيح على جبل التجلّي (لوقا 9) فيشعر الإنسان بفشل مشاريعه المادية كما فشل الابن الضال في سفره (لوقا 15)، ويتذكّر موعده مع الله ومع صليبه وصليب الإنسان فتتم المشاركة بين المؤمن والمسيح في الموت والقيامة والخلاص.

التوبة

إن الوقوف أمام الله الحيّ يتطلّب فعل انسلاخ عميق وتغيير جذري. “أقوم وأرجع إلى أبي وأقول له: إنّي خطئت إلى السماء وإليك” (لوقا 18:15)، فالتوبة هي تجدُّد بالإعتراف وإذا لم يكُن عندنا هدف نصبو إليه فسرّ الاعتراف ينظفنا لفترةٍ ثم نعود بإرادتنا إلى ما كنّا عليه.

الصوم غوص في عمق ذواتنا لنفحص ضمائرنا “ونقوم ونرجع إلى أبينا السماوي ونقول له:…” هذه الرجعة ترفعنا من الحياة المادية والاستهلاكية إلى مصاف الحب الصافي الذي لا يبغي عطايا الحبيب، بل الحبيب بذاته. فغوصنا على ذاتنا ليس إلاّ لتفجير أنانيتنا لنفتح شبابيك ذواتنا على نسيم الحب، وشوق الانتظار، وفرح اللقاء.

ثالثاً: الممارسة

الصوم إذاً هو رجوع، فانتظار، فلقاء. فالرجوع والانتظار واللقاء يجمعهما قاسم مشترك، وهو الفرح.

الفرح

علامة الصوم المسيحي المميّزة هي الفرح: فرح داخلي عميق، بالعودة والمشاركة في سرّ الخلاص.

وفرح بإعادة اكتشاف بُعدنا العامودي، أي: نحن لسنا أبناء الأرض فقط، بل أبناء الأرض والسماء معاً.

قال أحد الأباء القدّيسين: “خلقنا الله على شكل صليب مركز في الأرض ورأسه يرتفع إلى السماء، لنستطيع النظر إلى فوق والتطلع إلى الأسفل، إلاّ أننا حنينا رؤوسنا نحو الأسفل والأسفل فقط، كما يفعل الثور الباحث عن عشبة ليلتهمها. فالأرض مهمة، لأنها تأخذ أهميتها من السماء التي نحن إليها ذاهبون.

الاشتراك بالآلام

الصوم اشتراك فعلي بعمل الخلاص. يقول القدّيس بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: “فإنّي أحمل في جسدي سمات يسوع، وأتمم في جسدي ما ينقص من آلام المسيح” (غلاطية 17:6). فأنا أتألم من أجل إنسان اليوم، وأفكر مكان إنسان اليوم، أصلّي وأتوب لأرفع إنسان اليوم بمشاكله ومصاعبه وقلقه وآلامه إلى الله.

قال يسوع: “أنا إذا رفعت من هذه الأرض، جذبتُ إلىَّ الناس أجمعين.” (يوحنا32:12) ونحن أيضا لا نقدر أن نجذب أحداً إلى المسيح إلاّ إذا ارتفعنا عن الأرض بسلوكنا وتصرفاتنا. فالمشاركة بالآلام هي مشاركة بالتحضير للقيامة.

البُعد الاجتماعي

إن اللقاء مع الله يخمل الإنسان على الانفتاح على القريب. فأنا إذا أخطأت وانغلقت على ذاتي ارتكبت خطيئة الأنانية وحب الذات. عنها عبّر أشعيا النبي بقوله: “لا تتوارى عن لحمِكَ” (أشعيا 7:58) فالبُعد الاجتماعي يتطلب تضحية ومشاركة الآخرين في الثروات والخيرات المادية والمعنوية.كما أوصانا يسوع: “كلما صنعتم شيئاً من ذلك لواحدٍ من إخوتي هؤلاء الصغار،فلي قد صنعتُموه.” (متى 40:25)

الخاتمة

فالمسيحي الذي يجسّد المسيح في حياته وأعماله، ويصغي إلى تعاليمه، لا يمكنه أن ينعزل عن الآخرين وينغلق على ذاته ضمن إطار الوصايا، بل عليه أن ينطلق إلى الأمام، لأن الوصايا طريق يرشدنا إلى محبّة الله والقريب.

الصوم إذاً، ذهاب إلى الآخر حيث هو، وكما نزل المسيح إلينا حيث نحن: فلا نقدر أن نحرر غيرنا إلاّ إذا ذهبنا إليه وحملنا معه أعباءه وصليبه.

الصوم أخيراً هو إصغاء إلى صوت الله الذي يدعونا إليه وينتظر عودتنا كل يوم ليضمنا إلى قلبه بكبريائنا الذي هو أساس خطايانا، ويغفر لنا ذنوبنا، ويمنحنا قداسة وحياة جديدة نعيشها برجاء لا يخيب.

نتمنّى لكم جميعاً، كباراً وصغاراً، مسيرة حياة روحيَّة مشتركة وتوبةً مقبولة وصوم اًمباركاً، تحت عناية الرّب يسوع ونظره، بشفاعة العذراء مريم أُمنا، وبصلوات القدِّيس غريغوريوس المنوَّر والطوباوي إغناطيوس مالويان وآبائنا القدِّيسين.


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO